+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف
ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رحل جدي مجيد وأخوه نجيب قعوار إلى الضفة الغربية لنهر الأردن ليعيشا مع أسرتيهما قرب ضفاف بحيرة طبرية. غير أنه عندما جاء الإسرائيليون عام 1948 تم ترحيلهما، فعادا إلى الأردن من جديد. اختار جدي مجيد الإقامة في مدينة الزرقاء على بُعد 25 كيلومتراً من عمّان، بينما فضّل شقيقه نجيب السكن في العاصمة نفسها.
رحل جدي مجيد وأخوه نجيب قعوار إلى الضفة الغربية لنهر الأردن ليعيشا مع أسرتيهما قرب ضفاف بحيرة طبرية. غير أنه عندما جاء الإسرائيليون عام 1948 تم ترحيلهما، فعادا إلى الأردن من جديد. اختار جدي مجيد الإقامة في مدينة الزرقاء على بُعد 25 كيلومتراً من عمّان، بينما فضّل شقيقه نجيب السكن في العاصمة نفسها.
كان لجدي مجيد أربعة أبناء وثلاث بنات، وكان أصغر أبنائه داود، الذي اتسم بالاعتدال في تدينه، قد اختار مغادرة الوطن والعيش في الدنمارك. وخلال فترة قصيرة استطاع أن يصبح ثرياً بعد امتلاكه مطعماً هناك. وفي إحدى زياراته للأردن، اختارت له والدته شريكة حياته، وكانت من أقاربه، فهي ابنة عمه نجيب. كان نجيب فناناً بارعاً في الرسم بالألوان الزيتية، وكانت ابنته "كلثوم" تتميز بالجمال والذكاء والإيمان، وأنا كنت إحدى ثمار هذا الزواج.
بعد الزواج ازداد التزام والدي داود بالمسيحية. وعندما توفي جدي مجيد عام 1986، أغلقت الكنيسة التي بناها بيديه. إلا أن والدي ادّعى أن الله قد دعاه إلى فتحها مجدداً عام 1990. ومع توسع خدمة والدي للكنيسة، قام بترميمها وتوسعتها لتستوعب أكثر من 150 شخصاً، كما أسس ثلاث كنائس أخرى في السلط والتطوير الحضري والعقبة، في بلد يدين معظم سكانه بالإسلام.
أما والدتي، فهي تُعد من الخادمات القويات في الكنيسة الأردنية. أسست مؤتمراً سنوياً تحضره أكثر من خمسمائة سيدة من الشرق الأوسط، لمناقشة قضايا المرأة ومشكلاتها. وكان المؤتمر يتضمن أيضاً تدريباً لقادة الشبيبة وتطوير برامج خاصة بالمخيمات.
وُلدتُ أنا في الدنمارك عام 1981، وغادرتُها وأنا في الرابعة من عمري مع عائلتي عائدين إلى الأردن. استقرّ بنا الحال في مدينة الزرقاء في الطابق الثاني فوق الكنيسة، وهناك تربينا تربية مسيحية خالصة. حصلت على معمودية الماء عام 1993، ودرست اللاهوت والكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد. وبدأت خدمتي في الكنيسة كمعلمة للأطفال وأنا في سن الثانية عشرة، ثم أصبحت قائدة ومدربة لمعلمات الأطفال. كما ابتكرت برنامجاً تعليمياً كاملاً، ووضعت تطويرات عديدة على المنهج التعليمي لخدمة الكتاب المقدس "التوراة والإنجيل".
وفي عام 2002، هاجرتُ مع عائلتي من جديد إلى ولاية تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان عليّ أن أبدأ حياتي من نقطة الصفر. التحقت بالكلية وحصلت على دبلوم في التصميم والرسوم المتحركة. وكانت ميولي الفنية سبباً في حصولي على جوائز عديدة في الرسم والعزف على البيانو والفلوت، إضافة إلى تقديم الموسيقى الشرقية في مسابقات على مستوى المملكة الأردنية الهاشمية.
وفي عام 2003، توفي والدي داود قعوار، الذي كان من كبار المحسنين، بعد صراع مع السرطان. واستلم شيوخ الكنيسة إدارة الخدمة بعد وفاته. لقد كان والدي إنساناً يساعد الناس ويعزز ثقتهم بأنفسهم ويمنحهم المحبة كما كان الإنجيل يوصيه. وكان ولا يزال قدوة لنا في حسن المعاملة والتسامح والابتسامة الدائمة.
بدأ احتكاكي بالإسلام في سنّ مبكرة نسبياً، لكن مشاعري نحوه لم تكن واحدة على الدوام؛ فقد مرّت بمراحل متناقضة بين الدهشة، ثم النفور الشديد، ثم البحث، ثم القرب والإيمان.
في الصف السابع انتقلتُ من مدرسة الناصري المسيحية إلى مدرسة حكومية، وكانت تلك أول مرة أختلط فيها ببنات مسلمات بهذا الشكل المباشر. لم تكن أمي ترغب في أن أدرس في مدارس كاثوليكية أو لاتينية، لأنها إنجيلية، وبالنسبة للكنائس البروتستانتية تُعَدّ تلك الكنائس منحرفة عن التوحيد، غارقة في الصور والتماثيل والأيقونات التي تُعتبَر في نظرهم نوعًا من عبادة الأصنام.
في أول كتاب للغة العربية في المدرسة الحكومية، وجدتُ جزءًا من سورة الرعد، وفيه قول الله تعالى:
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴿٢﴾ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٣﴾ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٤﴾
كانت معلمة اللغة العربية تشرح لنا الآيات بطريقة مدهشة؛ تتحدث عن خلق الله للسماوات ورفْعها بلا أعمدة نراها، وعن تعاقب الليل والنهار، وعن الزوجية في المخلوقات، وكيف أن الأرض ممتدة وفيها رواسي وأنهار وثمار، فتأخذنا معها في رحلة في آفاق الكون والعقل والتفكّر. كنت أستمع بإعجاب ودهشة؛ ربما كانت تلك أول مرة أسمع فيها عن الإسلام بصورة متزنة راقية، لا علاقة لها بالصورة التي كنت أسمعها في الكنيسة، حيث كان يُقدَّم لنا على أنه دين دموي، سلبي، ذكوري، وقاسٍ.
ومع تقدمي في الدراسة، خاصة في مواد الكيمياء والأحياء والجيولوجيا والفيزياء، كنت ألاحظ في كتب العلوم المدرسية أقسامًا ملوّنة، على شكل ملحقات أو معلومات جانبية، تورد آية قرآنية أو حديثًا نبويًا له صلة بالموضوع العلمي، لتشير إلى عظمة هذا الدين وإعجازه. هذا الربط بين العلم والنصوص القرآنية كان يثير دهشتي بشدة.
تأثرتُ بذلك إلى حدّ أنني حاولت تقليده، فكتبت بحثًا صغيرًا وأنا مراهقة عن ترتيب خلق الله للكون من سفر التكوين، وربطته بـ"الانفجار الأعظم" ونظرية التطور، محاوِلةً التوفيق بين ما أدرسه في العلوم وما أسمعه عن الإعجاز - ما زلتُ أحتفظ به إلى الآن. واليوم، بعد مرور السنوات وتعمّقي في البحث، أدرك أن نظرية التطور والإنفجار الأعظم ليستا يقينًا ولا تقومان على أساس صحيح في نظري، لكن في ذلك الوقت كان عقلي في بداية رحلة طويلة من التساؤل.
رغم هذه اللمسات الإيجابية التي عرفتها من خلال الدراسة، فإن الخطاب الذي كنت أتلقاه من الكنيسة عن الإسلام كان مختلفًا تمامًا، ومع مرور الوقت، بدأ الكره يتغلب على الدهشة. في المرحلة الإعدادية ثم الثانوية في المدرسة الحكومية، كنت أدخل في نقاشات طويلة مع صديقاتي المسلمات حول الإسلام والمسيحية، وأحاول إقناعهن بالدين المسيحي بكل ما أوتيت من حماسة.
في الصف العاشر، وصل بي الأمر إلى حدّ السلوك العدائي؛ رأيت مرة فتاة مسلمة تصلي، فركلتها بقدمي وهي ساجدة ودفعْتها، في تصرف لم أعد أحتمله على ضميري اليوم بعد أن عرفت الإسلام حق المعرفة، وأسأل الله أن يغفر لي. كنت أتعمّد مخالفة المسلمين في كل شيء، حتى في رمضان، فآكل أمام الفتيات الصائمات في المدرسة لأغيظهن.
كنت أحمل معي الكتاب المقدس يوميًا إلى المدرسة، أقرأ منه بصوت عالٍ، أو أكتب آية أو جملة على السبورة باعتبارها "حكمة اليوم"، محاوِلة لفت الانتباه إلى المسيحية. هذا النشاط دفع معلمة اللغة العربية لاحقًا لأن تستدعيني، وأخبرتني أن لديهن تسجيلاً بصوتي وأنا أتحدث مع الطالبات عن ديني، وأن القانون يمنع هذا الأسلوب من التبشير داخل المدرسة، وطلبت مني التوقف. شعرت بغضب شديد، وازداد شعوري بالعداء تجاه الإسلام والمسلمين، واعتبرت نفسي "مضطهدة من أجل المسيح"، فزادت حماستي التبشيرية بدل أن تهدأ.
في المرحلة الثانوية، كنا نحن الفتيات المسيحيات في الصف لا نتجاوز ثلاث طالبات. أثناء حصة التربية الإسلامية، كان يُسمح لنا بالخروج إلى المكتبة أو إلى أي مكان آخر في المدرسة إلى أن تنتهي الحصة، فلا نحضر الدرس مع باقي الطالبات المسلمات.
في إحدى المرات، قررت أن أبقى في الصف وأستمع لما يُقال في حصة التربية الإسلامية. لاحظت المعلمة وجودي، فاختارت أن تتحدث عن تحريف الإنجيل والتوراة. أثار هذا الموضوع غضبي بشدة، فاعترضت قائلة إن ذلك مستحيل، وشرحت للمعلمة والطالبات أن هناك أربعة أناجيل: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وأنها كُتبت تقريبًا في الفترة الزمنية نفسها ومن أشخاص مختلفين لا يعرف بعضهم بعضًا، ومع ذلك فإن القصص فيها متشابهة ومتطابقة إلى حد كبير، وهذا عندي دليل على صدقها.
ضحكت إحدى الطالبات بسخرية وقالت: "إذا كانوا لا يعرفون بعضهم، فلا بد أن الجن هو الذي كتب هذه الكتب!" وضجّ الصف بالضحك، وأضافت أخرى باستفزاز: "وأين هو إنجيل المسيح نفسه؟ لماذا تُسمَّى هذه الكتب بأسماء أشخاص؟" في تلك اللحظة شعرت بالإهانة الشديدة، فخرجت من الحصة غاضبة، وعاهدت نفسي ألا أعود لحصة تربية إسلامية مرة أخرى. هذه الحادثة عمّقت في داخلي الشعور بالرفض والعداء، وأطفأت أي بقايا انفتاح كانت قد وُلدت في ذهني منذ أيام سورة الرعد في الصف السابع.
مع مرور الوقت، أخذت مواقفي تتصلّب. صرت أتشاجر كثيرًا مع الطالبات المسلمات، وأظن أنني أملك الحقيقة المطلقة، وأريد أن "أُنقِذ" الجميع منها.
بعد تخرجي من الثانوية العامة عام 1999، التحقت بجامعة مؤتة لدراسة مادة الكيمياء. لم أترك نشاطي التبشيري هناك، بل نظّمت بعض الاجتماعات الصغيرة السرّية مع طلاب مسيحيين لقراءة الكتاب المقدس والصلاة، ولبدء حوارات مع بعض الطلاب المسلمين ودعوتهم للمسيحية.
