Ruba Qewar رُبى قعوار

السيرة الذاتية للباحثة رُبى (رُبا) قعوار

كلنا بشر خطّائين صنع السلام الشعور بالسرور والسعادة حب للأبد معاً للأبد البحث عن الحقيقة إسلام هو الحق إعرف أخطاءك

اسمي رُبى قعوار، وُلدتُ في الدنمارك عام 1981م، وبعدها انتقلت مع عائلتي إلى الأردن عام 1985م، أصبح والدي قسيساً بعد جدي القسيس. وعمي قسيس وابنة عمتي متزوجة من قسيس أيضاً. ونحن من عائلة تدين بالديانة المسيحية.
قضيت طفولتي ومعظم مراهقتي في الأردن ومن ثم انتقلنا في عام 2002م إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ثم تُوفّي والدي عام 2003م، وفي ذلك الوقت ابتدأت الإبتعاد عن الديانة المسيحية، بعدما كنت خادمة في الكنيسة، وحصل معي صدمة حضارية.

قصة الإسلام وأسباب إسلامي

هناك أربع أسباب رئيسية دفعتني للتفكير في الإسلام حتى اعتنقت الإسلام ونطقت الشهادتين

أولاً: أسلوب دراستي للإنجيل: تعرفت على مجموعة من المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية. سألني أحدهم: "أين قال المسيح عن نفسه أنه الله في الإنجيل؟" أجبته أن هناك الكثير من النصوص تثبت أن المسيح هو الله! قال المسيح: "أنا والآب واحد! من رآني فقد رأى الآب!"" قال: "هذا لا يثبت أن المسيح هو الله! فإن الله عز وجل تكلم في القديم مع موسى عليه السلام وقد أعلن أنه الله الواحد الأحد بكل صراحة، أما المسيح فلم يقل يوماً أنه الله!
أربكني هذا التعليق واثرعلي كثيراً وودتُ أن أثبت لهم بكل ما أتاني من علم وقوة أن المسيح هو الله الذي أعبده . فذهبتُ إلى البيت وبدأت أقرأ الكتاب المقدس وأركّز على تعاليم المسيح كي أثبت أن المسيح هو الله فعلاً! ولقد كانت صدمتي كبيرة جداً عندما لم أجد من خلال قرائتي أي نص مباشر في تعاليم المسيح يعرّف بها ويقول أنه الله أو (الله الإبن) حسب التحدي الذي وضعه أمامي اصدقائي بضرورة وجود نص واضح ومباش يقول فيه المسيح أنه هو الله الإبن ! وقرأت الأناجيل الأربعة؛ متى ومرقس ولوقا ويوحنا! وبدأت أشعر بالقلق عندما وصلت في قراءتي نهاية إنجيل يوحنا لأنني لم أجد أي نص يعرف المسيح عن نفسه أنه الله!
أقفلتُ الكتاب المقدس ونظرت إليه بتعجب وقلت: "لماذا أعبد المسيح إن لم يؤله المسيح نفسه؟ من أين جئت بهذه المعلومات عن عقيدتي المسيحية؟" طرأت في مخيلتي ذاكرة – عندما كنت أدرس تاريخ الكتاب المقدس – قال البروفيسور البريطاني "ذهبتُ إلى معرض بريطانيا الذي فيه تُعرض مخطوطات الإنجيل الأصلية المكتشفة – باللغة اليونانية، ووجدتُ أن معظم هذه المخطوطات ممزقة ومرممة" فسألتُ نفسي: "إذا كان الله كاملاً فكيف لم يحافظ على تلك المخطوطات سليمة ، وفي حيرتي وارتباكي لم يكن ليخطر ببالي أن تلك المخطوطات التي تجاوزت الألفي عام لا بد أن تتلف لطبيعة المواد التي كتبت عليها. كذلك قرأت في إنجيل يوحنا ولمع أمامي نصاً كان زملائي المسلمون يكرروه أمامي جعلني أفكر في قول السيد المسيح وهو يصلي لوحده: "وهذه هي الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" يوحنا 17 : 3 وكأنما يقول المسيح أن هناك إله واحد حقيقي يعبد وأن المسيح هو مُرسل من عند الله .

ثانياً: قراءتي للقرآن الكريم: بدأتُ أقرأ القرآن لا لإثبات الحق، بل لمحاولة أثبات أنني على حق وأن المسلمين على خطأ. أردتُ أن أُخرج الأخطاء الموجودة في القرآن حتى أثبت للمسلمين أنهم على خطأ وأن قرآنهم غير صحيح! وبمحض خبراتي الشخصية السابقة عن المسلمين لم أفكر يوماً أن الإسلام هو الطريق الصحيح للخلاص. لم يكن لدي مصحفاً في البيت، ففتحتُ موقع
www.muslim-web.com
ورحت أقرأ القرآن، وأبحث فيه، وبدأت بسورة الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران الخ. كانت قراءته صعبة في أول الأمر ولكني بدأت الإعتياد عليه، وجدتُ في القران جاذبية خاصة جذبتني لقراءته. ووجدتُ ايضا فيما اعتقدت انه الإجابة على تساؤلاتي في صورة المسيح المبسطة بدون تعقيد كقوله عن نفسه متكلما في المهد "إني عبد الله" فكان ذلك رداً على تساؤلي في ألوهية المسيح، وقال الله عز وجل: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة" فكان رداً على نفي الثالوث حسب تفسير المسيحيين أن المسيح هو الله الإبن حتى اسلوب القرآن الكريم يختلف عن قراءة الكتاب المقدس الذي يبدو ككتاب تاريخ ، مما جعلني أتعجب من هذا القرآن وقرات في سورة المائدة أية 82 "لتجدنَّ أشدَّ الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنَّ أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورُهباناً وأنهم لا يستكبرون" هذه الآية جذبت إنتباهي ورحت أقرأ بتمعن وبعمق أكبر فأنا من عائلة قسيسين ورهبان، ثم تابعت: "وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عَرَفوا من الحق" وطفقت عيناي تسيل دمعاً حينها، ثم أكملت: "يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين" وهنا قلت: "يا ربي أنا آمنت!"
وهنا ذهبت إلى أصدقائي ونطقت الشهادتين وقلتُ: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله"

ثالثاً: البحث عن هوية وكيان حيث كان في داخلي شعور بالدونية من جهة الهوية وذلك بأنني أردنية و عربية ولكن مسيحية حيث يشعر المسيحيون بانهم اقلية لا تتمتع بحقوق المواطنة الكاملة كما المسلمين ولازمني هذا الإحساس حتى في أمريكا حيث يعتبروننا أقليه ايضا مع كوننا مسيحيين وذلك لأني عربية فكان لا بد من تحديد هويتي كما أن هذا الشعور بدأ وأنا في الصف العاشر.

رابعاً: الأحداث السياسية: من الأحداث السياسية التي أثرت بي كثيراً هي حادثة 11 سبتمبر وبعدها أحداث سجن أبو غريب كما كان ينظر اليها زملائي المسلمين، وبدأت أتساءل في نفسي، ما الذي يجعل الناس يحاربوا الإسلام والمسلمين باستمرار؟ كان لدي الإعتقاد قبل الإسلام أن المسيحيين هم المضطَهَدين ولكن بعد هذه الأحداث أصبحت ارى وكما يراه المسلمون من حولي أن الإسلام هو الضحية باستمرار، وان الحق في الإسلام يقابل بالإرهاب والقمع باستمرار منذ بداية التاريخ، لذلك تأكدت أن الإسلام هو الدين الصحيح.

قبل أن أنطق الشهادتين كنت أسوق بسيارتي متجهة نحو أصدقائي الذين اتصلت بهم بعد شهرين من المعاناة والدراسة و كنتُ خائفة كثيراً من ردة فعل الأهل لو عرفوا بأمري! كنت خائفة من ردة فعل المجتمع! عندما وصلتُ إلى أصدقائي وجدوني أبكي وسألوني عن السبب، فقلتُ لهم: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله"
في تلك اللحظة شعرتُ بسعادة غامرة لدرجة كدتُ أن أخرج وأقول للجميع أنني مسلمة ولم يهمني الأمر. لم يصدقني أحد من الإخوة والأخوات الذين كانوا معي عندما نطقت الشهادتين وظنوا أني أستهزيء أو أمزح، ولكني شرحتُ لهم أن لدي الرغبة في أن أتعلم الدين كله، أريد أن أعرف كيف أتوضأ، أريد أن أعرف كيف أصلي أريد أن أعرف كل شيء عن الإسلام. أحدهم قال لي: "سبحان الله إن الله يحبك" والآخر قال: "إن اليوم هو أول ليلة رمضان" وكانت فرحتي أكبر عندما علمتُ أنني سأصوم مع المسلمين أيضاً. كان ذلك بدون أدنى شك هو شعور الرضى لإندماجي ذلك المجتمع الصغير المحبب لدي.

رجعت إلى البيت وسعادة غامرة تمتلكني، لاحظت أمي وأرادت أن تعرف السبب، ذهبت إلى الحمام وتوضأت، وبعدها أخذت الورقة التي كتبها لي أصدقائي وفتحتها لأقرأ خطوات الصلاة. لم يكن لدي قرآن، لم يكن لدي حجاب، بل لبست لباساً طويلاً ووضعت قبعة الجاكيت على رأسي، وقلت: "الله أكبر" قرأت الفاتحة كما هي مكتوبة على الورقة وبعدها قلت: "الله أكبر" وقرأت كلمة "ركوع" لم أعرف ما هو الركوع فجلست على الأرض، وبعدها قلت: "سمع الله لمن حمده" وسجدتُ على الأرض، عندها انتابني احساس بأن هذه أول مرة أسجد فيها لله عز وجل شعرتُ أن علي مهمة يجب تحقيقها وهي مشاركة الآخرين بإسلامي ودعوتهم له رغم قلة علمي بالدين الإسلامي وما زلت طالبة للعلم .

هناك عدة مسببات لتركي الدين العظيم، وما كان هذا إلا جهل وتقصير وغباء مني، وأسأل الله عز وجل أن يغفر لنا ويتوب علينا ويثبتنا على دينه. من هذه الأسباب:
أولاً: التركيز على الذات بدلاً من التركيز على الله عز وجل: وكما قال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: " ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه " فأقول قدّر الله وما شاء فعل، ومهما فعلت فلن أفي شكري له عز وجل لإعادتي إلى أعظم نعمة، وهي نعمة الإسلام، دين الحق والسلام. أسأل الله عز وجل أن يثبتنا على دينه.
لقد حدِتُ عن الطريق بالتركيز على ذاتي، فبدلاً من أن أحمد الله على نعمه علي وعلى هدايته لي للإسلام، مررتُ بظروف صعبة جداً أدّت بي إلى النظر إلى العالم بسلبية شديدة. وكانت بداية انحداري الشديد في حياتي الطلاق من زوجي السابق (الذي كان يمثل نصف ديني)، بعد اختلافات كثيرة أدّت إلى البعد بيننا عام 2009م، وكنتُ بعد طلاقي أطمع بأن أجتذب أهلي إلى الإسلام فذهبتُ وعشتُ في بيتهم لمدة قصيرة قبل سفري إلى الأردن. بالرغم أن معنوياتي النفسية في الحضيض في ذلك الوقت، ولم أخرج من الصدمة بعد، كنتُ أحاول أن أطبق الإسلام أمامهم بالطريقة الصحيحة ومحاولة التقرب منهم بعد اختلافات ومشاكل كبيرة باءت بيننا لثلاثة أعوام على الأقل.
- التشدد الديني: عندما بدأ اليأس يتخلل نفسيتي، وطُردتُ من البيت بعد فترة وجيزة، قررتُ الهجرة إلى البلاد الإسلامية وترك الولايات المتحدة. في تلك الفترة، كنتُ أدرس الدين الشرعي على يدي أحد الشيوخ المتشددين جداً، ويدّعي أنه وهابي من المملكة السعودية، وما يفعله هو تشويه لصورة الملتزمين. ولكن كمسلمة جديدة لم أدرك هذا إلا بعد فوات الأوان. كان يبث أفكاره الإرهابية والتكفيرية لنا، وفي الوقت نفسه، بعد طلاقي، كنتُ أحاول نجاة نفسي من الفتور الروحي، فبدلاً من التوجه إلى الله عز وجل وسؤاله المعونة والنصرة اشتغلتُ بالأفكار السلبية، وصرتُ ألتقط ما هو خاطيء، وأقعد أتصيد على الناس أخطائهم، نعم أعترف أني مخطئة .. وهذا النوع من التشدد جعلني أخرج من الدين من الباب الخلفي، دون أن أدري.
الإرهاب النفسي والروحي عن طريق الزام الناس في التشدد في الدين دون مطالعة او علم بالأحكام؛ فإن لم يستطع الشيطان نزع الدين من قلوب البشر فإنه يستخدم طريقة اخرى وهي دفعهم للدين بقوة سريعة جداً تجعل الناس ينفذون من الباب الآخر للإرتداد وهو التشدد. للأسف الشديد هناك من مَن يستخدم الدين كتجارة ويستعمل اسم الإسلام لأهداف هدامة لا بناءة عن طريق اللعب على أوتار الناس النفسية لبغض الآخر والتشدد وإقامة حروب مع الفئات الأخرى. والأمثلة كثيرة على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي.
هذا الإلزام المنفّر - حتى لو كان بنية صادقة وحب الخير للغير – الذي استخدمه ذلك الشيخ علينا قد عمل على تنفيرنا عن دين الله اولاً، ثم ارتكب الشخص الملزِم إثماً أنه تشدد في الدين وألزم غيره في شيء هو لم يصل لهذا المستوى بعد .. والله يقول: "لا إكراه في الدين" .. والمصيبة الأكبر عندما يستخدم آيات قرآنية وأحاديث لترهيب الناس ووضع دلائل ليس بمحلها لإلزامهم لعمل شيء غير قادرين عليه أو أنهم لم يصلوا لهذا المستوى بعد وهكذا.
هذا ما يسمى الانتهاك الروحي والنفسي وهو اسوأ بكثير من الإنتهاك الجسدي ويؤلم أكثر.

- الإستغلال الإعلامي: أذكر أني دُعيت إلى أحد المساجد كي ألقي محاضرة، وكانت محاضرتي عنوانها "تبشيرات التوراة والإنجيل عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم" وعندما بدأت المحاضرة، قامت إحداهن تريدني أن أتحدث عن قصة إسلامي، فطلبتُ منها أن تقرأها من موقعي الخاص، ثم قامت أخرى وطلبت مني نفس الأمر، وبعدها مجموعة من النساء اعترضنَ على المحاضرة وأردنَ أن يسمعنَ قصة حياتي!! استغربتُ فعلاً من هذا الأمر، فبدلاً من الإستفادة من الدراسات والخبرات التي لدي، أرى الكثير من الناس اهتم بحياتي الخاصة ومتابعتها بشكل مكثف، وكأن لا حياة لهم. بل وأذكر في أحد المراكز الإسلامية، كان السؤال الأول المُوجَّه لي إن كنتُ متزوجة بدلاً من التركيز على العبرة من قصة إسلامي! وهذا انطبق على معظم الوسائل الإعلامية التي أرادت السبق الإعلامي عن حياتي الخاصة، بعد أن سُقمتُ من كثر تكرار قصة إسلامي، ولم يهمهم الرسالة التي أقدمها والتي هي كانت نيتي الأولى لوجه الله، وإنما أرادوا التركيز على شخصي، وهذا أوقعني بفتنة كبيرة، فتنة الشهرة والتشهير، ووجدتُ أن أصعب شيء يمكن للإنسان تطبيقه في العبادة هو الإخلاص في القول والعمل، ولا يستطيع أن يفعل الإنسان هذا العمل الجبار إلا بمعونةٍ من رب العباد.

ثانياً: الصدمة الثقافية: عند انتقالي من الولايات المتحدة إلى الأردن، في يونيو 2009م، حدث أن دخلتُ السجن في الثلاثة أيام الأولى في وجودي في الأردن، لإجراءات أمنية، وهذا أعطاني انطباعاً سيئاً، لحد ما عن المجتمع وكيفية التعامل مع بعضهم البعض. ثم كنتُ أحلم أنني سأنزل إلى بلد الصحابة (رضي الله عنهم)، وفي نيتي طلب العلم، ووضعتُ آمالي على بعض المشايخ المسلمين لمعاونتي في ديني، ولكنهم للأسف لم يستطيعوا المواجهة، وتُركتُ امرأة وحيدة معرَّضة لرياح الفتن والإبتلاءات.
دخلتُ في صراع مع نفسي وتحت ضغط شديد وأُصبتُ بحالة من خيبة الأمل والإكتئاب .. هذا ما كنت أعاني منه في الأردن كإمرأة وحيدة، فشلت في زواجها وكان هناك الكثير من الضغوطات من المسلمين عليها .. بعد اتهامي بالجاسوسية وتكفيري بسبب امرأة خرجت على الهواء مباشرة واتهمتني بأنني أخبر أهالي المسلمين الجدد الذين يخفون إسلامهم لأهلهم - دون وجود أي دليل على ذلك .. وما كان هذا إلا افتراء.
ومع وجود بعض الناس الذين أخذوا بيدي وساندوني، وعضدوني، إلا أنهم لم يفهموا شخصيتي واعتبروا أنفسهم كأصدقاء لشخصية مشهورة لا أكثر. ودون الخوض بتفاصيل الأحداث في الأردن، أُصبتُ بالإحباط والقنوط واليأس، ومرة أخرى لم أتوجه بشكل كامل لله، فبدأت أبحث عن سعادتي في مكان آخر، في الدنيا، ولمتُ المسلمين والإسلام على ما أنا كنتُ فيه من إكتئاب.

ثالثاً: القال والقيل وأمراض المجتمع: لربما من أكثر الأمور السلبية التي أثرت بي، هو عندما أثق بأخت ما، وأبوح لها بسري ومشاعري وما أفكر به، ولكن ما أدير ظهري حتى تنتقل هذه الكلمات بطريقة أخرى مشوهة، أو أنها تُفهم بطريقة أخرى. وبالرغم من أن هؤلاء الأشخاص لديهم نية طيبة تحاول الإصلاح، ولكن القيل والقال أفسد الكثير من مشاريعي الدعوية، وحطم الكثير من ثقتي بالناس، فلم أعد أستطيع أن أثق بأحد ليعينني بما كنتُ أود فعله في الأردن، ولم أجد إلا النزاع بين الأخوات دافعه الغيرة والحقد. ولا أستطيع أن أتحدث بصراحة عن الأحداث هنا. ولكن ما حصل كان ابتلاءاً كبيراً، وكنتُ أنا الضحية بينهم، وفي ذلك الوقت، بدأتُ أدعو الله بدموع مريرة وأنا أسأله: "لماذا يارب؟ ماذا فعلتُ لأستحق هذا؟ هل هذا ردٌّ لي لأنني نويت فعلاً أن آتي إلى الأردن كي أطلب العلم وأكمل دراستي الشرعية؟" وبالتأكيد تذمراتي هذه كانت خاطئة ومعصية لله، وأسأل الله أن يغفر لنا ويتوب علينا، ولكن أمراض المجتمع دمرت الكثير من إيمانياتي، وبدأت تنقلب لدي المفاهيم والأفكار الإسلامية الصحيحة التي بُنيت في أول إسلامي. وأنا لا أقول هنا أن الأردن بلد سيء، بل ما شاء الله هناك الكثير من الناس فيها الطيبين والملتزمين، والعلماء أيضاً الذين استفدتُ منهم كثيراً، ولكن لربما أنني كنتُ في المكان الخطأ واحتككتُ مع الجماعات الخطأ وأخذوا أكثر انتباهي وبدأتُ أبتعد بذلك عن الله عز وجل. وشعرتُ بالخجل كشخصية معروفة أن أشتكي لأحد أو أطلب المعونة والمساعدة من أي إنسان، فلم أكن أثق بأحد، بنفس الوقت كانت لدي المخاوف أنهم لن يفهموني أو يشعروا بي.

رابعاً: عزل نفسي عن المسلمين: عندما أُنهِكتُ من جميع هذه المشاكل والإبتلاءات، قررتُ أخذ القسط من الراحة وأبتعد عن المسلمين، وهذه كانت أكبر غلطة فعلتها في حياتي، وبدأتُ أشعر أنني حرة ويمكنني فعل ما أريد دون أن يحاسبني أحد. وبالرغم أنه الحمدلله لم أقع وقتها بالأعمال المحرمة كإمرأة وحيدة، إلا أن أفكاري وأيديولوجياتي بدأت تتغير وتتحرر، وخاصة عندما بدأتُ أحتك بغير المسلمين محاولةً في ذلك أن أدعوهم إلى الإسلام، ولكن كانت نفسيتي متحطمة، وروحانياتي في الحضيض، فكيف لي أن أدعوهم وأنا لم أشحن نفسي؟ ففاقد الشيء لا يعطيه. وبذلك بدأتُ بالإندراج والإنزياح والإنزلاق لهم دون أن أشعر، فلربما أنه كان الملل القاتل الذي كنتُ أشعر به، أو شعوري بمن كان يهتم بي، أو يتظاهر أنه يهتم بي حقاً، حتى أخيراً فقدتُ إيمانياتي.
ولا أنسى أن أذكر أنني كنتُ تحت تأثير سحر قديم عندما كنتُ في أمريكا، ولكن تأثيره قوي لأنني لم أعد أذكر الله كما كنتُ سابقاً، وبدأت أنجرف بعيداً عن النور.

خامساً: غسيل الدماغ والعنف الفكري: وهنا القصة طويلة جداً، ومن الصعب الخوض بالأحداث. لربما سأسردها بالتفصيل (في كتاب) لاحقاً بإذن الله.
أ‌. الشبهات: زياراتي الطويلة لغير المسلمين والتحدث معهم كانت غسيل دماغ بحد ذاتها، فقد كنتُ أقضي فوق الأربع ساعات يومياً عندهم (بكامل إرادتي) أتحدث معهم عن الدين، لربما كنت أنبش في الأعماق عن الشبهات التي كانت تراودني .. وهذه الشكوك أفقدت إيماني .. وأخيراً بعد عدة إيام قررتُ ترك الإسلام بعدما لم أكن أستطيع الصلاة، فعندما كنت أقف للصلاة كانت أفكاري تدخل في دوامات وكنت أخطيء كثيراً وأنسى بعض الآيات والكلمات .. وبنفس الوقت كنت أشعر أن حب القراءة والدراسة الذي كان لدي تغير عن أن يكون عن الإسلام، وإنما أصبحتُ أحب القراءة والإطلاع في كل شيء إلا كتب الإسلام. وهكذا قلتُ لهم أنني تركتُ الصلاة، فسألوني عن السبب - وابتسامة شاحبة على محياهم - فأجبتهم: "لم أعد أؤمن بما كنت أؤمن به"
كانت حرب شعواء بيني وبين الشبهات، وكنتُ أردُّ على معظمها، ولكن المهاجمين لم يكن لديهم رحمة، ولم تكن أسئلتهم البريئة وتهكماتهم وسبهم على نبي الله صلى الله عليه وسلم من دافع المعرفة والبحث عن الحقيقة أو من دافع محاولة نجدتي، بل من دافع تدمير معتقداتي، وقتل فطرة التوحيد التي في داخلي. فباحثة يدعونها الناس داعية تجيب على شبهات ما هي إلا سمكة كبيرة بالنسبة إليهم وقعت في شباكهم.. على كل حال، في ذلك الوقت كنت ضعيفة الإيمان، غاضبة من المجتمع، أشعر باكتئاب شديد، وكنت مستعدة لأن أفعل أي شيء حتى أخرج من السجن الذي شعرتُ به. سجن دون قضبان حديدية كان يسيطر على عقلي.

ب‌. اللعب على العواطف النفسية: أخيراً بعدما اعترفتُ أنني لا أدين بالدين الإسلامي، وأردتُ أن أعود إلى ما كنتُ عليه قبل الإسلام، هناك أقنعوني أنه يجب علي مغادرة البلد والعودة إلى الولايات المتحدة، بحجة أنه إن اكتُشف أمري فقد أُقتل من قِبَل المسلمين تطبيقاً لحد الردة في الإسلام. وحُجزت تذكرة الطائرة رغماً عن أنفي في يوليو 2010م.
وعندما وصلتُ أمريكا حصلت معي حوادث كثيرة متسارعة، لا أستطيع التحدث فيها، وأعلنتُ ارتدادي لأول مرة على برنامج البالتوك، بعد شهر تقريباً من عودتي للولايات المتحدة، فبدأت القنوات الفضائية المسيحية بالإتصال بي لاقتناص السبق الإعلامي والضغط علي للإعلان بترك الإسلام. وأخيراً بعد فترة من الجدالات والحوارات أُقنعتُ كي أظهر على قناة الحياة المسيحية، بالحجاب حتى لا يدّعي المسلمين أن الفيديو مفبرك، وكي لا يقولوا أن من في الفيديو هي ليست رُبى!
في اليوم التالي ذهبنا إلى الستوديو، وجلست مع وحيد، وشعرت بشيء مريب، ولكن لم أستطع أن أتراجع. أمي كانت جالسة من وراء الزجاج مع اثنين امريكيين - مبشرين - وكنت ألبس الحجاب. وبدأ التصوير وهو يسألني وأنا أجيب، وبعد عدة دقائق، انقطع التصوير وطُلب مني أن أخلع الحجاب أمام الكاميرا، ترددت في باديء الأمر، ولكني أُقنعتُ أنه لا بد أن أفعل ذلك حتى أكسب مصداقية من الجمهور. رغم أنني أحسست نفسي في دوامة، ولكن في داخلي أردتُ فعلاً أن أكسب ثقة الآخرين، لأنني أعلم بإعلاني خروجي من الإسلام، سأخسر الكثير، وفي الوقت نفسه كنت مقتنعة أنني على حق، وأنني أفعل ذلك من أجل إعلاني للحقيقة.
خلعتُ الحجاب وأحسستُ نفسي مخدرة، فقد اصطنعتُ لنفسي جداراً نفسي حتى لا أتأثر بالموقف. وبعد عدة دقائق جاء مسؤول القناة وقال أن أمي ستظهر في البرنامج وقال أنها ستكون مفاجأة على أنهم هم من جمعوا شملي بها - رغم أنني كنت أعيش معها لمدة شهر قبل السفر معها في نفس الطائرة لشيكاغو. وهكذا حصل، عانقتها أمام الكاميرا، لعلها تغفر لي. وبعدها حصلت أحداث أخرى أكثر ابتلاءً واشمئزازاً لا يمكنني الحديث عنها علناً. فقد انتقلت من بيت أهلي إلى مكان آخر كان أشبه بمعالجة نفسية وغسيل مخ شامل.
كل ما أستطيع أن أقوله بالنسبة لغسيل الدماغ، والعذاب الذي تعذبته فقد كان استخدام أي طريقة للتحكم في فكري وأتجاهاتي دون رغبة وإرادة مني، تحت مسميات منها
(Soul Care)
أو الإصلاح الفكري عن طريق إعادة التعليم قبل أن آخذ مكانتي في المجتمع.
لقد اعتنقتُ المسيحية نتيجة وقوعي تحت هذا النوع من التأثير، فقد كان التحكم في البيئة الاجتماعية والبدنية لي يتم لتدمير أي فكر معاد للمسيحية، ووجدتُ أن الإتجاه سياسياً أكثر مما هو ديني، أما الفنيات التي أستُخدمت ضدي فكانت حجبي بعيدا عن البيئة الحرة حتى لا أستطيع معرفة أي معلومات عما يحدث حولي والتعرض لضغوط نفسية والتصفيد في أغلال فكرية كعقاب على عدم التعاون وخلق مناخ الذي يظهر أن الحرية تعتمد فقط على الاتجاه الناجح نحو التغيير تجاه الأفكار التي يفرضها هؤلاء. الضغوط نفسية واجتماعية مثل التعرض لفترات طويلة من الاستجوابات واستخدام الإهانة والسب لإضعاف المقاومة، حضور اجتماعات دراسية يومية لدراسة الفكر المسيحي، والدخول إلى ذاكرة عقلي لمسحها واستبدالها بأفكار أخرى. في الحقيقة إن هذا النوع من المتعصبين يضغطون عليك حتى نقطة الموت ثم ينقذونك ثم يعاودون الضغط عليك حتى ترى باب الموت، وعندما تكون على وشك دخوله فأنهم يشدوك بعيدا، ولكن بعد أن يكرروا ذلك الأسلوب عدة مرات فإنك تشعر بالعرفان لهم لإنقاذهم حياتك، وتنسى أنهم كانوا هم الأفراد الذين كانوا على وشك أن يقتلوك، وكل ما تحسه إنهم هم الذين أنقذوك وتكون مستعداً أن تفعل كل شئ يريدونه.
وفي خلال تحليل ما حدث معي في تلك الفترة، فقد مررتُ بعدة مراحل، وكانت المرحلة الاولى هدفها أن أصبح في وضع أشك به في قيم أحملها من الماضي لدرجة أميل معها الى تغييرها . أو إلى اعتناق قيم بديلة لها .وهذه المرحلة انتهت باعتراف عن الذنوب التي كنت أقترفها بالسابق . ثم مرحلة إعادة التجميد التي تتبلور في قبولي آراء المؤثرين فبدأت بقبول ما يعرضون لي. لأنهم يستغلون نفعية الشخص للمجتمع الجديد والعقيدة الجديدة بالنسبة له ويسهل ترك الماضي الخاص به مهما كان.
ومن أساليب غسيل الدماغ التي استخدمت معي: "الوهن والاعتماد على الاخرين والخوف والتقمص. وهذه مظاهر نفسية تستغل كعامل من عوامل الضغط والتغيير المرغوب. أو أسلوب الشعارات القريبة للعاطفة ومنطقة اللاشعور ثم تكرار الإشاعة وهي غالبا ما تغذي الإحباط بلباس الخداع اللفظي وخطرها أقوى عندما لا يعرف أنها خطأ وأنها إشاعة لأنها تمتد امتداد أفقي في المجتمع خاصة المتجانس او الأفراد الذين يشعرون بالهزيمة والإحباط والضغوط والوهن. ومن اساليب غسيل الدماغ : معرفة مانحب ونكره ومن ثم معرفة اليد الضعيفة لدى الشخص لتبدأ معه التجربة نحو غسيل الدماغ. أما بالنسبة للتحقيق المتكرر مما أدى إلى تغيير بعضاً من اتجاهاتي بعدم القدرة على التحمل والرضوخ للمعتقد الجديد . ومن الأساليب النفسية التي تصاحب خبرة غسيل الدماغ ما يعرف بنظرية ( التأثير النائم ) وملخصها أن الإنسان يختزن في ذاكراته مصدراً أو حدثاً يبقى نائما في داخله إلى أن يوقظه مصدر أو حدث مشابه لذلك المخزون،" (منقول) وبما أنني تربيت في بيت مسيحي متشدد، فلا عجب أن لدي مخزون كبير نائم تم إيقاظه وثورته لفترة من الزمن حتى أدى إلى دماري.
كل ما أستطيع قوله في النهاية، أنني تغلبتُ على كل هذا بمعونة من الله عز وجل، ولأن فطرتي أقوى من كل هذا.. وأسأل الله أن يثبتنا على دينه وأن يرينا الحق ويرزقنا اتباعه

هذا ملخص المسببات الرئيسية التي أدت إلى ارتدادي عن الإسلام، وهناك مسببات أخرى ولكن لا يسعني أن أتحدث عنها بالتفصيل هنا.

اتهمني الكثير من المسلمين أنني لم أكُن على الاسلام اصلاً بل كانت لعبة مع الكنيسة للتجسس على المسلمين من جهة وللتأثير على المسلمين من جهة اخرى وخصوصا المسلمين الجدد ..

هراء، عندما أسلمتُ في المرة الأولى تعرضتُ إلى الكثير من الإبتلاءات والإعتداءات الجسدية (التي ما زالت علاماتها ظاهرة على جسمي) والإعتداءات النفسية من قِبَل العائلة وأعضاء الكنيسة، وكانت محاولاتهم متكررة لعودتي للإسلام، فكيف لي أن أعاونهم في شيء؟ بل كنتُ أعيب على الكثير من ممارسات الكنيسة أثناء إسلامي، والله يعلم عن القصص التي حدثت معي والتي وفقني بها الله من تخليص بعض المسلمين الجهلة من أيدي المنصرين وحملات التبشير.
ولكن دعني أقول كلمة هنا. في حكم عملي التطوعي عندما كنتُ مسلمة، كان موقفي ووضعي حساس جداً وسري للغاية. أولاً لأني كنتُ أساعد المسلمات الجدد وإزاحتهم من مكان الخطر، بل عرّضتُ نفسي أكثر من مرة للخطر في سبيل الله أولاً ثم من أجلهن، فيمكن أي مسلم يراني قريبة من نصرانية (مسلمة جديدة بالسر) ويقول أنها ترافق النصارى وتقول كذا وكذا، وإساءة الظن بي. وثانياً: مقاومة التنصير، إما بمساعدة المراهقات اللواتي يتخبطنَ في شهوات الحياة وانجذابهن للديانة المسيحية، وأعادتهن إلى دين الحق، أو الحوارات والمناظرات التي كانت تقام بيني وبين رجال الدين والمبشرين. وثالثاً: مساعدة المسلمات الجدد (اللواتي أعلنَّ إسلامهن) إما مادياً أو معنوياً وما هذا كله إلا توفيق من الله. وللأسف كان هناك بعض المسلمين الذين تملكتهم الغيرة والحسد (وخاصة عندما جئت إلى الأردن، وكإعلامية اختطفتُ الأضواء منهم) فلم يعجبهم هذا وأرادوا تدميري ومحاولة طردي من البلد، وما رأيتم أن أحدهم هاجمتني على الهواء مباشرة واتهمتني اتهامات باطلة لا يوجد أي دليل عليها. وما يجدر بالذكر أن الفيديو الموجود على صفحة اليوتيوب بعنوان (رُبى قعوار جاسوسة بالدليل والبرهان) حيث أن إحدى النساء تتهمني بوشاية أهالي المسلمين الجدد المخفيين بإسلامهم. هذا الفيديو هو مقطع من حلقة كاملة كنتُ قد حمّلتها على قناتي الخاصة. وللأسف بعض المسلمين أخذوا هذا المقطع من قناتي الخاصة وعَنوَنوه بمسمى ليس بموضعه يطعن بي. فهل لو كنتُ فعلاً جاسوسة ومخادعة، ألا يجدر بي أن أحذف المقطع وأن لا أريه لأحد؟؟؟ أين المنطق في هذا؟

وإن من الإتهامات الأخرى هو حب الشهرة والإعلام، وهذا أيضاً ليس صحيحاً، بالرغم أن الشهرة والإعلام فتنة كبيرة. ولكن هذا اختصاصي الأكاديمي، فلدي شهادة في الإعلام المرئي وقد عملت في هذا المجال لفترة طويلة قبل وبعد إسلامي، وخاصة في تصوير الفيديو وتصميم المواقع الإلكترونية. والشيء الآخر أن طبيعة شخصيتي منفتحة إجتماعية، ولا أخفي شيئاً. فقد رُبيت منذ صغري على المنابر، فأبي قسيس يعلّم على المنبر، وأمي من حملات التنصيرية لا تخاف لومة لائم. وبدأتُ تعليم الأطفال قصص الكتاب المقدس (الإنجيل) في الكنيسة منذ سن إثني عشر على المنبر. بل نحنُ عائلة منظمة جداً من ناحية تنظيم الوقت، وتعلمتُ منذ صغري أن لا أضيع دقيقة واحدة من حياتي دون العمل والإنجاز. فخروجي على الإعلام ليس شهرة، وإنما هي طبيعة اعتدتُ عليها منذ صغري لا للمظاهر، وإنما طالما ما حملتُ رسالة منذ صغري أردتُ توجيهها لمن حولي ومساعدة الآخرين بنية طيبة. فإن كنتُ كاذبة كما يقول البعض، أليس الأجدر بي عندما ارتددتُ عن الإسلام أن أرتد وأبقى تحت غطاء الإسلام كالمنافقين. على الأقل عندما ارتددتُ عن الإسلام (ونسأل الله العافية والسلامة) لم أكذب فيما اعتقدته وكنتُ صادقة مع نفسي. وأحمد الله عز وجل أنه أعادني إلى الحق، إلى الإسلام العظيم، وأسأله تعالى أن يغفر لي وأن يتقبل توبتي.

أسباب عودتي للإسلام ما هو إلا توفيق من الله أولاً وأخيراً، فأحمده تعالى على نعمته العظيمة التي منها علي، وأسأله الثبات، أذكرها في عدة نقاط:
أولاً: عدم الإقتناع بالمعتقد المسيحي: - التوحيد: وبالرغم أن الديانة المسيحية تُعتبر من الديانات السماوية وهي ديانة توحيد، ولكن ما لم أستطع الإقتناع به هو التوسل الكفاري بالمسيح عليه السلام. حصل عندي نوع من الإنفصام النفسي. فبالطبع أردتُ أن أعود إلى حالتي الأولى قبل الإسلام، وأصلي للمسيح وأعبده، ولكني لم أستطع، لأن في ثنايا داخلي العميق علمتُ أن ما أفعله خاطئ، وكلما كنتُ أتوسل إليه (عليه السلام) كلما كنتُ أشعر أنني بعيدة عنه. بل وأذكر عندما دخلت جامعة اللاهوت المسيحي في آخر الستة أشهر قبل عودتي للإسلام، كان يضيق صدري في السكن، فأخرج إلى البحيرة، وأجلس أراقب الطبيعة، الأشجار، والطيور، الماء، السماء، غروب الشمس. كنتُ أتساءل في نفسي. إني أرى عمل الله عز وجل وصنعه الخلاب. والمعتقد المسيحي ينص أن المسيح هو الله المتجسد حتى يفدي البشرية من الخطية. فهل الخليقة احتاجت إلى هذا الفداء. وإن كان المسيح الله فلماذا لا أرى آثار عمله في هذه الخليقة الرائعة؟ كانت أسئلة كثيرة تراودني، وأردتُ أن أُقنع نفسي، ويكون لي ضمان بالخلاص – كما يقول المسيحيون – ولكن لم أستطع أن أستمر على هذا، لأنني علمتُ أنه ليس الحق، حتى لو حاولت إقناع نفسي.

- رفضي الثالوث: ولربما استمع منكم إلى بعض الحوارات على برنامج البالتوك عندما كنت مرتدة مع بعض الإخوة المحاورين المسلمين عن معتقدي بالثالوث. فقد رفضتُ الثالوث بشدة، حتى في عودتي للمسيحية وتركي الإسلام. وفي جامعة اللاهوت – أثناء دراستي الماجستير في آخر الستة أشهر قبل عودتي للإسلام – لم أكن قد وصلتُ لدراسات العهد الجديد. ولكني التحقتُ بمادة النقد الأعلى للعهد القديم (التورة وكتب الأنبياء قبل المسيح عليهم السلام) وقد وجدتُ تشابهاً كبيراً ما بين ما كان يعبده الإسرائيليون وتعاملات الله عز وجل معهم وما بين عقيدة الإسلام. ولم أستطع أن أجد أي دليل أو أثر للثالوث في العهد القديم، وقد تناقشتُ مع بروفيسور المادة بهذا الموضوع بشكل مطول، مما دفعني أكثر لرفض فكرة الثالوث.

- اشتياقي للسجود: لا أخفيكم، أنه كانت تأتي علي أيام شعرتُ فيها بالضيق الشديد، والتمزق الداخلي العنيف، وفكرتُ بالإنتحار عدة مرات، وخططتُ أن أخرج وأهرب بعيداً عن الناس وأعيش في مكان ناءٍ لا يعيش فيه أي كائن حي. أردتُ الهروب من واقعي. ولم أجد وسيلة لفعل ذلك إلا في السجود.
في تلك الليالي التي كنت أقضيها مع نفسي بعيداً عن أي مخلوق، كان يتملكني صراع داخلي واكتئاب شديد، كنتُ أجلس أقرأ في الكتاب المقدس، وأتناقش مع نفسي في ما أقرأه، وأضع رأسي بالأرض وأسجد لله وأصرخ من أعماقي كي يساعدني من التخلص من هذه الصراعات التي لا أول لها من آخر. أقول في التحقيق، لم أشعر بالراحة الا بالسجود.

- عدم مقدرتي لإنكار ما هو في القرآن الكريم والسنة الشريفة: بالرغم أنني استُدعيت للعمل في إحدى القنوات المعادية للإسلام، كي يكون لي برنامجاً خاصاً تنصيرياً ضد الإسلام، وقد سجَّلتُ 24 حلقة باللغتين العربية والإنجليزية، وجميعها تطعن بالإسلام، إلا أنني في أعماق نفسي لم أستطع أن أنكر حبي لكلام الله القرآن، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. كانت علاقتي بهما، ككره الحبيب لحبيبته عندما يفترقا، فمن شدة حب الحبيب لحبيبته تجده يحاول التفكير بها بشكل سلبي حتى يكرهها. هذا كان حالي مع كلام الله عز وجل وحبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. لم أستطع الإبتعاد والإفتراق، وحاولت الطعن بهم حتى أبتعد أكثر ولكني لم أستطع.
طوال هذه المدة، وأنا أحضّر الحلقات، كانت تتملكني الهواجس والصراعات الداخلية، لأن معظم هذه الحلقات تتعلق بالعقيدة التي درستها ورسّختها سابقاً في داخلي عندما كنتُ مسلمة. ودراساتي وتحضيراتي هذه كانت بمثابة التنبيش في دواخلي عن الحق التي لطالما حاولت طمره وعدم العودة له. ولكن كلما كنت أدرس أكثر كلما كانت أفكاري وفطرتي تستيقظ شيئاً فشيئاً.
وأذكر عندما كنتُ أدرس مادة العهد القديم في الجامعة، كتبتُ في بحثي النهائي دراسة مفصلة عن تبشيرات الكتاب المقدس بالنبي المنتظر ومقارنتها ما بين خصائص المسيح عليه السلام، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم. وكان بحثاً معتبراً أثار حفيظة البروفيسور بحيث أنه رفضه ثلاث مرات، لأنني أعترفُ في الختام أن لا بد من أن هذه التبشيرات والنبوات عن النبي الكريم محمد عليه السلام. حتى في النهاية تم قبوله بعدما موّهتُ الجملة وكتبتُ أنه "قد تكون هذه التبشيرات عن شخص آخر غير المسيح والله أعلم."

ثانياً: كشف مخططات حملات التنصير: لا أخفي أنني عملتُ – بعد ارتدادي عن الإسلام – مع الحملات التنصيرية، في الجامعة، ومع المؤسسات الكاثوليكية التي تعتني باللاجئين، وغيرها من المؤسسات. وأخذتُ مادتين في التنصير في الجامعة بل وكان تخصصي في دراسة الماجستير هو في حملات التبشير المختصة بتنصير المسلمين ومن هم في العالم الإسلامي. وما رأيته وحصلتُ عليه من معلومات ما كان إلا توفيق من الله. فبعد عودتي للإسلام أدركتُ أن ما حصل معي فعلاً كان تدبيراً من الله عز وجل كي يكشف لي أموراً كنتُ ساهية عنها. ولا أستطيع أن أتحدث جهراً بهذا، ولكني أستطيع أن أقيم محاضرات للتوعية لمن هو مهتم بموضوع التنصير ومقاومته.

ثالثاً: الوجهة الإعلامية المسيحية: كنتُ كسلاح لتدمير المسلمين في أيديهم. شعرتُ نفسي أني أداة إعلامية رخيصة، وبضاعة خسيسة تُفاوض عليها لا أكثر. ليس الهدف عقائدي نشر الحق والسلام، وإنما الهدف سبق إعلامي، وجمع تبرعات وفلوس، والهدف العقائدي ثانوي! جميعها عهود كاذبة.

رابعاً: الصدمة الثقافية الراجعة: كما أصابتني الصدمة الثقافية عندما ذهبتُ الأردن، أصابتني صدمة حضارية أخرى عندما عدتُ للولايات المتحدة، وكانت الصراعات تجتاحني في ظلمات الباطل.

- اشتياقي للسجود: كما قلتُ سابقاً، فحضارة غير المسلمين للأسف لا يوجد فيها أي ممارسات دينية صحيحة وهذا أدى إلى حيرتي، ولم أكن أرتاح إلا إذا عدتُ إلى طريقتي القديمة في العبادة عندما كنتُ مسلمة

- اشتياقي للحجاب: عندما كنتُ أخرج أمام الناس مظهِرةً شعري، كنتُ أشعر بالخجل، وأضع منديلاً حول رقبتي أحاول تغطية أجزاء من جسدي. ولم يكن هذا حشمةً فحسب، وإنما كان تعلقي بمبدأ الحجاب وأنني كنتُ على يقين أنه أمر من الله عز وجل.
وأذكر قصة صغيرة حصلت معي: بعد أسبوع تقريباً من عودتي للإسلام بالسر. أصرّت أمي أن أذهب إلى الكنيسة، دخلتها بالحجاب، ولم أكن قد أعلنتُ عن عودتي للإسلام بعد. فجاء رجل كبير بالسن، في نهاية الإجتماع، وراح يؤنبني على لبسي للحجاب، ويقول أن ما أفعله هو خطأ فادح، وأنه يجب علي قلعه! قلت له: "أنه لا حرج في ذلك ما دمتُ في الكنيسة، وأن بولس يأمر النساء أن يتغطين في الكنيسة" أجاب غاضباً: "حتى لو كل نساء الكنيسة لبسنَ غطاء الرأس، أما أنتِ لا تلبسيه!" سألت: "لماذا؟" قال: "بعد أن قلعتيه أمام الناس، تريدين لبسه مرة أخرى؟ هل تريدين الناس أن يقولوا أنك عدتِ إلى الإسلام؟" أجبته: "لا يهمني كلام الناس، وما أفعله هو أمر من الله" وحدثت مشادة كلامية عنيفة بيني وبينه والتمَّ جمهور الكنيسة علينا، وبعدها خرجتُ وأنا مجروحة جداً من أسلوبه معي، وقررتُ أن لا أعود إلى الكنيسة مرة أخرى.

