+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف1 ج1 / 7 دليل التنصير المصطلحات المسيحية، ربى قعوار

antievangelism · 28 July, 2026

 

 

الفصل الأول

 

العقيدة المسيحية البروتستانتية: المفاهيم الأساسية

 

تمهيد

 

قبل الخوض في دراسة النشاط التبشيري، واستعراض أساليبه واستراتيجياته، لا بد من التعرف أولًا على الأسس العقدية التي يقوم عليها الفكر المسيحي البروتستانتي، إذ إن فهم العقيدة يمثل المدخل الرئيس لفهم الرسالة التي يسعى المبشر إلى إيصالها، والأهداف التي يعمل من أجل تحقيقها.

 

ويُعد هذا الجانب من أهم جوانب دراسة مقارنة الأديان، لأن الحكم على أي فكرة أو مناقشتها بصورة علمية يقتضي فهمها من مصادرها الأصلية، ومعرفة المصطلحات التي يستخدمها أتباعها، ودلالاتها العقدية واللاهوتية.

 

وانطلاقًا من ذلك، سيستعرض هذا الفصل أهم المفاهيم التي تشكل البناء العقدي للمسيحية البروتستانتية، مع بيان ما تعنيه هذه المصطلحات لدى أتباع هذا المذهب، وكيف تُوظف في الخطاب التبشيري الموجه إلى غير المسيحيين. ولا يهدف هذا العرض إلى مناقشة هذه المعتقدات أو نقدها، إذ سيأتي ذلك في فصل مستقل، وإنما يقتصر على تقديمها كما يفهمها البروتستانت أنفسهم، حتى تتكون لدى القارئ صورة واضحة قبل الانتقال إلى دراسة أساليب التبشير ووسائله.

 

ومن أبرز هذه المفاهيم: الكتاب المقدس، والإيمان بالله، والثالوث، والإنسان، والخلاص، والكنيسة، والمعمودية، وملكوت الله، والتبشير، والحرية الدينية، وغيرها من الموضوعات التي تشكل الإطار العقدي والفكري للمذهب البروتستانتي.

 

أولًا: الكتاب المقدس

 

يحتل الكتاب المقدس مكانة مركزية في العقيدة المسيحية عمومًا، وفي الفكر البروتستانتي على وجه الخصوص، إذ يُنظر إليه بوصفه المصدر الأعلى للإيمان، والمرجع النهائي للعقيدة والتشريع والأخلاق. ويعتقد البروتستانت أن الله أوحى بمحتوى الكتاب المقدس إلى عدد من الأنبياء والرسل، بينما قام البشر بتدوين هذا الوحي بإرشاد إلهي، ولذلك يرون أن نصوصه تحمل سلطة إلهية، رغم أنها كُتبت بأقلام بشرية.

 

ومن هذا المنطلق، يُعد الكتاب المقدس – وفقًا للعقيدة البروتستانتية – الإعلان الإلهي الكامل عن إرادة الله تجاه الإنسان، والمصدر الذي يتعرف من خلاله المؤمن على صفات الله، وخطة الخلاص، وأحكام الإيمان، والمبادئ الأخلاقية التي ينبغي أن يسير عليها.

 

ويؤمن البروتستانت كذلك بأن الأسفار الأصلية للكتاب المقدس كانت معصومة من الخطأ عند كتابتها، وأنها وحي إلهي كامل، ولذلك تُعد المرجع الأعلى الذي تُوزن به جميع التعاليم والممارسات الكنسية. كما يرون أن الكتاب المقدس باقٍ إلى نهاية الزمان، وأن رسالته صالحة لكل عصر ومكان، لأنه يمثل كلمة الله الموجهة إلى البشرية.

 

ومن الخصائص الأساسية التي يركز عليها الفكر البروتستانتي أن الكتاب المقدس هو العامل الرئيس في وحدة الكنيسة؛ فهو المرجع الذي تستند إليه العقيدة، والعبادة، والسلوك، والتعليم، والعمل الكنسي. كما يُنظر إليه بوصفه المعيار الذي تُقاس عليه صحة الآراء اللاهوتية، وتُحسم من خلاله الخلافات العقدية.

 

ويؤكد البروتستانت أيضًا أن جميع أسفار الكتاب المقدس، سواء في العهد القديم أو العهد الجديد، ترتبط في النهاية بشخص المسيح، ويعتقدون أن محور الوحي الإلهي بأكمله هو يسوع المسيح، وأن جميع الأحداث والنبوات والرموز الواردة في الأسفار المقدسة تشير إليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتُظهر دوره في تحقيق خطة الله لخلاص البشرية.

 

ولهذا السبب، يحتل الكتاب المقدس مكانة استثنائية في الحياة الدينية للمسيحي البروتستانتي، فلا يقتصر دوره على كونه كتابًا للعبادة أو التلاوة، بل يُعد المرجع الأساسي في التعليم، والتبشير، والوعظ، والتربية، واتخاذ القرارات الأخلاقية، وبناء الحياة الروحية للمؤمن. كما تعتمد الكنائس البروتستانتية على دراسة نصوصه بصورة مستمرة في الاجتماعات الكنسية، ومدارس الأحد، والمعاهد والجامعات اللاهوتية، باعتباره المصدر الأول الذي تُبنى عليه جميع العقائد والممارسات الكنسية.

 

ولذلك فإن فهم مكانة الكتاب المقدس في الفكر البروتستانتي يُعد خطوة أساسية لفهم بقية المعتقدات، إذ إن جميع القضايا العقدية اللاحقة، كالإيمان بالله، والمسيح، والخلاص، والكنيسة، والتبشير، تستند في نظر البروتستانت إلى النصوص الواردة فيه، ويُستدل عليها من خلاله.

 

ثانيًا: الله

 

يمثل الإيمان بالله الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العقيدة المسيحية، غير أن فهم طبيعة الله في الفكر المسيحي البروتستانتي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعقيدة الثالوث، التي تُعد من أهم المعتقدات اللاهوتية في المسيحية. ووفقًا لهذا التصور، فإن الله واحد في جوهره، لكنه معلن في ثلاثة أقانيم أو أشخاص متميزين: الآب، والابن، والروح القدس. ويؤكد البروتستانت أن هذا التمايز لا يعني تعدد الآلهة، وإنما يعبّر – بحسب فهمهم اللاهوتي – عن وحدة إلهية واحدة تتجلى في ثلاثة أقانيم يشتركون جميعًا في الجوهر الإلهي الكامل.

 

وترى الكنائس البروتستانتية أن هذا الإيمان هو أساس العقيدة المسيحية، وأن جميع التعاليم المتعلقة بالخلاص، والتجسد، والفداء، والكنيسة، والحياة الروحية، تنطلق من هذا الفهم لطبيعة الله.

 

كما تؤمن البروتستانتية بأن الله هو الخالق الأزلي للكون، والمدبر لشؤونه، والحافظ لخليقته، وصاحب السلطان المطلق على التاريخ والإنسان والكون بأسره. فهو، بحسب معتقدهم، كامل في جميع صفاته؛ يتصف بالقداسة المطلقة، والعدل الكامل، والمحبة غير المحدودة، والحكمة المطلقة، والعلم الشامل، والقدرة التي لا يعجزها شيء.

 

ويعتقد البروتستانت أن علم الله محيط بكل شيء؛ فهو يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، ولا يخفى عليه شيء من أعمال البشر أو نياتهم، كما يعلم القرارات التي سيتخذها الإنسان باختياره الحر، دون أن يسلبه حرية الإرادة التي منحه إياها.

 

ومن هذا المنطلق، يرى المسيحي البروتستانتي أن الله هو المستحق وحده للعبادة والمحبة والطاعة، وأن علاقة الإنسان به ليست مجرد التزام ديني أو أداء للشعائر، بل هي علاقة شخصية تقوم على الإيمان والثقة والخضوع لمشيئته، والسعي إلى تنفيذ إرادته كما وردت في الكتاب المقدس.

 

الله الآب

 

تمنح العقيدة البروتستانتية مكانة خاصة لله الآب باعتباره الأقنوم الأول في الثالوث. ويُنظر إليه بوصفه الخالق والمدبر والحاكم للكون كله، وصاحب السلطان المطلق على مجريات التاريخ، والمصدر الذي تنطلق منه خطة الخلاص الإلهية.

 

ويعتقد البروتستانت أن الله الآب يتمتع بجميع صفات الكمال؛ فهو كلي القدرة، وكلي المعرفة، وكلي الحكمة، وكامل المحبة والرحمة والعدل. كما يؤمنون بأنه يعتني بجميع مخلوقاته، ويحفظ الكون بنظامه، ويقود التاريخ وفق حكمته ومشيئته.

 

وفي الجانب الروحي، يعتقد البروتستانت أن الله الآب يقيم علاقة خاصة مع المؤمنين بالمسيح، إذ يصبح – بحسب فهمهم – أبًا روحيًا لكل من آمن بيسوع المسيح وقَبِل رسالة الخلاص. ولذلك تكثر في الأدبيات المسيحية البروتستانتية الإشارة إلى الله بوصفه "الآب السماوي"، الذي يرعى أبناءه، ويستجيب لصلواتهم، ويقود حياتهم.

 

ومع ذلك، تؤكد العقيدة البروتستانتية أن عناية الله لا تقتصر على المؤمنين وحدهم، بل تشمل البشرية جمعاء، لأنه الخالق لجميع الناس، والمانح لهم الحياة والنعم، والداعي الجميع إلى معرفة الحق وقبول الخلاص.

 

وترى الكنائس البروتستانتية أن الأبوة الإلهية ليست مجرد وصف مجازي، بل تعكس طبيعة العلاقة التي يريدها الله مع المؤمن، وهي علاقة تقوم على الثقة والمحبة والطاعة، لا على الخوف وحده. ولذلك تحضر هذه الفكرة بقوة في الصلاة والتعليم والوعظ، وتُعد من أبرز الموضوعات التي تتكرر في الخطاب الكنسي البروتستانتي.

 

الله الابن

 

يشغل المسيح مكانة محورية في العقيدة البروتستانتية، إذ تؤمن الكنائس البروتستانتية بأن يسوع المسيح هو ابن الله الوحيد، وأنه في الوقت نفسه إله كامل وإنسان كامل.

 

ووفقًا لهذا المعتقد، فإن المسيح لم يكن مجرد نبي أو معلم ديني، وإنما هو الكلمة المتجسد، الذي اتخذ طبيعة بشرية دون أن يفقد طبيعته الإلهية. ويعتقد البروتستانت أن الحبل بالمسيح كان بمعجزة إلهية، إذ حُبل به من الروح القدس، وولد من مريم العذراء دون تدخل رجل، تحقيقًا لمشيئة الله في إرسال المخلص إلى العالم.

 

وترى العقيدة البروتستانتية أن حياة المسيح على الأرض تمثل النموذج الكامل للطاعة لله، فهو عاش حياة بشرية كاملة، واختبر مختلف جوانب الحياة الإنسانية، لكنه – بحسب إيمانهم – بقي منزَّهًا عن الخطيئة طوال حياته.

 

ويُنظر إلى رسالته على أنها إعلان كامل لإرادة الله، إذ كشف للناس صفات الله، ودعاهم إلى التوبة والإيمان، وعلّمهم طريق الخلاص كما تفهمه المسيحية.

 

وتُعد حادثة الصلب محورًا أساسيًا في اللاهوت البروتستانتي، حيث يؤمن أتباعه بأن المسيح مات على الصليب تكفيرًا عن خطايا البشر، وأن موته كان جزءًا من خطة الله لخلاص الإنسانية. كما يؤمنون بأنه قام من بين الأموات في اليوم الثالث بجسد ممجد، ثم ظهر لتلاميذه، وصعد بعد ذلك إلى السماء، حيث يجلس عن يمين الآب، ويقوم بدور الوسيط بين الله والإنسان.

 

وتضيف العقيدة البروتستانتية أن المسيح سيعود في نهاية الزمان بصورة ظاهرة ومجيدة ليقيم الدينونة النهائية، ويكمل خطة الخلاص، ويحكم بين البشر، وهو ما يشكل أحد أهم أركان الإيمان المسيحي المتعلق بآخر الأيام.

 

ولهذا يحتل المسيح مركز العقيدة البروتستانتية كلها؛ فالإيمان به، وبموته وقيامته، يُعد – وفقًا لهذا المعتقد – الطريق الوحيد لنيل الخلاص والحياة الأبدية، كما أن جميع التعاليم الكنسية تدور حول شخصه وعمله ورسالة الإنجيل التي جاء بها.

 

الله الروح القدس

 

يُعد الروح القدس الأقنوم الثالث في عقيدة الثالوث بحسب الإيمان المسيحي البروتستانتي، ويُنظر إليه على أنه روح الله، المشارك في العمل الإلهي منذ بدء الخليقة، والعامل في حياة المؤمنين والكنيسة عبر جميع العصور.

 

ويعتقد البروتستانت أن الروح القدس كان حاضرًا في تاريخ الوحي منذ العهد القديم، إذ أوحى إلى الأنبياء، وأرشدهم إلى تدوين الأسفار المقدسة، وقادهم لفهم رسالة الله وإبلاغها إلى الناس. ولذلك يُعد، وفقًا لهذا التصور، المصدر الذي ألهم كتبة الكتاب المقدس، والضامن لصحة الرسالة الإلهية كما وصلت إلى البشرية.

 

كما تؤمن الكنائس البروتستانتية بأن الروح القدس كان له دور محوري في حياة المسيح، فقد ارتبط الحبل بالمسيح بعمل الروح القدس، كما أيّده في رسالته، وقاده في خدمته، وأظهر من خلاله إرادة الله للبشر.

 

ولا يقتصر دور الروح القدس – بحسب العقيدة البروتستانتية – على أحداث التاريخ المقدس، بل يمتد إلى حياة كل مؤمن. فهو الذي يوقظ ضمير الإنسان، ويُشعره بخطاياه، ويدعوه إلى التوبة، ويقوده إلى قبول رسالة الخلاص. ويُعبَّر عن هذه المرحلة في الأدبيات البروتستانتية بعمل الروح القدس في "تبكيت الإنسان على الخطية"، أي إيقاظ وعيه الروحي وإدراكه لحاجته إلى الخلاص.

 

وعندما يستجيب الإنسان لهذا النداء بالإيمان بالمسيح، يعتقد البروتستانت أن الروح القدس يحل فيه، ويبدأ ما يُعرف بالولادة الجديدة، فيصبح المؤمن عضوًا في جسد المسيح، وينال حياة روحية جديدة تختلف عن حياته السابقة.

 

ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الروح القدس بوصفه المعزّي والمرشد والمعلم الداخلي للمؤمن، إذ يمنحه القوة على الثبات في الإيمان، ويعينه على فهم الكتاب المقدس، ويقوده إلى النمو الروحي والأخلاقي، ويمنحه مواهب متنوعة لخدمة الكنيسة والمجتمع.

 

كما تؤمن الكنائس البروتستانتية بأن الروح القدس يحفظ المؤمن حتى نهاية حياته، ويُعد ضمانًا لوصوله إلى الخلاص الأبدي، ولذلك تحتل شخصية الروح القدس مكانة أساسية في العبادة والتعليم والحياة الروحية داخل الكنيسة البروتستانتية.

 

ثالثًا: الإنسان

 

تبدأ العقيدة المسيحية البروتستانتية حديثها عن الإنسان بالرجوع إلى قصة الخلق الواردة في سفر التكوين، حيث تؤمن بأن الله خلق الإنسان بإرادته، وميّزه عن سائر المخلوقات بأن خلقه على صورته، ومنحه العقل والإرادة والقدرة على الاختيار، وأسند إليه مسؤولية إعمار الأرض ورعاية الخليقة.

 

وترى البروتستانتية أن خلق الإنسان ذكرًا وأنثى يدخل ضمن النظام الإلهي الذي أراده الله للحياة البشرية، وأن العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على التكامل والتعاون في إطار الأسرة التي تُعد اللبنة الأساسية للمجتمع.

 

وتعتقد الكنائس البروتستانتية أن الإنسان عند بداية الخليقة كان يعيش في حالة من البراءة والطهارة، ويتمتع بعلاقة مباشرة مع الله، ولم تكن الخطية قد دخلت إلى حياته بعد. غير أن هذه الحالة تغيّرت عندما عصى آدم أمر الله بإرادته الحرة، فدخلت الخطية إلى العالم، وأصبحت الطبيعة البشرية، بحسب هذا التصور، مائلة إلى العصيان والانفصال عن الله.

 

ومن هنا تنطلق عقيدة ما يُعرف بـ"سقوط الإنسان"، والتي ترى أن آثار خطيئة آدم امتدت إلى جميع البشر، فأصبح كل إنسان يولد بطبيعة تميل إلى الخطية، ثم يبدأ بممارستها عندما يبلغ سن الإدراك والتمييز، فيصبح مسؤولًا عن أفعاله أمام الله.

 

ومع ذلك، تؤكد العقيدة البروتستانتية أن الإنسان، رغم سقوطه، لم يفقد كرامته الإنسانية، لأنه لا يزال يحمل صورة الله، ويستحق الاحترام والمحبة والرعاية. ولذلك ترى أن قيمة الإنسان لا تستمد من صلاحه الشخصي، بل من كونه مخلوقًا لله، ومن محبة الله له، التي تجلت – بحسب الإيمان المسيحي – في إرسال المسيح لخلاص البشرية.

 

ويترتب على هذا الفهم أن الإنسان، في نظر البروتستانت، لا يستطيع أن يخلّص نفسه بجهوده أو أعماله الصالحة وحدها، لأن مشكلة الخطية أعمق من أن تُعالج بالإصلاح الأخلاقي فقط، بل تحتاج إلى تدخل إلهي يتمثل في خطة الخلاص التي أعدها الله.

 

رابعًا: الخلاص

 

يشكل الخلاص محور العقيدة المسيحية البروتستانتية، إذ تدور حوله معظم التعاليم اللاهوتية والكنسية. ويُقصد بالخلاص، وفقًا لهذا المعتقد، تحرير الإنسان من سلطان الخطية ونتائجها، وإعادته إلى علاقة صحيحة مع الله، بما يقوده في النهاية إلى الحياة الأبدية.

 

ويعتقد البروتستانت أن الخلاص عطية إلهية مجانية يقدمها الله لجميع البشر، إلا أن الإنسان لا ينالها إلا بالإيمان بيسوع المسيح مخلصًا وربًا لحياته. ويرون أن موت المسيح على الصليب وقيامته من بين الأموات هما الأساس الذي قامت عليه هذه النعمة، وأن قبول الإنسان لهذه الرسالة بالإيمان هو الطريق الوحيد للخلاص.

 

غير أن مفهوم الخلاص في الفكر البروتستانتي لا يقتصر على لحظة الإيمان وحدها، بل يشمل سلسلة مترابطة من المراحل الروحية التي تبدأ بالولادة الجديدة، ثم التبرير، فالقداسة، وتنتهي بالتمجيد.

 

أولًا: الولادة الجديدة

 

تُعد الولادة الجديدة نقطة التحول الأساسية في حياة المؤمن، وهي، بحسب العقيدة البروتستانتية، عمل يقوم به الله في قلب الإنسان بواسطة الروح القدس.

 

فعندما يدرك الإنسان خطاياه، ويتوب عنها، ويؤمن بالمسيح، يصبح – وفقًا لهذا المعتقد – خليقة جديدة، ويبدأ حياة روحية مختلفة عما كانت عليه من قبل.

 

ولهذا تُعتبر الولادة الجديدة المدخل الحقيقي إلى الحياة المسيحية، لأنها تمثل الانتقال من حالة الانفصال عن الله إلى حالة المصالحة معه، ومن الموت الروحي إلى الحياة الروحية.

 

ثانيًا: التبرير

 

بعد الولادة الجديدة يأتي مفهوم التبرير، ويقصد به إعلان الله براءة المؤمن من خطاياه استنادًا إلى كفارة المسيح، لا إلى أعمال الإنسان الشخصية.

 

ويؤمن البروتستانت أن دم المسيح المسفوك على الصليب كفيل بمحو خطايا المؤمن، وإقامته في علاقة سلام مع الله، بحيث يصبح مقبولًا لديه، ويتمتع بالطمأنينة والرجاء، ويُنظر إليه بوصفه من أبناء الله.

 

ثالثًا: القداسة

 

القداسة، في المفهوم البروتستانتي، ليست مرحلة منفصلة عن الخلاص، بل هي مسيرة مستمرة تبدأ منذ الولادة الجديدة، وتتواصل طوال حياة المؤمن.

 

ويُعتقد أن الروح القدس يعمل على تغيير شخصية المؤمن تدريجيًا، فينمو في الطاعة، والاستقامة، والمحبة، والخدمة، ويبتعد عن الخطايا والرذائل، حتى تتشكل حياته وفق المبادئ التي يعلمها الكتاب المقدس.

 

ولذلك يُنظر إلى القداسة بوصفها عملية نمو روحي وأخلاقي مستمرة، وليست حالة يصل إليها الإنسان دفعة واحدة.

