ف1 ج5 / 7 دليل التنصير تربية المبشّر (المُنصّر)، ربى قعوار
antievangelism · 28 July, 2026
أساسيات التبشير في الكتاب المقدس
توضح المؤلفة أن الكنائس البروتستانتية تنطلق في نشاطها التبشيري من قناعة مفادها أن الكتاب المقدس يمثل المرجعية العليا والنهائية لجميع جوانب العمل الكنسي، بما في ذلك التبشير والإرساليات. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى التبشير بوصفه جزءًا أصيلًا من العبادة والخدمة المسيحية، وليس مجرد نشاط اختياري، الأمر الذي يفسر اهتمام هذه الكنائس بإعداد المبشرين وتأهيلهم علميًا وروحيًا ومهاريًا، بما يمكنهم من أداء رسالتهم وفقًا لما تراه تعاليم الكتاب المقدس. كما تحرص المؤسسات التبشيرية، بحسب ما تعرضه المؤلفة، على إعداد مبشرين يمتلكون الكفاءة اللازمة في التواصل مع مختلف الشعوب والثقافات، مع المحافظة على مضمون الرسالة الإنجيلية.
وفي هذا السياق، تشير المؤلفة إلى أن الفكر التبشيري البروتستانتي يسعى إلى تحقيق توازن بين أمرين متلازمين؛ أولهما المحافظة على نقاء العقيدة وعدم خلطها بالمعتقدات أو الممارسات الدينية الأخرى، وهو ما يُعرف في الأدبيات اللاهوتية بمفهوم التمييع الديني (Syncretism)، وثانيهما مراعاة الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للشعوب التي تُقدَّم إليها الرسالة، فيما يعرف بمفهوم السياقية (Contextualization). ووفقًا لهذا التصور، فإن تغيير أساليب التبشير ووسائله أمرٌ مقبول، ما دام مضمون الرسالة العقدية ثابتًا ومستندًا إلى الكتاب المقدس.
وتستشهد المؤلفة بما أورده اللاهوتي أندرياس كوستنبرغر (Andreas Köstenberger)، أستاذ الدراسات الكتابية في الكلية اللاهوتية المعمدانية الجنوبية الشرقية (Southeastern Baptist Theological Seminary – SEBTS)، الذي يؤكد أن رسالة الكنيسة واستراتيجياتها التبشيرية ينبغي أن تستند بصورة كاملة إلى سلطان الكتاب المقدس، وأن جميع الوسائل والبرامج التبشيرية يجب أن تُقاس بمدى توافقها مع النصوص الكتابية. ويرى كوستنبرغر أن المبشر مؤتمن على الرسالة الإنجيلية، وأن مسؤوليته الأساسية تتمثل في المحافظة على مضمونها، مع إبداء المرونة في اختيار الوسائل والأساليب المناسبة لإيصالها إلى مختلف البيئات والثقافات.
كما توضح المؤلفة أن الأدبيات التبشيرية تستند في هذا التصور إلى عدد من نصوص العهد الجديد التي تؤكد مسؤولية المؤمن في حفظ الوديعة الإنجيلية، وأمانته في أداء الرسالة، وتنظر إلى التبشير بوصفه تكليفًا إلهيًا ومسؤولية شخصية تقع على عاتق المؤمنين، الأمر الذي يجعل الالتزام بالتبشير جزءًا من الأمانة الدينية التي يُسأل عنها الإنسان أمام الله.
الخدمة التبشيرية وسيلة لبناء العلاقات
وتنتقل المؤلفة بعد ذلك إلى بيان مفهوم الخدمة التبشيرية (Servant Evangelism)، موضحة أن بعض المؤسسات التبشيرية تعتمد على تقديم الخدمات الإنسانية والاجتماعية بوصفها مدخلًا لبناء جسور التواصل مع المجتمع. وتشمل هذه الخدمات تقديم المساعدات الغذائية، والرعاية الصحية، والدعم الاجتماعي، وغيرها من صور العمل الإنساني التي تهدف إلى تكوين علاقة إيجابية مع الأفراد قبل عرض الرسالة التبشيرية عليهم.
وترى المؤلفة أن هذه الوسائل كانت أكثر تأثيرًا في بعض البيئات، ولا سيما عندما كانت الخدمات الاجتماعية محدودة، إذ كان تقديم المساعدة يفتح المجال أمام المبشر لإقامة علاقة مباشرة مع المستفيدين. إلا أنها تشير إلى أن ارتفاع مستوى المعيشة، وتوسع الخدمات الحكومية، وزيادة الوعي المجتمعي، قد أسهمت في تقليل فاعلية هذا الأسلوب في بعض الدول، مما دفع المؤسسات التبشيرية إلى التركيز بصورة أكبر على بناء العلاقات الشخصية، والانخراط في المجتمع المحلي، واستخدام وسائل أكثر ملاءمة للتواصل مع الفئات المستهدفة.
تربية المبشر وإعداده
تخصص المؤلفة جانبًا من هذا المبحث للحديث عن إعداد المبشر من الناحية الروحية، مستندة إلى قصة الشاب الغني الواردة في إنجيل مرقس، والتي ترى أنها تمثل نموذجًا لفهم طبيعة الدعوة المسيحية إلى التلمذة والخدمة.
وتوضح المؤلفة أن الفكر البروتستانتي ينظر إلى التبشير بوصفه امتدادًا لمسيرة التلمذة، وأن الانخراط في هذا العمل يتطلب استعدادًا للتضحية، والتخلي عن المصالح الشخصية متى تعارضت مع متطلبات الخدمة الدينية. كما يُنظر إلى هذه التضحية باعتبارها علامة على صدق الإيمان، ودليلًا على أولوية الرسالة الدينية في حياة المبشر.
وتشير المؤلفة إلى أن عملية إعداد المبشر لا تقتصر على اكتساب المعرفة اللاهوتية، وإنما تشمل أيضًا بناء الشخصية الروحية، وتعميق الالتزام الديني، وتنمية القدرة على احتمال المشاق والصعوبات التي قد تواجهه أثناء أداء مهمته، وهو ما يجعل التلمذة والتبشير مرحلتين متكاملتين في التصور البروتستانتي.
الأساس الكتابي للتبشير
وتوضح المؤلفة أن علماء اللاهوت البروتستانت يرون أن فكرة التبشير تمتد عبر الكتاب المقدس كله، ولا تقتصر على العهد الجديد وحده. فوفقًا لهذا التصور، يُنظر إلى وعد الله بالخلاص بعد سقوط الإنسان باعتباره البداية الأولى لما يُعرف في اللاهوت المسيحي باسم «البشارة الأولى» (Protoevangelion)، والتي تُعد، في اعتقادهم، أول إعلان إلهي عن مشروع الخلاص.
كما ترى المؤلفة أن هذا الفهم يجعل التبشير جزءًا من الخطة الإلهية الممتدة عبر التاريخ، إذ لا يقتصر اهتمام الله – بحسب الرؤية اللاهوتية البروتستانتية – على شعب معين، وإنما يشمل جميع الأمم والشعوب، وهو ما يفسر الاهتمام الكبير بالإرساليات العالمية، والسعي إلى نشر الرسالة المسيحية في مختلف أنحاء العالم.
المأمورية العظمى ودورها في الفكر التبشيري
وتشير المؤلفة إلى أن الأدبيات البروتستانتية تنظر إلى ما يُعرف بـ «المأمورية العظمى» (The Great Commission) بوصفها الأساس الرئيس للعمل التبشيري، حيث تُفسَّر أوامر المسيح لتلاميذه بالذهاب إلى الأمم وتعليمها على أنها تكليف دائم للكنيسة بمواصلة نشر الإنجيل بين جميع الشعوب.
وترى المؤلفة أن هذا الفهم يرتبط أيضًا بالنمو الروحي للمؤمن؛ إذ يُعتقد أن ازدياد محبة المسيح في قلب الإنسان يقوده إلى الرغبة في مشاركة الآخرين بما يؤمن أنه رسالة الخلاص، ومن ثم يصبح التبشير تعبيرًا عن المحبة والطاعة لله في آن واحد.
تنوع الأدوار في العمل التبشيري
وتختتم المؤلفة هذا المبحث بالإشارة إلى أن الفكر البروتستانتي لا يرى أن جميع المؤمنين مطالبون بالقيام بالمهمة التبشيرية الميدانية نفسها، وإنما يميز بين أدوار متعددة داخل الكنيسة. فهناك من يُرسَل إلى ميادين التبشير، وهناك من يتولى الدعم المالي، أو الصلاة، أو الإعداد، أو متابعة الكنائس المحلية، أو رعاية المبشرين. ووفقًا لهذا التصور، فإن نجاح الإرساليات يعتمد على تكامل هذه الأدوار، بحيث يؤدي كل فرد المهمة التي يعتقد أن الله قد دعاه إليها، مع اشتراك الجميع في تحقيق الرسالة الكنسية العامة.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة