ف2 ج11 / 30 دليل التنصير تناقضات في روايات الكتاب المقدس, ربى قعوار
antievangelism · 29 July, 2026
التناقضات بين الروايات
يُعدّ وجود الاختلافات بين الروايات المتوازية في الأناجيل من أكثر الموضوعات التي تناولها علماء النقد الكتابي بالدراسة. فالأناجيل الأربعة تروي العديد من الأحداث نفسها، إلا أنها تختلف أحيانًا في ترتيب الوقائع أو في بعض التفاصيل الزمنية والتاريخية. وقد حاول المفسرون المسيحيون عبر القرون تقديم تفسيرات للتوفيق بين هذه الروايات، بينما يرى عدد من الباحثين في النقد التاريخي أن بعض هذه الاختلافات يصعب التوفيق بينها، وأنها تعكس اعتماد كل إنجيل على تقاليد مستقلة أو على أهداف لاهوتية خاصة بكاتبه.
ومن أبرز الأمثلة التي يوردها الباحثون اختلاف الروايات المتعلقة بالأيام الأخيرة من حياة يسوع، ولا سيما توقيت العشاء الأخير والصلب بالنسبة إلى عيد الفصح اليهودي.
ففي إنجيل مرقس (14:12) يرد النص:
«وفي اليوم الأول من الفطير، حين كانوا يذبحون الفصح، قال له تلاميذه: أين تريد أن نمضي ونعدّ لتأكل الفصح؟»
يفهم من هذا النص أن يسوع اجتمع مع تلاميذه لتناول وجبة الفصح في الليلة نفسها التي سبقت القبض عليه. وبعد انتهاء العشاء خرج إلى بستان جثسيماني، حيث أُلقي القبض عليه، ثم حوكم خلال الليل، وفي صباح اليوم التالي صُلِب. ووفقًا للتسلسل الزمني الذي يقدمه مرقس، فإن الصلب وقع بعد الاحتفال بعشاء الفصح.
أما إنجيل يوحنا فيقدم ترتيبًا مختلفًا. ففيه لا يظهر أن العشاء الأخير كان وجبة الفصح نفسها، بل يشير إلى أن محاكمة يسوع أمام بيلاطس جرت في «يوم الاستعداد للفصح»، كما جاء في يوحنا (19:14):
«وكان استعداد الفصح، ونحو الساعة السادسة...»
ويفهم كثير من الباحثين من هذا النص أن يسوع حوكم وصُلِب قبل أن يبدأ الاحتفال بعيد الفصح، أي في الوقت الذي كان فيه اليهود يستعدون لذبح حملان الفصح. وبهذا يصبح توقيت الصلب في إنجيل يوحنا سابقًا لوجبة الفصح، بخلاف ما يبدو في إنجيل مرقس، حيث تناول يسوع الفصح مع تلاميذه أولًا ثم صُلِب في اليوم التالي.
ويرى عدد من علماء النقد أن هذا الاختلاف لا يقتصر على تحديد اليوم، بل يمتد أيضًا إلى التسلسل الزمني للأحداث. ففي مرقس يبدأ الاحتفال بالفصح أولًا، ثم تأتي المحاكمة والصلب، بينما في يوحنا يبدو أن الصلب نفسه يتزامن مع وقت ذبح حملان الفصح في الهيكل، وهو ما يراه بعض الباحثين مقصودًا من الناحية اللاهوتية، إذ يصور يوحنا يسوع بوصفه "حمل الله" الذي يُذبح في الوقت نفسه الذي تُذبح فيه حملان الفصح.
ولهذا يرى بعض الدارسين أن كل إنجيل قدّم التسلسل الزمني بما يخدم الرسالة اللاهوتية التي أراد إيصالها، في حين يرى آخرون أن هذه الروايات يمكن التوفيق بينها من خلال تفسيرات تتعلق باختلاف طرق حساب بداية اليوم أو اختلاف التقويمات اليهودية في ذلك العصر. ولا يزال هذا الموضوع من القضايا التي يدور حولها نقاش واسع في الدراسات الكتابية.
ولا تقتصر الاختلافات - بحسب الباحثين - على الأناجيل، بل تمتد أيضًا إلى بعض رسائل بولس. فقد لاحظ عدد من علماء النقد وجود فروق لاهوتية ولغوية بين الرسائل التي تُعد أصيلة لبولس وتلك التي يُعتقد أنها كُتبت لاحقًا باسمه، ولا سيما الرسائل الرعوية، وهو ما دفعهم إلى إعادة النظر في نسبة بعض الرسائل إليه، استنادًا إلى تحليل الأسلوب والمفردات والسياق التاريخي.
وبوجه عام، يرى الباحثون في النقد الكتابي أن نصوص الكتاب المقدس مرت بتاريخ طويل من التداول والنسخ والتحرير، الأمر الذي أدى - في نظرهم - إلى ظهور اختلافات نصية وروايات متعددة وتفسيرات متباينة. ومن ثم يذهب بعضهم إلى أن فهم النصوص الدينية ينبغي أن يكون في ضوء سياقها التاريخي والثقافي واللغوي، لا بمعزل عن الظروف التي نشأت فيها.
أما من الناحية العقدية، فإن الكنائس المسيحية تختلف في تقييم أثر هذه الاختلافات. فبينما يرى بعض الباحثين أنها تؤثر في فهم بعض الوقائع التاريخية، تؤكد معظم الكنائس أن هذه الاختلافات لا تمس جوهر العقيدة المسيحية ولا الرسالة الأساسية للكتاب المقدس، وأنها قابلة للتفسير في إطار وحدة الشهادة الإنجيلية.
رؤية الكاتب
وانطلاقًا من هذه المعطيات، أرى أن دراسة النقد الأعلى والنقد النصي تمثل جانبًا مهمًا من الدراسات اللاهوتية المعاصرة، لأنها تكشف تاريخ النصوص ومراحل تدوينها، وتعرض مختلف الآراء العلمية المتعلقة بها. ومن اللافت أن هذه المادة تُدرَّس في كثير من كليات اللاهوت التي تُخرّج القساوسة والوعاظ والمبشرين، ومع ذلك نادرًا ما تُطرح موضوعاتها بالتفصيل في الوعظ والتعليم الكنسي الموجَّه لعامة المؤمنين.
وقد تختلف أسباب ذلك؛ فربما يرى بعض رجال الدين أن هذه الدراسات أكاديمية متخصصة لا تناسب عامة الناس، أو أن التركيز في الكنيسة ينبغي أن ينصب على الحياة الروحية والإيمان والرعاية أكثر من القضايا النقدية المعقدة. بينما يرى آخرون أن من حق المؤمن الاطلاع على مختلف الآراء المتعلقة بتاريخ النصوص، وأن عرض هذه الموضوعات بشفافية يعزز الثقة ولا يضعفها، لأن البحث العلمي لا ينبغي أن يُحجب عن الدارسين والمهتمين.
ومن وجهة نظري، فإن الأمانة العلمية تقتضي عرض هذه القضايا كما يناقشها المختصون، مع بيان اختلاف المواقف بشأنها، وترك المجال للقارئ ليطّلع على الأدلة ويكوّن قناعته بنفسه. فالحقيقة لا تخشى البحث، والنقاش العلمي الرصين يظل وسيلة لفهم النصوص الدينية وتاريخها بصورة أعمق.
وفي السياق الإسلامي، يستشهد بعض الباحثين بقول الله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187].
وكذلك قوله سبحانه:
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79].
ويستشهد بها من يرى أن النصوص الدينية السابقة تعرضت لتدخلات بشرية، في حين يفسرها كثير من علماء المسيحية واليهودية في سياقات مختلفة، مما يجعل فهم هذه الآيات أيضًا محل نقاش بين المدارس الدينية المختلفة.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة