+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف2 ج13 / 30 كتاب دليل التنصير الله الإبن والمسيح, رُبى قعوار

antievangelism · 29 July, 2026

 

 

ثالثًا: الابن

 

تُعد عقيدة بنوة المسيح لله من أكثر القضايا اللاهوتية إثارة للنقاش بين المسلمين والمسيحيين، بل ومن أكثر الموضوعات تعقيدًا داخل اللاهوت المسيحي نفسه. فالمسيحية التقليدية تؤمن بأن يسوع المسيح هو ابن الله، وأنه في الوقت ذاته الأقنوم الثاني في الثالوث، أي أنه إله كامل وإنسان كامل. أما كيفية اجتماع هاتين الطبيعتين، وعلاقة الابن بالآب، فتُعد من المسائل التي تصفها الكنائس بأنها من أسرار الإيمان التي لا يمكن للعقل البشري الإحاطة بها بصورة كاملة.

 

ولهذا كثيرًا ما تنتهي المناقشات اللاهوتية حول الثالوث إلى القول إن الله فوق إدراك العقل الإنساني، وإن فهم هذا السر يحتاج إلى الإيمان وإلى معونة الروح القدس، أكثر من اعتماده على البرهان العقلي المجرد.

 

مصطلح الثالوث في الكتاب المقدس

 

ومن القضايا التي يثيرها علماء النقد، أن مصطلحات مثل «الثالوث»، و**«الأقنوم»، و«الأقانيم»** لا ترد بصيغتها اللفظية في أسفار الكتاب المقدس، سواء في العهد القديم أو العهد الجديد. ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذه المصطلحات ظهرت لاحقًا في إطار الصياغة اللاهوتية التي طورتها الكنيسة خلال القرون الأولى للمسيحية، ولا سيما بعد المجامع المسكونية.

 

في المقابل، تؤكد الكنائس التقليدية أن عدم ورود لفظ «الثالوث» لا يعني غياب العقيدة نفسها، وإنما ترى أن مفهوم الثالوث يُستنبط من مجموع النصوص الكتابية، حتى وإن لم يرد المصطلح بصيغته الاصطلاحية.

 

هل قال يسوع: "أنا الله"؟

 

ومن النقاط التي يركز عليها الباحثون في الحوار الإسلامي المسيحي أن يسوع - بحسب نصوص الأناجيل - يصف نفسه مرارًا بأنه ابن الله، لكنه لا يرد عنه نص صريح يقول فيه: «أنا الله» أو «أنا الله الابن» بهذه العبارة.

 

ومن هنا يميز أصحاب هذا الاتجاه بين تعبير «ابن الله» الوارد في الكتاب المقدس، وبين التعبير اللاهوتي «الله الابن» الذي أصبح جزءًا من صياغة العقيدة المسيحية لاحقًا. ويرون أن هذين التعبيرين ليسا بالضرورة مترادفين، وأن فهم معنى "ابن الله" ينبغي أن يكون في ضوء استعماله في البيئة اليهودية التي ظهر فيها يسوع.

 

معنى "ابن الله" في الكتاب المقدس

 

عند تتبع استعمال هذا اللقب في العهدين القديم والجديد، يتبين أنه أُطلق على عدد من الأشخاص والجماعات، ولم يكن مقصورًا على المسيح وحده.

 

ففي إنجيل لوقا يُسمى آدم:

«ابن الله» (لوقا 3:38).

وفي سفر التكوين يرد تعبير:

«أبناء الله» (التكوين 6:2)،

وقد اختلف المفسرون في المقصود به، فمنهم من قال إنهم أبناء شيث، ومنهم من قال إنهم الملائكة، ومنهم من قدم تفسيرات أخرى.

 

كما يرد في المزمور الثاني خطاب موجه إلى الملك داود أو إلى الملك الممسوح بصورة عامة:

«أنت ابني، أنا اليوم ولدتك.» (المزمور 2:7).

وفي الوعد الذي أعطاه الله لداود بشأن ابنه سليمان جاء:

«أنا أكون له أبًا وهو يكون لي ابنًا.» (أخبار الأيام الأول 17:13).

كما يصف الكتاب المقدس الملائكة بأنهم أبناء الله:

«وهم أبناء الله.» (لوقا 20:36).

ويصف شعب إسرائيل كله بأنه أبناء الله:

«يقال لهم: أبناء الله الحي.» (هوشع 1:10).

ولذلك فإن لقب «ابن الله» في الفكر الكتابي لا يقتصر على شخص واحد، بل يُستخدم في سياقات متعددة للدلالة على القرب من الله، أو الاصطفاء، أو العهد، أو الطاعة.

 

يسوع بوصفه ابن الله

 

يطلق العهد الجديد هذا اللقب أيضًا على يسوع، ومن ذلك قول بولس:

«عن ابنه... الذي صار من نسل داود من جهة الجسد، وتعين ابن الله بقوة... بقيامته من الأموات.» (رومية 1:3-4).

ويلاحظ بعض الباحثين أن النص يربط إعلان يسوع ابنًا لله بقيامته، بينما ترى الكنائس أن هذا الإعلان يكشف عن حقيقة أزلية، لا أنه بداية لبنوته.

 

كما أن يسوع نفسه يضع المؤمنين معه في إطار العلاقة نفسها مع الله عندما يقول لمريم المجدلية:

«إني أصعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم.» (يوحنا 20:17).

ويطلق بولس على المؤمنين أيضًا لقب «أبناء الله»:

«لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله.» (رومية 8:14).

ويقول يسوع في الموعظة على الجبل:

«طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون.» (متى 5:9).

وتدل هذه النصوص على أن لقب «أبناء الله» أُطلق في العهد الجديد على جماعة المؤمنين أيضًا، وليس على المسيح وحده.

 

معنى البنوة

 

وانطلاقًا من هذه النصوص، يرى عدد من الباحثين أن البنوة في الاستعمال الكتابي تُفهم غالبًا على أنها بنوة مجازية أو روحية، تعبر عن القرب من الله، والطاعة، والاصطفاء، والعلاقة الخاصة به، لا عن الولادة أو المشاركة في الذات الإلهية.

 

أما اللاهوت المسيحي التقليدي، فيميز بين بنوة المسيح وبين بنوة المؤمنين. فالمؤمنون - بحسب العقيدة المسيحية - أبناء لله بالتبني والنعمة، بينما المسيح هو الابن الوحيد أو الابن بالطبيعة، وهي بنوة أزلية تختلف عن بنوة سائر البشر. ولذلك لا ترى الكنيسة أن إطلاق لقب "أبناء الله" على المؤمنين يجعلهم شركاء في الألوهية.

 

معنى "المسيح"

 

وقد يقال إن يسوع يتميز عن غيره بأنه المسيح. غير أن كلمة «المسيح» (بالعبرية: ماشيح) تعني في أصلها الممسوح أو المختار، وكانت تطلق في العهد القديم على أشخاص اختارهم الله لمهام معينة.

 

فقد سُمّي شاول:

«مسيح الرب.» (صموئيل الأول 12:3).

وسُمّي داود:

«مسيحه لداود.» (صموئيل الثاني 22:51).

بل إن كورش ملك فارس، وهو ملك غير إسرائيلي، وصفه سفر أشعياء بقوله:

«هكذا يقول الرب لمسيحه، لكورش.» (أشعياء 45:1).

وأخيرًا يرد اللقب في بداية إنجيل مرقس:

«بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله.» (مرقس 1:1).

ومن ثم فإن لقب «المسيح» في أصله اللغوي يدل على الاصطفاء والتكريس لمهمة معينة، بينما ترى الكنيسة أن يسوع هو المسيح المنتظر الذي تحققت فيه النبوات، ولذلك يحمل هذا اللقب بمعناه الكامل والفريد.

 

رؤية الكاتب

 

وانطلاقًا من النصوص السابقة، أرى أن استعمال لقب «ابن الله» في الكتاب المقدس لا يقتضي بالضرورة الألوهية، لأن اللقب استُخدم في مواضع متعددة للدلالة على الاصطفاء أو القرب من الله أو القيام بمشيئته، كما استُخدم في حق أنبياء وملوك وملائكة وشعب إسرائيل والمؤمنين عمومًا.

ومن هذا المنطلق، فإنني أفهم وصف يسوع بأنه ابن الله في إطار هذا الاستعمال الكتابي، أي بوصفه نبيًا ورسولًا ومسيحًا مختارًا من الله، لا بمعنى أنه هو الله ذاته أو شريك له في الألوهية. كما أنني لا أجد في الأناجيل تصريحًا مباشرًا يقول فيه يسوع: «أنا الله فاعبدوني»، وإنما تستند عقيدة ألوهيته - في نظر الكنائس - إلى مجموعة من النصوص التي تُفسَّر تفسيرًا لاهوتيًا خاصًا.

 

وقد يستشهد المدافعون عن عقيدة ألوهية المسيح بعبارات مثل: «أنا والآب واحد» (يوحنا 10:30)، أو غيرها من النصوص التي يرون أنها تدل على مساواته للآب. ونظرًا لأهمية هذه النصوص في الحوار الإسلامي المسيحي، فسيأتي تناولها بالتفصيل في المباحث التالية، مع عرض أبرز التفسيرات المسيحية لها، ثم مناقشتها في ضوء السياق اللغوي والتاريخي والنصي.