ف2 ج16 / 30 دليل التنصير هل المسيح إله أم إنسان؟, ربى قعوار
antievangelism · 29 July, 2026
المسيح: إله أم إنسان؟
تُعد مسألة طبيعة المسيح من أهم القضايا التي اختلف فيها المسلمون والمسيحيون. فالكنائس المسيحية التقليدية تؤمن بأن يسوع المسيح هو إله كامل وإنسان كامل، وأنه يجمع بين الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص واحد. أما الإسلام، فيؤمن بأن عيسى بن مريم عليه السلام نبي كريم ورسول من أولي العزم، وأنه بشر اصطفاه الله وأيّده بالمعجزات، دون أن يشاركه في شيء من خصائص الألوهية.
ومن هذا المنطلق، يستند الباحثون المسلمون إلى عدد من النصوص الكتابية التي يرون أنها تؤكد بشرية المسيح، وأنه لم يقدّم نفسه بوصفه الإله المستحق للعبادة.
أولًا: تصريح المسيح ببشريته
من النصوص التي يُستدل بها على بشرية المسيح ما جاء في إنجيل يوحنا، حيث يقول مخاطبًا اليهود:
«ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني، وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله... لأني لم آتِ من نفسي، بل ذاك أرسلني.» (يوحنا 8:40-42).
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن هذا النص يشتمل على عدة أوصاف تؤكد الطبيعة البشرية للمسيح؛ فهو يصف نفسه بأنه إنسان، ويبين أن ما يقوله قد سمعه من الله، كما يعلن أنه مرسل من الله، وهي أوصاف تتفق مع مقام النبوة والرسالة.
أما اللاهوت المسيحي فيرى أن هذه العبارات تتحدث عن ناسوت المسيح وتجسده، ولا تنفي في الوقت نفسه لاهوته، إذ تؤمن الكنيسة بأن المسيح تكلم وعمل بصفته الإنسان المتجسد، مع احتفاظه بطبيعته الإلهية.
ثانيًا: لمن وجّه المسيح العبادة؟
ومن النصوص التي يستشهد بها الباحثون أيضًا ما ورد في إنجيل مرقس عندما سُئل يسوع عن أعظم الوصايا، فأجاب:
«إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك...» (مرقس 12:29-30).
ويلاحظ أن المسيح هنا يقتبس مباشرة من سفر التثنية (6:4)، مؤكدًا وحدانية الله ووجوب عبادته، دون أن يوجّه الناس إلى عبادة نفسه.
كما علّم تلاميذه أن يصلوا قائلين:
«أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك.» (متى 6:9).
ويرى أصحاب هذا الرأي أن يسوع وجّه المؤمنين إلى الصلاة لله الآب، ولم يطلب منهم أن يوجّهوا الصلاة إليه شخصيًا.
في المقابل، ترى الكنائس المسيحية أن يسوع، وإن علّم الصلاة للآب، فقد قبل أيضًا العبادة والدعاء في مواضع أخرى من العهد الجديد، وتفهم هذه النصوص في إطار الإيمان بوحدانية الله والثالوث معًا.
ثالثًا: «ابن الله» و«الله الابن»
وقد سبق أن بُيّن أن العهد الجديد يطلق على يسوع لقب «ابن الله»، وهو لقب استُخدم أيضًا في مواضع أخرى للدلالة على الاصطفاء أو العلاقة الخاصة بالله.
ويرى بعض الباحثين أن هناك فرقًا بين التعبير الكتابي «ابن الله» وبين التعبير اللاهوتي «الله الابن»، إذ إن الأخير لا يرد بهذه الصيغة في النصوص الأصلية للكتاب المقدس، بل هو تعبير عقائدي ظهر في الصياغات اللاهوتية اللاحقة لوصف الأقنوم الثاني في الثالوث.
كما يلاحظون أن لفظ «الثالوث» نفسه لا يرد في أسفار الكتاب المقدس، وإنما استُخدم لاحقًا للتعبير عن العقيدة التي استقر عليها اللاهوت المسيحي.
ويستشهد بعض الباحثين بما عُرف في النقد النصي بـ الفاصلة اليوحناوية (1 يوحنا 5:7)، وهي العبارة التي تنص على شهادة الآب والكلمة والروح القدس ووحدتهم. وقد توصلت غالبية علماء النقد النصي إلى أن هذه العبارة لا توجد في أقدم المخطوطات اليونانية، وأنها أُضيفت إلى بعض المخطوطات اللاتينية في مرحلة متأخرة، ولذلك حُذفت أو وُضعت بين أقواس في كثير من الترجمات النقدية الحديثة. ومع ذلك، تؤكد الكنائس التقليدية أن عقيدة الثالوث لا تعتمد على هذا النص وحده، وإنما على مجموع نصوص العهد الجديد.
رابعًا: اعتراف الناس بالمسيح
وتشير الأناجيل إلى أن كثيرًا ممن شاهدوا معجزات يسوع أعلنوا إيمانهم به بوصفه ابن الله. ومن ذلك ما جاء في إنجيل متى:
«والذين في السفينة جاءوا وسجدوا له قائلين: بالحقيقة أنت ابن الله.» (متى 14:33).
ويرى أصحاب الاتجاه الإسلامي أن هذا الاعتراف لا يدل بالضرورة على الإيمان بألوهية المسيح، لأن لقب «ابن الله» كان معروفًا في البيئة اليهودية بوصفه لقبًا للتشريف أو الاصطفاء، وقد استُخدم في الكتاب المقدس لعدد من الأنبياء والملوك والمؤمنين.
أما الكنائس المسيحية فترى أن هذا اللقب، عندما يُنسب إلى المسيح في سياق الأناجيل، يحمل معنى فريدًا يختلف عن استعماله في حق غيره، ويشير إلى بنوته الخاصة والأزلية للآب.
خامسًا: معنى السجود للمسيح
ويستشهد بعض الباحثين أيضًا بوجود أشخاص سجدوا للمسيح في الأناجيل، ثم يلاحظون أن السجود في اللغة الكتابية لا يقتصر دائمًا على العبادة، بل قد يُستخدم أيضًا للتعبير عن الاحترام أو الخضوع أو التكريم.
ففي العهد القديم سجد إخوة يوسف له تحقيقًا للرؤيا، ولم يكن ذلك عبادة له (التكوين 42:6)، كما يذكر سفر أستير صورًا من السجود أو الانحناء أمام الملوك وكبار القوم بوصفها علامة احترام وخضوع، لا عبادة دينية.
ومن هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا الاتجاه أن السجود للمسيح في بعض المواضع لا يكفي وحده لإثبات ألوهيته، بل ينبغي تفسيره في ضوء الاستعمال اللغوي والسياق التاريخي.
أما التفسير المسيحي فيرى أن بعض مواضع السجود للمسيح، ولا سيما بعد القيامة، تتجاوز مجرد الاحترام، وتمثل اعترافًا بمكانته الإلهية، وهو ما يجعل هذه النصوص محل اختلاف في الفهم بين المدرستين.
رؤية الكاتب
ومن وجهة نظري، فإن النصوص التي تصف المسيح بأنه إنسان، ورسول مرسل من الله، والتي تُظهر أنه يوجّه العبادة إلى الله ويعلّم الناس الصلاة له، تُعد أقرب إلى فهم المسيح بوصفه نبيًا ورسولًا من عند الله، لا بوصفه الإله المتجسد. كما أن استعمال لقب «ابن الله» في الكتاب المقدس في حق أشخاص آخرين، واستعمال السجود بمعنى التكريم في مواضع متعددة، يجعل الاستدلال بهذه النصوص على ألوهية المسيح غير حاسم من وجهة نظري.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة