+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف2 ج20 / 30 دليل التنصير هل الروح القدس الله, ربى قعوار

antievangelism · 29 July, 2026

 

 

رابعًا: الروح القدس

 

تُعد شخصية الروح القدس من أكثر موضوعات اللاهوت المسيحي تعقيدًا، إذ تؤمن الكنائس التقليدية بأنه الأقنوم الثالث في الثالوث، مساوٍ للآب والابن في الجوهر الإلهي، وإن كان متميزًا عنهما في الأقنومية. أما في الإسلام، فلا توجد عقيدة الثالوث، ويُفهم تعبير «روح الله» أو «روح القدس» في سياقات متعددة، منها الوحي، أو المَلَك جبريل عليه السلام، أو التأييد الإلهي الذي يمنحه الله لأنبيائه وعباده الصالحين.

 

الله روح

 

قد يُستدل على ألوهية الروح القدس بما جاء في قول المسيح للمرأة السامرية:

«الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا.» (يوحنا 4:24).

 

ويرى اللاهوت المسيحي أن هذا النص يبين طبيعة الله غير المادية، وأن العبادة الحقيقية ليست مجرد ممارسة خارجية، بل هي عبادة نابعة من القلب والروح.

 

أما من منظور إسلامي، فإن هذا النص لا يدل بالضرورة على أن "الروح" أقنوم مستقل، وإنما يؤكد أن الله ليس جسمًا ماديًا يُعبد بالطقوس الشكلية وحدها، بل يجب أن تكون العبادة قائمة على الإخلاص والصدق والخشوع. كما ينسجم ذلك مع ما يقرره الكتاب المقدس نفسه من أن الله لا يُرى بالعين المجردة، كما جاء في إنجيل يوحنا:

«الله لم يره أحد قط.» (يوحنا 1:18).

وبذلك يفهم بعض الباحثين أن المقصود بقول المسيح «الله روح» هو بيان تنزيه الله عن الطبيعة المادية، لا تعريف أقنوم من الأقانيم.

 

المعزّي أو روح الحق

 

من أهم النصوص التي يدور حولها النقاش ما ورد في خطاب المسيح لتلاميذه في إنجيل يوحنا:

«لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم... وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم.» (يوحنا 16:7-14).

 

كما جاء في سفر أعمال الرسل:

«لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا...» (أعمال الرسل 1:8).

 

التفسير المسيحي

 

ترى الكنائس المسيحية أن المقصود بالمعزي أو روح الحق هو الروح القدس، الذي حل على التلاميذ بعد صعود المسيح في يوم الخمسين، كما يروي سفر أعمال الرسل. ويُفهم قوله: «لا يتكلم من نفسه» على أنه تعبير عن وحدة الإرادة والعمل بين أقانيم الثالوث، لا عن النقص أو التبعية، لأن الآب والابن والروح القدس يعملون في انسجام كامل.

 

كما ترى الكنيسة أن وعد المسيح بحلول الروح القدس تحقق بالفعل في حياة الرسل، إذ منحهم القوة على التبشير، وثبتهم في مواجهة الاضطهاد، وقاد الكنيسة في رسالتها.

 

قراءة نقدية للنص

 

أما من جهة أخرى، فيلاحظ بعض الباحثين أن النص يصف روح الحق بصفات منها:

  •  
  • أنه مرسل من عند الآب.

  •  
  • أنه يرشد الناس إلى الحق.

  •  
  • أنه لا يتكلم من نفسه.

  •  
  • أنه يخبر بما يسمعه.

  •  
  • وأنه يمجد المسيح.

 

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن هذه الصفات أقرب إلى صفات رسول يبلغ رسالة من عند الله، أو مَلَك يوصل الوحي، منها إلى وصف شخص إلهي مستقل.

 

كما يشيرون إلى أن عبارة:

«لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به.»

 

تدل - في نظرهم - على أن هذا المرسل يبلغ ما أوحي إليه، ولا يستقل بالقول، وهو ما يرونه منسجمًا مع وصف الأنبياء في الكتاب المقدس والقرآن.

 

الروح في الكتاب المقدس والقرآن

 

ويستعمل الكتاب المقدس تعبير «روح الله» في مواضع متعددة للدلالة على القوة الإلهية أو التأييد الذي يمنحه الله لأنبيائه وعباده، كما يرد أحيانًا للدلالة على الوحي أو الإلهام.

 

وفي القرآن الكريم ترد تعبيرات مشابهة، منها قوله تعالى:

﴿أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: 22].

 

ويفسر جمهور المفسرين هذه الآية بأن الله أيد المؤمنين بعونه وتوفيقه، أو بروح من عنده، دون أن يفهم من ذلك أن هذا الروح جزء من ذات الله.

 

وكذلك يرد وصف جبريل عليه السلام في القرآن بأنه روح القدس في عدد من المواضع، وهو ما يجعل بعض الباحثين المسلمين يربطون بين روح الحق وبين المَلَك الموكل بالوحي.

 

روح الحق والنبي محمد ﷺ

 

ومن القضايا التي نوقشت في الحوار الإسلامي المسيحي منذ القرون الأولى مسألة هوية المعزي أو روح الحق. فبينما ترى الكنائس أن المقصود هو الروح القدس، ذهب عدد من العلماء المسلمين إلى أن هذه البشارة تشير إلى النبي محمد ﷺ.

 

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أوصاف يرون أنها تنطبق على النبي محمد، ومنها أنه يبلغ ما يوحى إليه، ويهدي إلى الحق، ولا ينطق من عند نفسه، كما جاء في القرآن الكريم:

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4].

 

كما يرون أن قول المسيح:

«ذاك يمجدني.»

 

ينسجم - من وجهة نظرهم - مع المكانة الرفيعة التي يحتلها عيسى بن مريم عليه السلام في الإسلام؛ إذ يرد ذكره في القرآن الكريم خمسًا وعشرين مرة، ويُذكر مقرونًا بالتكريم والثناء، بل خُصصت له ولمريم عليهما السلام سور وآيات عديدة، مثل سور آل عمران والمائدة ومريم، فضلًا عن الآيات التي تؤكد نبوته وولادته المعجزة ومعجزاته.

 

أما التفسير المسيحي، فيرى أن هذه الأوصاف لا تنطبق على نبي يأتي بعد عدة قرون، وإنما تحققت مباشرة في الروح القدس الذي حل على التلاميذ بعد صعود المسيح، كما يروي سفر أعمال الرسل.

 

«ليمكث معكم إلى الأبد»

 

وقد يستدل المدافعون عن التفسير المسيحي بما جاء في إنجيل يوحنا:

«وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد... لأنه ماكث معكم ويكون فيكم.» (يوحنا 14:16-17).

 

وترى الكنيسة أن هذه العبارة تؤكد أن المقصود هو الروح القدس، لأنه يحل في المؤمنين ويبقى معهم دائمًا.

 

أما بعض الباحثين المسلمين، فيرون أن المقصود يمكن أن يكون بقاء الرسالة الإلهية وآثارها في الأمة، وأن دوام الهداية لا يقتضي بقاء الشخص نفسه حيًا، بل استمرار الوحي الذي جاء به. ومن هذا المنطلق، يذهبون إلى أن رسالة النبي محمد ﷺ ما تزال باقية بين الناس من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية، وإن كان هذا التفسير يظل محل خلاف مع التفسير المسيحي التقليدي.

 

مكانة المسيح في الإسلام

 

وعلى الرغم من هذا الخلاف العقدي، فإن الإسلام يمنح المسيح عيسى بن مريم عليه السلام مكانة رفيعة، ويعده من أولي العزم من الرسل، ويؤمن بولادته المعجزة، ومعجزاته، وطهارة أمه مريم عليها السلام، وينفي عنه كل ما يراه انتقاصًا من مقامه.

 

وقد وردت في السنة النبوية أحاديث تؤكد هذه المنزلة، منها قول النبي ﷺ:

«أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد.» (متفق عليه).

 

وقال أيضًا:

«من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه... أدخله الله الجنة على ما كان من العمل.» (متفق عليه).

 

كما أثنى النبي ﷺ على أصحاب عيسى عليه السلام وصبرهم على الأذى في سبيل الله، مما يعكس احترام الإسلام للمسيح وأتباعه الأوائل الذين ثبتوا على الإيمان.

 

رؤية الكاتب

 

ومن وجهة نظري، فإن النصوص المتعلقة بالروح القدس أو روح الحق تحتمل أكثر من قراءة. فالكنائس المسيحية تفهمها في ضوء عقيدة الثالوث وحلول الروح القدس في الكنيسة بعد صعود المسيح، بينما يرى عدد من الباحثين المسلمين أنها تشير إلى الوحي الإلهي، أو إلى جبريل عليه السلام، أو إلى نبي يأتي بعد المسيح يحمل رسالة الله ويبلغها للناس.