كانت هناك مادة إجبارية عليّ أن أدرسها في الجامعة كما هو متوقَّع: مادة "الثقافة الإسلامية". كنت أكره هذه المادة بشدة قبل حتى أن أبدأها. كان يدرّسها البروفيسور الدكتور محمد الرواشدة، ودخلت معه في عدة نقاشات محتدمة بين الإسلام والمسيحية. في أحد الأيام، استدعاني إلى مكتبه الخاصة، وبادرني قائلاً بهدوء:
"أنتِ تملكين عقلاً راجحًا وذكاءً واضحًا، فلماذا لا تعتنقين الإسلام؟"
أجبته بحدة: "اسمع يا دكتور، أنا مسيحية أبًا عن جد، وأبي قسيس وأمي مبشّرة، ولدينا تاريخ طويل في خدمة المسيحية، فلا يمكن أن أصبح مسلمة مهما حدث."
تنهد وقال بهدوء مؤلم: "الله يهديكِ يا بنتي."
خرجت من مكتبه يومها غاضبةً أكثر من ذي قبل، معتقدة أنني خرجت منتصرة في الحوار.
واصلت اجتماعاتي مع الطلاب المسيحيين، واستمررت في محاولات دعوتي للمسلمين داخل الحرم الجامعي، إلى أن استدعاني عميد شؤون الطلبة. جلست أمامه، وسألني مباشرة إن كنت أعقد مثل هذه الاجتماعات الدينية. لم أنكر، فأخبرني صراحة أنه سيقوم بفصلي من الجامعة إن واصلت هذا النشاط. وفي نهاية الفصل الدراسي، وجدت أن معدلي قد هبط بشكل ملحوظ، وتم إخراجي من الجامعة بالفعل.
أزعجت هذه الحادثة والدي كثيرًا، فقد تسببت في بلبلة ومشاكل في البلد، ولم يرغب حينها أن أكمل دراستي الجامعية. التحقت بعدها بمعهد مسيحي ودرست السكرتارية التنفيذية، ثم بعد ذلك بفترة هاجرنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكأن حياتي بدأت تسلك طريقًا جديدًا تمامًا.
في عام 2002 سافرت مع عائلتي إلى ولاية تكساس في أمريكا، مواصِلةً رسالتي كما كنت أراها: خدمة المسيحية وسط العرب والمسلمين. كنت أذهب إلى الكنيسة المعمدانية العربية في دالاس، التي كان عمي قسيسها، ثم انتقلت لفترة للعيش مع عائلة مسيحية في ولاية أريزونا، قبل أن أعود مجددًا إلى تكساس لظروف مادية وأقيم مع أخي وأختي، بينما عاد والداي إلى الأردن لاستكمال خدمتهما التبشيرية في الشرق الأوسط.
وجدت في أمريكا مساحة واسعة للحوار والنقاش، فتعرفت هناك على مجموعة من الأصدقاء المسلمين، وبدأنا نقارن بين الإسلام والمسيحية. كنت واثقة من معرفتي العميقة بالتوراة والإنجيل، وأناقشهم بعنف، محاوِلةً إقناعهم باعتناق المسيحية. عندها أحضروا لي شابًا – الذي صار لاحقاً زوجي – ليكمل النقاش معي. كان واسع الاطلاع في القرآن والسنة، مما جعل النقاشات معه أشد وأعنف، وأثار ذلك نفوري منه في البداية، وشعوري بأنه خصمٌ فكريّ عنيد.
كنت أزيد النار على الخلاف، حتى أصابني الإرهاق النفسي والفكري من كثرة الجدل. في تلك الفترة، كانت أمي تستعد لزيارتي في سبتمبر 2005، فاعتبرت أن هذا وقت مناسب للتوقف قليلاً عن النقاشات.
في نهاية أحد النقاشات، قال لي ذلك الشاب جملة قلبت حياتي: "أريد دليلاً واحداً من الإنجيل أن المسيح قال عن نفسه: أنا الله. لن تجدي آية واحدة تقول ذلك."
استفزني كلامه، واعتبرته فرصة لأثبت له العكس وأدعوه للمسيحية. قلت له بسخرية وثقة: "ما الذي تقوله؟! بالتأكيد هناك آيات كثيرة تقول إن المسيح هو الله!"
قال بهدوء: "هاتِ دليلاً واحدًا فقط."
ذهبت إلى البيت والسؤال يطارد عقلي. فتحت الإنجيل وبحثت في صفحاته، ثم بحثت في الإنترنت والكتب، لكني لم أعثر على نص صريح يثبت ادعائي. لجأت إلى أمي، وبدأت أجادلها. قالت لي بصراحة: "لا توجد آية حرفية يصرّح فيها المسيح بأنه هو الله، لكنه قال: من رآني فقد رأى الآب."
فأجبتها متسائلة: "ولكن الآب والابن ليسا شخصًا واحدًا؟ كيف نفهم هذا؟"
بدأت أستعيد دروسي في اللاهوت عن الثالوث - والتي قد دُرِّبتُ عليها في الكنيسة للرد على شبهات المسيحية من قِبَل المسلمين: الآب والابن والروح القدس. قرأت نص يوحنا 1:1: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله." فتعجبت: كيف يكون المسيح هو الله، وهو في الوقت نفسه "عند الله"؟ أليست هذه معادلة متناقضة؟
ثم قرأت نص رسالة يوحنا الأولى، الإصحاح الخامس، العدد 7: "فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد." فرحت حينها ظنًّا مني أنني وجدت الحل، لكن العدد الذي بعده مباشرة يقول: "والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح والماء والدم، والثلاثة هم في الواحد."
فاستوقفني الفرق بين "هم واحد" و"في الواحد".
بدأت أرى أن التشبيه اللاهوتي الذي تربيت عليه مليء بالاضطراب، وسألت نفسي: إذا كان الله كاملاً، فكيف يكون الكتاب الذي أنسبه إليه غير كامل ومليئًا بالاختلاف والتحريف؟
تذكرت أستاذًا بريطانياً مرموقاً في اللاهوت جاء يدرّسنا تاريخ الكتاب المقدس، وقال لنا يومًا إنه رأى في أحد معارض بريطانيا مخطوطات الإنجيل الأصلية، فلم يجد سوى أوراق محروقة وممزقة وناقصة. نظرت حينها إلى الكتاب المقدس بين يدي وسألت نفسي: من أين جاءت كل هذه النصوص التي نقرأها اليوم؟ وكيف أستطيع أن أعبد إلهاً كاملاً بكتاب ناقص لا أملك يقينًا بحفظه؟
قُدت بعد ذلك لمقارنة الإنجيـل بالقرآن. فكرت: لو جمَعنا كل الكتب السماوية اليوم وألقيناها بعيدًا، وطلبنا من الناس أن يعيدوا كتابتها من ذاكرتهم، فهل يستطيع مسيحي واحد أن يعيد كتابة الإنجيل كما هو؟ بينما أعرف أن هناك ملايين المسلمين يحفظون القرآن عن ظهر قلب، وأن نصّه واحد لا تعدد فيه كالنسخ المختلفة للعهد الجديد.
ثم انتقلت لدراسة قضية صلب المسيح. هل مات حقًا على الصليب؟ أم أن ما بين أيدينا هو مجرد روايات كتبها بشر اجتهدوا في سرد ما ظنوه صحيحًا؟ عندها صادفت آية من القرآن تقول:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ...﴾
شعرت أنني أمام رؤية مختلفة تمامًا عمّا نشأت عليه؛ القرآن يقول إن الذين رأوا حادثة الصلب كانوا في شكّ، وأن الأمر التبس عليهم.
وجدت نفسي فجأة أمام نتيجة ثقيلة: المسيح ليس الله، ولا ابن الله بمعناه اللاهوتي الذي نشأت عليه، وإنما هو نبيّ من أنبياء الله المكرمين. هذه الفكرة زلزلت حياتي كلها، فأنا قضيت 24 سنة تقريبًا أعبد الله وفق منظومة لاهوتية بدأت أكتشف تناقضاتها. شعرت أن الأرض تميد بي، حتى فكّرت في الانتحار، لكن رحمة الله منعتني من اتخاذ خطوة جنونية، وتوقفت أراجع نفسي بصمت.
كنت ما زلت أواجه إشكالاً واحدًا كبيرًا: النبي محمد ﷺ. لم أتعلم عنه شيئًا من مصدر محايد، وكل ما عرفته جاءني عبر خطاب كنسيّ مليء بالتشويه، يصوّره كعدو للمسيحية. سألت نفسي: كيف يُعظّمه المسلمون إلى هذا الحد إن لم يكن رسولاً بحق؟ وإذا كان القرآن من عند الله، فلا بد أن يكون النبي الذي نزل عليه مميزًا عند الله، صاحب رسالة سماوية كباقي الرسل.
تذكرت أيضًا ما كنت قد سمعت عنه عن إنجيل "برنابا" غير المعترف به في الكنائس الرسمية، والذي يذكر أن المسيح بشّر بنبي يأتي بعده اسمه "أحمد"، وأن المسيح لم يمت على الصليب بل رُفع إلى السماء وشُبّه بغيره.
حينها اتخذت قرارًا بأن أقرأ القرآن، لا بدافع الاقتناع أو الرغبة في الهداية، بل بنيّة أن أُثبت لأصدقائي أن هذا الكتاب يحتوي على أخطاء. بدأت بسورة الفاتحة، ثم انتقلت إلى البقرة، فآل عمران. ومع أنني كنت أقرأ بتركيز، إلا أنني لم أفهم الكثير؛ فأسلوب القرآن كان مختلفًا تمامًا عن الطريقة التي اعتدت عليها في قراءة الكتاب المقدس.
جلست في مختبر المدرسة، وفتحت الإنترنت، وبدأت أبحث على عجَل:
"ماذا يقول القرآن عن المسيح؟ ماذا يقول عن أمه؟"
كنت كلما أحاول الابتعاد عن القرآن، وكلما سعيت إلى أن أعزز كرهًا له أو أجد فيه تناقضًا، أجد نفسي عاجزة عن ذلك.
إلى أن وصلت إلى الآية في سورة المائدة:
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٨٢﴾
ما إن قرأت هذا الجزء حتى تذكرت والدي، رحمه الله، الذي كان قسيسًا صالحًا، متواضعًا، لا يعرف الاستكبار. عندها فاضت عيناي بالدموع دون أن أتمكن من كبحها.
وواصلت قراءة الآيات، حتى وصلت إلى قول الله تعالى:
وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴿٨٣﴾
فهمست:
"يارب… أنا آمنت."
ثم أكملت الآية التالية، وكأنها جاءت لتجيب قلبي مباشرة:
وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ﴿٨٤﴾
بعد فترة من التفكير الطويل والبحث والاضطراب الداخلي، خرجت من مختبر المدرسة وأنا أبكي وقلبي يلهج بالدعاء: "يا رب، إن كان هذا هو الطريق الصحيح فغيّر حياتي واهدني له، وإن لم يكن كذلك فلا تجعلني أضل، وخذني إليك على ما تحب وترضى."
اتصلت بأصدقائي المسلمين الذين لم أرهم منذ قرابة شهرين، وذهبت إليهم، وكان بينهم الشاب الذي كان يناقشني بالدين. جلسوا جميعًا ينتظرون مني أن أتكلم، والقلق يملأ وجوههم. عندها نطقت:
"أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله."
ساد الصمت المكان لثوانٍ طويلة، ثم قال الشاب بسخرية ممزوجة بالدهشة: "اسكتي، لا تكذبي! آخر مرة قلتِ لنا إنك لن تكوني مسلمة أبدًا حتى لو قلتِ الشهادتين."
نظرت إليه وأنا أبكي وقلت: "أنا لا أكذب. لقد وصلت إلى الحقيقة، والآن ستعلّمني كيف أتوضأ وكيف أصلي، وأريد أن أتعلم كل شيء عن ديني الجديد."
عندما رأى إصراري وصدق دموعي، بكى هو أيضًا من شدّة الفرح، وقال لي: "سبحان الله، إن الله يحبك. غدًا أول يوم من رمضان."
كان ذلك اليوم الثالث من أكتوبر عام 2005.
في تلك الليلة تعلّمت الوضوء والصلاة وأساسيات الإسلام، واشتريت حجابًا، وبدأت تنفيذ عباداتي من أول يوم في رمضان. أخفيت إسلامي عن عائلتي أسبوعين تقريبًا، وكنت أستيقظ في الليل لأصلي بعيدًا عن أعينهم.
في أحد الأيام، وأنا في طريقي من البيت إلى الكلية، كان معي حقيبتي التي أضع فيها القرآن وحجابي، فسقط الحجاب من الحقيبة دون أن أشعر، ورأته أختي. لم تسأل في البداية، لكنها في الليل استيقظت فرأتني أصلي، فعرفت العائلة بإسلامي، وبدأت مرحلة جديدة من الابتلاء.
ارتفعت الأصوات في البيت، وانهالت عليّ الاتهامات والإهانات والألفاظ الجارحة، وتعرّضت للضغط النفسي والعاطفي، ثم للضرب والتهديد بالقتل. ورغم كل ذلك، اخترت أن ألتزم الصمت وأن لا أجادل كثيرًا، ثم قررت أن أغادر البيت، داعية الله أن يهديهم كما هداني.
نعم غادرتُ أهلي وهجرتهم، ووجدت في المسجد والمجتمع المسلم عائلة بديلة أحاطتني بالعطف والرعاية.
لم يتوقف الابتلاء عند هذا الحد، إذ تتابعت عليّ الضغوط النفسية والاتصالات والرسائل من أنحاء مختلفة من العالم، فيها سب وتهديد وتشويه. اتصل بي أيضًا بعض كبار رجال الدين المسيحيين من الأردن والولايات المتحدة، محاولين إقناعي بالعودة إلى المسيحية.
كنت قبل ذلك أدخل إلى أي مناظرة وفي يدي الإنجيل، والقرآن في الجهة الأخرى على أنه "خصم" فكري أجادله. اليوم انعكست الصورة؛ صار القرآن هو كتابي الذي أدافع عنه وأستند إليه.
تعلمت من هذه الرحلة دروسًا عظيمة: تعلمت الصبر والتواضع، وصرت أتأمل في سيرة الرسول محمد ﷺ، وكيف أوذي من قومه وقوبل بالتكذيب والإهانة، وأدرك أن ما مررت به لا يكاد يُذكَر أمام ما تحمّله هو في سبيل دعوته.
قد أكون فقدت في أعين بعض الناس شرف اسم عائلتي، لكنني أشعر أنني نلت أعظم شرف من عند الله، وهو شرف الإسلام. منذ أن أسلمت، شعرت بسلام داخلي عميق لا يشبه أي شيء عرفته من قبل، رغم كل ما تعرّضت له من خسائر وآلام.
تغيّرت شخصيتي كثيرًا عمّا كنت عليه سابقًا، حتى إن زوجي لاحظ هذا التغيّر الكبير؛ تعلّمت أن أكون هادئة أمام من يسيء إليّ، وأن أبتسم في أحلك الظروف، ورغم أنني فقدت وظيفة بسبب حجابي، فإن الله عز وجل عوّضني بأضعاف ما خسرت، من راحة في القلب ووضوح في الطريق.
أرى اليوم أن الإسلام هو طريق السلام الداخلي الحقيقي، وأن هذا السلام لا يمكن أن يأتي من الناس أو من البيئة من حولنا، بل من صدق العلاقة مع الله ومحاولة رضاه وتسليم القلب له. إذا كانت العبادة خالصة لله وعلى طريقه، فسيكون القلب راضيًا مهما اضطربت الدنيا.
أنظر إلى وجوه الناس فأرى كثيرًا من الحزن والدموع؛ كثير منهم بعيد عن الله الخالق، مشغول بالدنيا، غارق في همومها، يرفض أن يشعل في قلبه شمعة الرجاء. كل ما أعرفه اليوم هو أن هدفي في الحياة أن أعبد الله، وأطلب رضاه، وأتبع سنة نبيه ﷺ، وأعمل لما بعد الموت، وأسأل الله أن يثبتني على الحق حتى ألقاه راضيًا عني.
Copyright © Ruba Qewar 2024. All rights reserved جميع الحقوق محفوظة © رُبَى قَعْوَار 2024م