 

رابعًا: التمجيد

 

أما المرحلة الأخيرة فهي التمجيد، وتمثل اكتمال الخلاص في الحياة الآخرة.

 

ويعتقد البروتستانت أن المؤمن بعد انتهاء حياته الأرضية، أو عند عودة المسيح في آخر الزمان، ينال الحالة الكاملة التي أعدها الله له، حيث يتحرر نهائيًا من آثار الخطية والألم والموت، ويعيش في حضرة الله حياة أبدية يسودها السلام والفرح والكمال.

 

خامسًا: خطة الله في النعمة (القصد الإلهي)

 

يُعد مفهوم النعمة الإلهية من أكثر المفاهيم حضورًا في اللاهوت البروتستانتي، إذ تُبنى عليه رؤية الكنيسة لطبيعة الخلاص، وعلاقة الله بالإنسان، ومصير المؤمن في الدنيا والآخرة. ويُقصد بالنعمة، وفقًا لهذا التصور، إحسان الله المجاني إلى الإنسان، والذي لا يستحقه بأعماله أو جهوده، وإنما يمنحه الله بمحض إرادته ورحمته.

 

وترى الكنائس البروتستانتية أن خطة الله للخلاص لم تكن استجابة طارئة لسقوط الإنسان، بل كانت جزءًا من القصد الإلهي السابق، الذي تجلت فيه حكمة الله وسيادته ورحمته. ولذلك فإن الخلاص، بحسب هذا الفهم، ليس ثمرة استحقاق بشري، وإنما هو عطية إلهية يهبها الله لمن يقبلها بالإيمان.

 

وتؤمن البروتستانتية بأن اختيار الله للمؤمنين يعكس نعمته وسيادته، مع التأكيد – في الوقت نفسه – على مسؤولية الإنسان في الاستجابة لدعوة الله. وقد اختلفت المدارس اللاهوتية البروتستانتية في تفسير العلاقة بين الاختيار الإلهي وحرية الإنسان، إلا أنها تتفق على أن الخلاص في النهاية هو ثمرة نعمة الله لا استحقاق الإنسان.

 

ومن المبادئ التي تؤكدها المعمدانية الجنوبية بصورة خاصة ما يُعرف بـ ثبات المؤمن أو ضمان الخلاص، ويعني أن من نال الخلاص الحقيقي بالإيمان بالمسيح لن يفقد هذا الخلاص في النهاية، لأن الله هو الذي يحفظ المؤمن ويثبته.

 

ولا يعني هذا – بحسب فهمهم – أن المؤمن يصبح معصومًا من الخطأ أو لا يقع في المعصية، بل قد يضعف أو يخطئ أو يبتعد عن طريق الطاعة، إلا أن الروح القدس يعمل على توبيخه وإعادته إلى التوبة، ويبقى حفظه النهائي بقدرة الله ورحمته.

 

ولهذا تُعد النعمة في الفكر البروتستانتي الإطار الذي يجمع بين محبة الله وعدله، وبين مسؤولية الإنسان وثقة المؤمن في وعود الله، وهي من أكثر الموضوعات حضورًا في التعليم والوعظ الكنسي.

 

سادسًا: الكنيسة

 

لا تقتصر الكنيسة في المفهوم البروتستانتي على كونها مبنى تُقام فيه الشعائر الدينية، بل تُفهم بوصفها جماعة المؤمنين الذين جمعهم الإيمان بالمسيح، وربطتهم رسالة الإنجيل، والتزموا بالعيش وفق تعاليم الكتاب المقدس.

 

وترى البروتستانتية أن الكنيسة في العهد الجديد تتكون من المؤمنين الذين أعلنوا إيمانهم، واعتمدوا بحسب تعاليم الكنيسة، وأصبحوا أعضاءً في جماعة محلية تمارس العبادة والتعليم والخدمة والتبشير.

 

وتُعد الكنيسة، وفقًا لهذا التصور، البيئة التي ينمو فيها المؤمن روحيًا، ويتعلم مبادئ الإيمان، ويشارك في العبادة الجماعية، ويخدم الآخرين، ويستثمر مواهبه فيما يخدم رسالة الإنجيل.

 

كما تؤكد الكنائس البروتستانتية أن المسيح هو الرأس الحقيقي للكنيسة، وأن سلطته تعلو على جميع السلطات الكنسية، ولذلك فإن كل كنيسة محلية تُدار – في نظرهم – تحت سيادة المسيح ووفق المبادئ الواردة في الكتاب المقدس.

 

وفي النظام المعمداني، تتمتع كل كنيسة محلية باستقلال إداري ومالي، فلا تخضع لسلطة أسقف أو بطريرك أو إدارة مركزية تفرض عليها قراراتها، وإنما تدير شؤونها الداخلية بنفسها، مع تعاونها الطوعي مع الكنائس الأخرى في مجالات التعليم والإرساليات والعمل الخيري.

 

ويقتصر منصب القسيس، بحسب التقليد المعمداني الذي تعرضه المؤلفة، على الرجال، بينما تشارك النساء في مجالات متعددة من الخدمة والتعليم والأنشطة الكنسية دون تولي منصب الرعاية الكنسية.

