+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف2 ج15 / 30 دليل التنصير هل المسيح كائن منذ الأزل؟, رُبى قعوار

antievangelism · 29 July, 2026

 

 

كينونة المسيح الأزلية

 

من النصوص التي يستدل بها اللاهوت المسيحي على أزلية المسيح ما ورد في إنجيل يوحنا، إذ يقول يسوع مخاطبًا اليهود:

«الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن.» (يوحنا 8:58).

 

ويرى اللاهوت المسيحي أن هذه العبارة تشير إلى وجود المسيح قبل إبراهيم، بل ويذهب كثير من المفسرين إلى أن استعمال عبارة «أنا كائن» (Ego eimi) يمثل إشارة إلى الاسم الإلهي الذي أُعلن لموسى في سفر الخروج: «أهيه الذي أهيه»، ومن ثم يعدّونها دليلًا على أزلية المسيح وألوهيته.

 

كما يستشهد بعض المدافعين عن هذا الفهم بما جاء في سفر الأمثال، الإصحاح الثامن، حيث تتحدث الحكمة بقولها:

«الرب قناني أول طريقه، من قبل أعماله منذ القدم... منذ الأزل مُسحت... لما ثبت السماوات كنت هناك... كنت عنده صانعًا.» (أمثال 8:22-30).

 

ويرى عدد من آباء الكنيسة أن "الحكمة" المذكورة في هذا الإصحاح ترمز إلى المسيح، استنادًا إلى ما ورد في بعض نصوص العهد الجديد التي تصفه بأنه «حكمة الله» (انظر: 1 كورنثوس 1:24). ولذلك اعتبروا هذا النص شاهدًا على وجود الابن مع الآب قبل خلق العالم.

قراءة نقدية للنص

 

أما من منظور آخر، فإن هذا الاستدلال ليس محل اتفاق بين جميع الباحثين. فالسياق الأدبي للإصحاح الثامن من سفر الأمثال يظهر أن الكاتب يستخدم أسلوب التشخيص الأدبي (Personification)، حيث تُصوَّر الحكمة كشخص يتكلم، كما تُصوَّر صفات أخرى في سفر الأمثال، مثل الجهالة والبر، وكأنها أشخاص يخاطبون الناس.

 

ويؤكد هذا السياق ما جاء في بداية الخطاب:

«أنا الحكمة أسكن الذكاء، وأجد معرفة التدابير.» (أمثال 8:12).

 

ومن هنا يرى كثير من الباحثين أن المتكلم في الإصحاح ليس النبي سليمان بوصفه شخصًا، ولا المسيح بصورة مباشرة، وإنما الحكمة الإلهية وقد صُوِّرت بأسلوب بلاغي لتعليم الناس قيمة الحكمة في تدبير الخلق والحياة.

 

وبناءً على ذلك، فإن نسبة هذا النص إلى المسيح ليست نتيجة مباشرة للنص نفسه، بل هي تفسير لاهوتي تبنته الكنيسة لاحقًا، بينما يرى آخرون أن الإصحاح يتحدث عن الحكمة بوصفها صفة من صفات الله، أو عن حكمته التي بها أدار عملية الخلق.

 

تفسير قول المسيح: «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن»

 

أما قول يسوع:

«قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن.»

 

فهو أيضًا من أكثر النصوص التي دارت حولها مناقشات واسعة.

 

فالكنائس التقليدية ترى أن هذه العبارة لا تدل فقط على سبق المسيح لإبراهيم زمنيًا، بل على وجوده الأزلي قبل الخليقة، وأنها إعلان صريح عن طبيعته الإلهية.

 

أما من منظور إسلامي، فإن هذه العبارة لا تُعد دليلًا قاطعًا على الألوهية، إذ يمكن فهمها بأكثر من وجه. فقد يكون المقصود سبقًا في العلم الإلهي أو في التقدير السابق، أو الإشارة إلى الرسالة التي اصطفاه الله لها قبل مجيئه إلى العالم، أو إلى المنزلة التي كتبها الله له منذ القدم.

 

وقد ذهب بعض الباحثين إلى احتمالات أخرى، مثل أن يسوع يشير إلى مكانته في خطة الله منذ بداية التاريخ، أو إلى نور النبوة الذي سبق ظهوره التاريخي، دون أن يستلزم ذلك القول بأزليته الذاتية أو مساواته لله في الجوهر.

 

ومهما يكن من أمر، فإن هذه التفسيرات تبقى اجتهادات تفسيرية، ولا يوجد في النص نفسه تصريح مباشر يوضح المقصود من عبارة «أنا كائن» بصورة تمنع جميع الاحتمالات الأخرى.

 

الحكمة في الكتاب المقدس

 

كما يلاحظ أن الكتاب المقدس لا يذكر صراحة أن اسم المسيح هو "الحكمة"، وإن كان العهد الجديد يصفه في بعض المواضع بأنه «حكمة الله» أو أن فيه تتجلى حكمة الله. ولذلك يبقى الربط بين حكمة سفر الأمثال وبين شخص المسيح تفسيرًا لاهوتيًا، وليس نصًا صريحًا في ذاته.

 

رؤية الكاتب

 

ومن وجهة نظري، فإن النصوص التي يُستدل بها على أزلية المسيح لا تخلو من احتمالات تفسيرية متعددة، ولا يكفي مجرد وجود تعبيرات عن سبق الوجود أو عن الحكمة الإلهية لإثبات أن المسيح هو الله الأزلي. فعبارة «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» يمكن فهمها في أكثر من سياق، كما أن حديث سفر الأمثال عن الحكمة يبدو - في سياقه الأدبي - حديثًا عن حكمة الله التي بها خلق الكون ودبّر شؤونه، لا عن شخص المسيح نفسه.