- اشتياقي للتواصل مع الخالق: وقد ذكرتُ هذا سابقاً عندما تحدثتُ عن السجود. فكلما كنتُ أصلي للمسيح أو بالطريقة المسيحية، كلما أشعر أنني بعيدة عن الخالق ولا أرى الحق. وكنتُ أعتقد لربما الطائفة التي أنتمي إليها خاطئة وأحتاج أن أكتشف الطوائف الأخرى، وفعلاً التزمت بالطائفة الأرثوذكسية القبطية وتعمدتُ في كنيستهم، ولكن هذا كله لم يقربني من الخالق بل زاد الطين بلة. لاحظَت أمي الإكتئاب الشديد الذي كنتُ أمُرُّ به بالإضافة إلى نقاشاتي وصراعاتي. حتى جلَست معي أمي يوماً وقالت: "أنا أرى أن عقلك ما زال متعلقاً بالإسلام، وهذه مشكلة كبيرة، كما أنني أرى أنك ما زلتِ لا تؤمنين بالثالوث" أجبتها: "نعم، حتى اليهود والمسيحيين في القرون الأولى لم يعرفوا الثالوث ولم تكن هذه عقيدتهم" ورحنا نتناقش بشدة بالموضوع حتى قالت لي أمي أخيراً: "رُبى إذا بقيتِ على هذا الحال ستقتلين وتدمرين نفسك .. لا بد لك أن تجدي إيماناً، وإلا ستبقين تائهة ومشوشة ..
Go to a faith"
بقيت هذه الكلمة ترنُّ في أذني .. لا بد لي أن أتخذ قراراً حاسماً. ولكني لا أستطيع أن أعود إلى الإسلام الآن. فقد اتخدتُ قراري ولا أريد أن أرجع عنه. وبدأ الناس حولي يشككون في مسيحيتي وخاصة أنني لم أعد أؤمن بالثالوث، وعدتُ إلى الديلما الأولى في أول إسلامي عام 2005. ولكن ما كان يطمئن المسيحيون من ناحيتي، أنني ما زلتُ سلاح قاتل للمسلمين في بث الشبهات، وكانوا يعتقدون أنه لا يمكن أن أعود مسلمة لأن هذا سيطعن بسمعتي ويُفقِد ثقة الناس بي.

خامساً: مساعدة المسلمين لي من التخلص من الحبال التي ربَّطتُ فيها نفسي: هؤلاء الأقلية الذين استطاعوا وصول قلبي وعقلي رغم وضع جميع العوائق أمامهم. كان همهم الوحيد انقاذ نفسي من النار. لم يطلبوا مالاً. لم يلعنوني. لم يعنفوني. وإنما كانوا يهبّون للمساعدة راجين من الله لي الهداية. جزاهم الله خيراً.

- العقائد: في خلال حديثي مع أحدهم، كنت أتعجب من السعادة الغامرة التي كان يحدثني بها دائماً، في نشوة الصلاة والدعاء والعبادة، وكان يحاول إيقاظ ذاكرتي عندما كنتُ مسلمة، ويحدثني عن المسجد ومحبة الله. كنت أفكِّر في نفسي أنا كمسيحية، بما أنني طلبتُ يسوع مخلص شخصي لحياتي، لماذا لا أشعر بهذا السلام الذي يحدثني عنه ذاك الشاب؟ لماذا لا أشعر بالسعادة؟ وبدأت المقارنة ما بين حياتي كمسيحية، وحياتي كمسلمة سابقة. وكان هو سببٌ وضعَهُ الله عز وجل في طريقي كي أعود بالتفكير بحياتي السابقة كمسلمة.

- الأوضاع الإجتماعية: لقد تم اختراق جهازي الحاسوب أكثر من مرة وتدميره، رغم أنه من قبل بعض المسلمين الفاسدين، إلا أنه كان هناك مسلمين آخرين حقيقيين من ساعدوني في الإحتفاظ ببعض الملفات المهمة. وبالرغم أنني أقف في الطرف الآخر المعادي لهم، إلى أنهم ساعدوني في محاولة إيجاد عمل، ونصحوني في بعض الأمور الإجتماعية. وأنا أدين لهم بالجميل فتصرفاتهم الأخلاقية الإيجابية جعلتني أعيد التفكير بقراراتي عن الإسلام. فأسأل الله عز وجل أن يجزيهم خير الجزاء.

- فك السحر: لم أعد أحتمل نفسي، ووصل بي الحال إلى الإنتحار، وكنت أحاول الإبتعاد عن الناس قدر المستطاع، ولم أعد أحضر الكنيسة، كانت حياتي هي الدراسة، والإنترنت، وأحياناً أجلس خارج السكن كي أروّح عن نفسي. وفي يوم من الأيام كنتُ أتناقش مع أحد المسلمين، وفجأة، صرخ وقال لي أنني مسلمة، ولكن هناك ما يشوشني ويسيطر على عقلي، وبعدها طلب مني أن أقرأ القرآن. لم أصدّقه في البداية، ولكنه استثارني في الكلام وقرأت القرآن له في تلك الليلة. فشعرتُ بمغص شديد وصداع، وكان القرآن ثقيل جداً على نفسي. فعلمتُ أن علي سحر ما، ولكن لم أرِد أن أتعالج بالقرآن أولها.
منذ ذلك اليوم، أصبحت أحلم بكوابيس عدة، ودخلتُ في حالة اكتئاب شديد، ولم أعد أطيق نفسي، ووجدتُ في دراستي للعهد القديم أن هناك الكثير من القضايا المشابهة للعقيدة والشريعة الإسلامية، فكانت دراستي تقربني للإسلام أكثر من المسيحية. وأخيراً قررتُ أن أعالج نفسي مهما كلف الثمن.
بدأت أقرأ القرآن، وتعلمتُ الرقية الشرعية، وشُفيت بإذن الله تعالى، فالحمدلله رب العالمين.

بدأت أقارن بين حياتي عندما كنت مسلمة والعشرة أشهر التي قضيتها مسيحية (بعدما تركتُ الإسلام)، فرق شاسع! رغم أن كل شيء موفر لي في المسيحية، لكن لستُ مرتاحة، لا أستطيع التواصل مع الخالق. لم أشعر بالسعادة! كلام فارغ، وعود وعهود فانية لا أصل لها! تناقضات عنيفة.
في الإسلام، عندما كنتُ أسجد لله وأضع جبهتي على الأرض تنتابني رعشة داخلية، وشعور بالرضاء والقبول والقناعة، نشوة الحب والرحمة والغفران، سعادة غامرة تفيض من الداخل إلى الخارج. وبعيداً عن المشاعر، عقيدة راسخة ثابتة قوية غير متغيرة، لا وجه آخر لها. نعم .. الإسلام هو الحق.
ماذا همني عندما أسلمتُ أول مرة. وماذا همني عندما تركتُ الإسلام ظانّةً أنه الحق؟ والآن ماذا سيهمني لو عدتُ إلى الإسلام مرة أخرى. وماذا سأخسر على أية حال؟ توقعت أسوأ الحالات. فلن أخسر شيء في هذه الدنيا، وعلمتُ أنه قد لا يكلمني أحد بعدها ولا يصدقني إنسان .. ولكني وثقت بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، أن الله إذا أحب عبد ابتلاه .. وصدّقتُ أن الله إذا أحب عبداً هداه إلى الحق، وأنه لا بد أن يأخذ وقتاً طويلاً حتى تعود الثقة، كما حدث مع أهلي بعد الصدمة الأولى وإعادة بناء العلاقة من جديد. ولكن أولاً وأخيراً أردتُ رضاء الله ورضاء نفسي. وعلمتُ أنه لن أهدأ إلا إذا عدتُ إلى الله.