 

وتؤمن البروتستانتية كذلك بأن الكنيسة ليست محصورة في جماعة أو قومية معينة، بل تضم جميع المؤمنين بالمسيح من مختلف الشعوب والأمم واللغات، ولذلك تُوصف بأنها "جسد المسيح" الذي يجمع المؤمنين في وحدة روحية رغم اختلاف أوطانهم وثقافاتهم.

 

ومن أهم وظائف الكنيسة في الفكر البروتستانتي: العبادة، والتعليم، ورعاية المؤمنين، وخدمة المجتمع، وإرسال المبشرين، والعمل على نشر الإنجيل في مختلف أنحاء العالم.

 

سابعًا: المعمودية وكسر الخبز (المناولة)

 

تُعد المعمودية والمناولة من الشعائر الأساسية في الكنائس البروتستانتية، ويُنظر إليهما بوصفهما رمزين للإيمان، لا وسيلتين مستقلتين لنيل الخلاص.

 

المعمودية

 

ترى الكنائس المعمدانية أن المعمودية تكون بتغطيس المؤمن كاملًا في الماء باسم الآب والابن والروح القدس، بعد إعلانه الإيمان بالمسيح.

 

وتؤكد هذه الطائفة أن المعمودية لا تُمارس مع الأطفال، لأن الإيمان – بحسب فهمها – يجب أن يكون قرارًا شخصيًا واعيًا، ولذلك لا يُعمد إلا من بلغ سن الإدراك، وأعلن قبوله للمسيح بإرادته.

 

وتحمل المعمودية دلالات رمزية عديدة؛ فهي ترمز إلى موت المسيح ودفنه وقيامته، كما ترمز إلى موت الإنسان عن حياة الخطية، وبدء حياة جديدة في الطاعة والإيمان.

 

كما تُعد إعلانًا رسميًا لانضمام المؤمن إلى الكنيسة المحلية، وإقرارًا علنيًا بإيمانه أمام الجماعة.

 

كسر الخبز (المناولة)

 

أما المناولة، أو كسر الخبز، فهي شعيرة رمزية يمارسها أعضاء الكنيسة تخليدًا لذكرى صلب المسيح وموته وقيامته.

 

ويشترك المؤمنون في تناول الخبز وشرب عصير العنب – أو الخمر في بعض الكنائس – تذكيرًا بالعهد الذي يعتقدون أن المسيح قطعه مع تلاميذه، وتجديدًا لإيمانهم بعمله الخلاصي، وانتظارًا لمجيئه الثاني.

 

ولا تُفهم هذه الشعيرة في الفكر البروتستانتي على أنها تحول مادي للخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، كما هو الحال في بعض الكنائس الأخرى، بل تُعد رمزًا روحيًا يستحضر معاني الفداء والشكر والوحدة بين المؤمنين.

 

ثامنًا: يوم الرب

 

يطلق البروتستانت اسم يوم الرب على اليوم الأول من الأسبوع، أي يوم الأحد، ويُرجعون أهمية هذا اليوم إلى اعتقادهم بقيامة المسيح من بين الأموات فيه.

 

ولذلك يُعد الأحد يوم العبادة الأسبوعية الرئيس، حيث يجتمع المؤمنون في الكنائس للصلاة، وقراءة الكتاب المقدس، والاستماع إلى الوعظ، وممارسة الشعائر الكنسية، وتقديم التسابيح.

 

ولا يقتصر الاحتفال بيوم الرب على الاجتماعات العامة، بل يشجع التعليم البروتستانتي المؤمنين على استثمار هذا اليوم في التأمل الروحي، والدراسة الكتابية، والصلاة، وأعمال الرحمة والخدمة، بما يعزز علاقتهم بالله ويقوي الروابط بينهم.

 

تاسعًا: ملكوت السموات

 

يحتل مفهوم ملكوت الله أو ملكوت السموات مكانة محورية في التعليم المسيحي، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا برسالة المسيح كما تعرضها الأناجيل.

 

ويفهم البروتستانت الملكوت على مستويين متكاملين؛ فهو، من جهة، يشير إلى سيادة الله وسلطانه على الكون كله، ومن جهة أخرى، يمثل الحياة الروحية التي يدخلها الإنسان عندما يؤمن بالمسيح ويخضع لإرادة الله.

 

ولهذا فإن الملكوت، بحسب العقيدة البروتستانتية، يبدأ في حياة المؤمن منذ قبوله رسالة الخلاص، لكنه يبلغ كماله عند عودة المسيح في نهاية الزمان، حيث يتحقق الملكوت بصورة كاملة ونهائية.

 

ويرتبط هذا المفهوم أيضًا برسالة الكنيسة، إذ ترى البروتستانتية أن نشر الإنجيل والدعوة إلى الإيمان يمثلان جزءًا من العمل من أجل امتداد ملكوت الله في الأرض، ولذلك تحتل الإرساليات والتبشير مكانة أساسية في نشاط الكنائس.

 

كما يكثر في الأدبيات البروتستانتية الحديث عن الصلاة التي علّمها المسيح لتلاميذه: «ليأتِ ملكوتك»، ويُفسَّر هذا الطلب على أنه تعبير عن توق المؤمنين إلى اكتمال مشيئة الله، وانتشار رسالته، وانتظار عودة المسيح التي يعتقدون أنها ستعلن اكتمال الملكوت بصورة نهائية.

 

عاشرًا: آخر الأيام

 

يُعد الإيمان بالأحداث المرتبطة بآخر الزمان أحد المكونات الرئيسة في العقيدة البروتستانتية، إذ تؤمن الكنائس البروتستانتية بأن التاريخ الإنساني يسير وفق خطة إلهية محددة ستبلغ نهايتها بعودة المسيح، وإقامة الدينونة، وبدء الحياة الأبدية.

 

وترى البروتستانتية أن المجيء الثاني للمسيح يمثل حدثًا حقيقيًا سيقع في الوقت الذي يحدده الله، وأنه سيكون ظاهرًا للبشر جميعًا، ويترتب عليه استكمال مقاصد الله في التاريخ. ويرتبط هذا الحدث، في الفكر البروتستانتي، بقيامة الأموات، والدينونة النهائية، ومجازاة كل إنسان بحسب موقفه من رسالة الخلاص.

 

وتختلف المدارس اللاهوتية البروتستانتية في تفسير بعض التفاصيل المتعلقة بأحداث آخر الزمان وترتيبها، إلا أنها تتفق على المبادئ العامة، وفي مقدمتها الإيمان بعودة المسيح، وقيامة الموتى، والحساب، والحياة الأبدية.

 

وينعكس هذا الاعتقاد على الحياة الدينية للمؤمن، إذ يدعوه إلى اليقظة الروحية، والاستعداد الدائم، والتمسك بالإيمان، والالتزام بالسلوك الذي ينسجم مع تعاليم الكتاب المقدس، انتظارًا لتحقيق الوعد الإلهي في نهاية التاريخ.

 

الحادي عشر: التبشير

 

يحتل التبشير مكانة محورية في الفكر البروتستانتي، ويُنظر إليه بوصفه امتدادًا للرسالة التي كلف المسيح بها أتباعه، والمتمثلة في إعلان الإنجيل لجميع الشعوب والدعوة إلى الإيمان به.

 

ومن هذا المنطلق، ترى الكنائس البروتستانتية أن مسؤولية التبشير لا تقتصر على رجال الدين أو العاملين في المؤسسات الكنسية، بل تشمل جميع المؤمنين، كلٌّ بحسب قدراته وإمكاناته والبيئة التي يعيش فيها.

 

ولا يقتصر مفهوم التبشير على إلقاء المواعظ أو توزيع الكتب الدينية، بل يمتد ليشمل التعليم، والحوار، والعمل الاجتماعي، والخدمة الإنسانية، والعلاقات الشخصية، ووسائل الإعلام، والوسائط الرقمية، وغيرها من الوسائل التي يمكن من خلالها إيصال الرسالة الدينية.

 

ولهذا السبب، تحظى الإرساليات، وإعداد المبشرين، ودعم المؤسسات التعليمية والإغاثية، بأهمية كبيرة في العمل الكنسي البروتستانتي، باعتبارها وسائل تسهم في تحقيق الهدف الذي تراه الكنيسة متمثلًا في نشر الإنجيل بين مختلف الشعوب.

 

الثاني عشر: التعليم

 

تولي الكنائس البروتستانتية عناية كبيرة بالتعليم، انطلاقًا من اعتقادها بأن المعرفة الدينية تمثل أساسًا لنمو المؤمن واستقراره في الإيمان.

 

ولذلك تحرص على توفير برامج تعليمية متنوعة تستهدف مختلف الفئات العمرية، بدءًا بالأطفال، مرورًا بالشباب، وانتهاءً بالكبار، من خلال مدارس الأحد، والدراسات الكتابية، والمعاهد اللاهوتية، والجامعات، والبرامج التدريبية.

 

ويهدف هذا التعليم، بحسب الرؤية البروتستانتية، إلى تعميق فهم الكتاب المقدس، وترسيخ المبادئ العقدية، وتنمية القدرة على المشاركة في خدمة الكنيسة، وإعداد أفراد قادرين على نقل الرسالة إلى الآخرين.

 

كما تُعد عملية إعداد القادة والخدام والمبشرين جزءًا أساسيًا من الرسالة التعليمية للكنيسة، حيث يُنظر إلى التأهيل العلمي والروحي بوصفه ضرورة لضمان سلامة التعليم واستمرارية العمل الكنسي.

 

الثالث عشر: الوكالة

 

يقوم مفهوم الوكالة في الفكر البروتستانتي على الاعتقاد بأن الإنسان مؤتمن على ما وهبه الله من نعم وإمكانات، وأنه مسؤول عن حسن إدارتها واستثمارها.

 

وتشمل هذه المسؤولية مختلف جوانب الحياة، مثل الوقت، والمال، والقدرات، والعلم، والصحة، والعلاقات الاجتماعية، وغيرها من الموارد التي ينبغي توظيفها فيما يحقق الخير وخدمة الآخرين.

 

وترى الكنائس البروتستانتية أن ممارسة الوكالة تعبر عن شكر الإنسان لله، وتظهر أمانته في استخدام ما أُعطي له، ولذلك تشجع المؤمنين على العطاء، والعمل التطوعي، والمشاركة في دعم الأنشطة الكنسية والخدمات الاجتماعية والإرسالية.

 

الرابع عشر: التعاون

 

تؤكد البروتستانتية أهمية التعاون بين الكنائس والمؤسسات المسيحية، وترى أن العمل المشترك يسهم في تحقيق أهداف الرسالة بصورة أكثر فاعلية.

 

ويأخذ هذا التعاون صورًا متعددة، من بينها تبادل الخبرات، وتنفيذ المشروعات المشتركة، ودعم العمل التعليمي والإغاثي، والتنسيق في الأنشطة التبشيرية، مع احتفاظ كل كنيسة باستقلالها الإداري والتنظيمي وفق النظام المعمول به لديها.

 

كما يمتد التعاون، في بعض الحالات، إلى المؤسسات المدنية والخيرية، بما يحقق خدمة المجتمع والاستجابة لاحتياجاته الإنسانية.

 

الخامس عشر: المسيحية والنظام الاجتماعي

 

ترى الكنائس البروتستانتية أن الإيمان لا ينبغي أن يبقى محصورًا في الجانب التعبدي، بل يجب أن ينعكس على حياة الفرد والمجتمع.

 

ولهذا تشجع على الإسهام في معالجة المشكلات الاجتماعية، ومكافحة الفقر، ورعاية المحتاجين، وتعزيز قيم العدل، والرحمة، والأمانة، واحترام كرامة الإنسان.

 

وتؤكد الأدبيات البروتستانتية أن خدمة المجتمع تُعد امتدادًا طبيعيًا للإيمان، وأن الأعمال الخيرية والإنسانية تمثل وسيلة للتعبير عن المبادئ التي يدعو إليها الإنجيل.

 

السادس عشر: السلام والحرب

 

تدعو الكنائس البروتستانتية، في أصل تعليمها، إلى السلام، وإقامة العلاقات الإنسانية على أساس المحبة والعدل والمصالحة، وترى أن السلام قيمة دينية وأخلاقية ينبغي للمؤمن أن يسعى إلى تحقيقها في حياته الشخصية والاجتماعية.

 

ومع ذلك، تتناول الأدبيات البروتستانتية موضوع الحرب من خلال مناقشات لاهوتية وأخلاقية متعددة، تناولت شروط اللجوء إلى القوة، وحدودها، ومسؤولية الإنسان في حماية المجتمع، مع اختلاف وجهات النظر بين الكنائس والمدارس اللاهوتية في بعض التطبيقات العملية.

 

السابع عشر: الحرية الدينية

 

تُعد الحرية الدينية من المبادئ التي تؤكدها الكنائس البروتستانتية، إذ ترى أن الإيمان ينبغي أن يكون ثمرة اقتناع شخصي، لا نتيجة إكراه أو ضغط.

 

ومن هذا المنطلق، تدعو إلى احترام حرية الإنسان في اختيار معتقده، وإتاحة الفرصة له للاطلاع على التعاليم الدينية المختلفة، واتخاذ قراره وفق ما يمليه عليه ضميره وقناعته.

 

كما تؤكد أهمية حماية حرية ممارسة الشعائر الدينية، وضمان الحقوق المدنية للأفراد بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية.

 

الثامن عشر: العائلة

 

تحتل الأسرة مكانة أساسية في الفكر البروتستانتي، إذ تُعد الإطار الأول لتربية الأبناء، وغرس القيم الدينية والأخلاقية، وتنشئة الأجيال على مبادئ الإيمان.

 

وترى الكنائس البروتستانتية أن الزواج علاقة دائمة تقوم على الالتزام المتبادل بين الزوجين، وأن الأسرة تتحمل مسؤولية مشتركة في التربية، والتعليم، والرعاية، وبناء الشخصية.

 

كما تشجع على ترسيخ قيم المحبة، والاحترام، والحوار، والتعاون بين أفراد الأسرة، باعتبارها أساسًا لاستقرار المجتمع بأسره.

 

التاسع عشر: العبادة

 

تُفهم العبادة في الفكر البروتستانتي بمعناها الشامل، فلا تقتصر على حضور الاجتماعات الكنسية، وإنما تشمل مختلف جوانب حياة المؤمن عندما يقصد بها طاعة الله وتمجيده.

 

وتتضمن العبادة الصلاة، وقراءة الكتاب المقدس، والترانيم، والوعظ، والمشاركة في الشعائر الكنسية، فضلًا عن السلوك الأخلاقي الذي يعكس الالتزام الديني في الحياة اليومية.

 

وتتميز العبادة في الكنائس البروتستانتية بالتركيز على قراءة الكتاب المقدس، والوعظ، والترانيم الجماعية، مع اختلاف بعض التفاصيل التنظيمية بين الكنائس والطوائف.

 

العشرون: الصلاة

 

تحتل الصلاة مكانة مركزية في الحياة الروحية للمسيحي البروتستانتي، إذ تُعد وسيلة للتواصل مع الله، والتعبير عن الإيمان، وطلب العون، وتقديم الشكر، والاعتراف بالتقصير.

 

وترى الكنائس البروتستانتية أن الصلاة لا تحتاج إلى وسيط بشري، بل يستطيع المؤمن أن يتوجه مباشرة إلى الله في أي زمان ومكان، معتمدًا على إيمانه بالمسيح.

 

وتشمل الصلاة، في الأدبيات البروتستانتية، صورًا متعددة، منها الصلاة الفردية، والصلاة الجماعية، وصلوات الشكر، والتسبيح، والتوبة، والشفاعة، وطلب الإرشاد.

 

وتؤكد الكنائس أن الصلاة ليست مجرد ممارسة شعائرية، وإنما تمثل علاقة مستمرة بين الإنسان وربه، تسهم في بناء الحياة الروحية، وتعزز الثقة بالله، وتدفع المؤمن إلى الثبات على ما يعتقده من مبادئ وقيم.