في يونيو 2011، بينما كنتُ أتناقش مع إحدى الطالبات في السكن عن قضية صلب المسيح، ذهبتُ إلى غرفتي، وانتابني شعور أن هذه اللحظة قد حانت لا محالة، ولا أستطيع أن أؤخر الموضوع أكثر من ذلك. نعم ذهبت إلى الحمام – أجلكم الله – واغتسلت، ثم لبستُ عباءتي التي كنت أحتفظ بها مع ملابسي ووضعت الحجاب، وصليت الظهر، وكأن صفعة قوية أرعشت جسدي، واستيقظت على واقع مرير، لم أستطع أن أسامح به نفسي. نعم لقد أخطأت خطأ فادحاً، وأذنبتُ ذنباً عظيماً، أردتُ أن أُذل الإسلام وأنتقم وأذل المسلمين الذين ظلموني، ولكني أذللتُ نفسي، نعم أذللتُ نفسي، ووضعتُ عزتي التي منحني اياها الله عندما اعتنقتُ الإسلام من أجل عواطفي واستسلمتُ لابتلاءاتي وامتحاناتي مع المسلمين. وسلّمتُ نفسي للجحيم. لقد ظلمتُ نفسي ظلماً كبيراً فما لي إلا الله أن يغفر لي ويتجاوز عني. وماذا عن حقوق الناس التي سلبتها منهم وظلمتهم؟ وكّلتُ نفسي لله الذي آمنتُ به وهو الذي يدافع عني.

عدتُ إلى الله بعد بكاء مرير واستغفار كثير، ولم أستطع أن أواجه أحداً في البداية، ولبستُ الحجاب مرة أخرى. بالطبع لم يلبث الأمر ثلاثة أيام، حتى أعلنتُ لأحد المتنصرين وغيره أنني مسلمة، وتم اختراق حسابي على الفيس بوك وتصوير بعض الحوارات مع المسلمين وأنا أعلن فيها أنني مسلمة، وبعدها علمَت الجامعة بذلك عن طريق هذا المتنصر، وطلبوني لمكتب الإدارة حيث تقابلتُ مع نائب الرئيس، فسألني: "لقد سمعنا أنك عدتِ إلى الإسلام، فهل هذا صحيح؟" كنت مترددة في أول الأمر وأخبرته أنني مترددة. قال لي: "الجميع يعلم بذلك الآن" فقلت: "نعم أنا مسلمة" وأراد مناقشتي بذلك ومحاولة إشعاري بالذنب بقوله: "كيف لك أن تتركي المسيح ومحبته وخلاصه؟ هل تعرفين أنك ستذهبين إلى الجحيم؟" أجبته: "ونحن كمسلمين نعتقد نفس الإعتقاد بالنسبة لك، فأنت ستذهب إلى الجحيم" ثم أخبرته أنني لم أكن أنوي أن أخدع أحداً، وإنما كان لي قصة خلاص بالفعل، وأنني بالفعل كنت مسيحية وأعمل من أجل المسيحية، ولكني وجدتُ أن ما كنت أعمل لأجله ليس الحق. وفي نهاية الجلسة طلب مني أن أفصل نفسي من الجامعة، وأن أخرج من السكن. وكان هذا الأمر في أول رمضان (شهر أوغسطس) سنة 2011، فطلبت منه أن أبقى في الجامعة لنهاية الشهر حتى أجد سكناً آخر – دون أن أحضر أي محاضرات أخرى وأنني سأُسقِطُ جميع موادي للفصل القادم – فوافق على ذلك. وكنت في ذلك الشهر أحضر صلاة العشاء والتروايح في المسجد القريب من الجامعة. حتى جاء عيد الفطر، حيث صليت مع المسلمين ثم انتقلتُ إلى بيت أمي التي اشترطت علي أن لا ألبس الحجاب أبداً، وأن لا أقرأ القرآن أو أصلي في البيت. فقبلتُ مؤقتاً.

ومرت ثلاثة أشهر من العذاب مع أهلي والضغط في محاولتهم لإعادتي للمسيحية. إلا أن جاء اليوم الذي طلبت فيه أمي أن أذهب إلى المحل العربي التجاري لإحضار بعض الحاجات لها، فقلت في نفسي، بما أنني قريبة من المسجد، فلا بد لي أن أصلي الظهر. بعدما أنهيت الصلاة في المسجد، وإذا امرأة كبيرة بالسن تنظر إلي والدموع تملأ عينيها. إنها فوزية سلطانة، الهندية المسلمة، جارتي السابقة، حيث كانت تقضي وقتها عندي في البيت وهي تتعلم اللغة العربية. عندما رأتني عانقتني بشدة، وأجلستني بجانبها، وسألتني عن أحوالي، طلبت مني أن آتي لأتغدى عندها في البيت. وبعدها أخذت رقم هاتفي. وسبحان الله راحت تتصل بي كل يوم تسأل عن حالي، وطلبت مني أن أسكن معها في شقتها، فهي الآن انفصلت عن ابنها وتعيش لوحدها على حساب الحكومة. وأصرّت، ولكني كنتُ أشعر بالإحراج، وفي نفس الوقت كانت تزداد ضغوط أهلي علي.

حتى جاء اليوم، وبعد استخارة، جلستُ مع أمي وقلت لها أنه من المستحيل أن أبقى في البيت ما دمتُ محرومة من الصلاة وقراءة القرآن، وطلبتُ منها الخروج من البيت، وطمأنتها أنني سأكون بخير، وأنني لن أسكن لوحدي. وفي النهاية خرجت رغم أنه لم يكن لدي عمل أعيل به نفسي، ولكن الله الرزاق دبرّ لي العمل في اليوم التالي، وفتح لي أبواب رزقه ورحمته، والحمدلله رب العالمين، وسعيدة أنني أستطيع الصلاة بحرية وقراءة القرآن دون أي إزعاج، وبدأت حفظ القرآن من جديد.

نعم، عدتُ أدراجي، عدتُ إلى وطني (فطرتي السليمة)، وبالطبع في بداية الأمر عندما عدتُ إلى الإسلام، عدتُ بدموغ غزيرة، وقلب منكسر لم أعهد مثله من قبل. أدركتُ فعلتي الشنيعة التي فعلتها، فقد ظلمتُ نفسي ظلماً عظيماً ولا يغفر الذنوب إلا الله عز وجل. ورغم جميع التثبيطات التي حولي، ولكن شعرتُ براحة لا مثيل لها. ورضاء على نفسي لأنني تأكدتُ أن ما أفعله صحيح. والمشاعر التي شعرتها عندما تركت الإسلام، ما كانت إلا مشاعر مصطَنعة مؤقتة اختفت بزوال شهر العسل. ولكن الآن مر علي أكثر من عام وأنا مسلمة، وفي كل يوم يمر، يزداد فيه اطمئناني وأشعر أنني أقرب إلى الله. ونسأله تعالى الثبات على دين الحق.

كان يمكنني الآن أن أعيش في أغنى القصور، يلتف حولي ملأ من رجال الأمن، وتكون لي وظيفة في إحدى القنوات الفضائية المسيحية، أقيم فيها برامجي الخاصة. كان يمكن أن تُعطى لي أوسمة سياسية وإجتماعية وأقيم الندوات والإجتماعات في مختلف بقاع العالم أهاجم فيها المسلمين والإسلام. كان يمكنني أن أعيش مع أهلي الآن سعيدة بالجو العائلي المترابط. كان يمكنني أن أبقى مسيحية في أجواء تشجيعات المسيحيين عما أفعله شاعرة بالقبول. ولكني رفضتُ كل هذه الإغراءات لأنني علمتُ في داخلي أنني كنتُ على خطأ. علمتُ أنني قد أكون ناجحة الآن في الدنيا، ولكنه فشل وعمل محبط في الآخرة وعقوبته وخيمة .. عرفتُ الحق، وقد أكون أنني ابتعدت قليلاً، ولكني لم أستطع أن أبقى بعيدة، فكيف لي أن أدير وجهي عنه؟

نسأل الله تعالى الإخلاص في القول والعمل والتوفيق لما يحبه ويرضى.
جزاكم الله خيراً