+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف2 ج21 / 30 دليل التنصير الخطيئة الأصلية, ربى قعوار

antievangelism · 29 July, 2026

 

 

خامسًا: الخطية الأصلية

 

تُعد عقيدة الخطية الأصلية من أهم أركان اللاهوت المسيحي الغربي، ولا سيما في التقليدين الكاثوليكي والبروتستانتي. وتقوم هذه العقيدة على أن خطيئة آدم الأولى أثرت في الطبيعة البشرية كلها، فأصبح الإنسان يولد بطبيعة تميل إلى الخطية، ويحتاج إلى نعمة الله للخلاص. وترتبط هذه العقيدة ارتباطًا وثيقًا بالإيمان بفداء المسيح، إذ ترى الكنائس أن موت المسيح وقيامته هما الوسيلة التي بها تُرفع آثار هذه الخطية ويُستعاد الإنسان إلى الشركة مع الله.

 

أما الإسلام، فلا يقر بمبدأ وراثة الذنب، وإنما يؤكد أن كل إنسان يولد على الفطرة، وأنه مسؤول عن عمله وحده، ولا يحمل وزر غيره. ومن هنا كان مفهوم الخطية الأصلية أحد أبرز مواضع الاختلاف العقدي بين الإسلام والمسيحية.

 

قصة آدم في سفر التكوين

 

يروي سفر التكوين أن آدم وحواء أكلا من شجرة معرفة الخير والشر بعد إغواء الحية، ثم يقول:

 

«وقال الرب الإله: هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفًا الخير والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا ويأكل ويحيا إلى الأبد. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن... وطرد الإنسان.» (التكوين 3:22-24).

 

ويرى بعض الباحثين أن هذا النص يركز على خروج الإنسان من الجنة بعد اكتسابه معرفة الخير والشر، وأن سبب الطرد في سياق الرواية هو منعه من الوصول إلى شجرة الحياة، لا تقديم تفسير مفصل لعقيدة انتقال الخطية إلى جميع البشر.

 

أما اللاهوت المسيحي، فيرى أن هذا الحدث يمثل بداية سقوط الإنسان، وأن آثاره امتدت إلى البشرية كلها، وهو ما توضحه نصوص العهد الجديد، ولا سيما رسائل بولس.

 

تطور مفهوم الخطية في العهد الجديد

 

يستند اللاهوت المسيحي بصورة رئيسة إلى ما كتبه بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية:

«من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس...» (رومية 5:12-14).

 

ويرى بولس أن آدم يمثل رأس البشرية الأولى، وأن المسيح يمثل رأس البشرية الجديدة، ولذلك يقيم مقارنة بين دخول الخطية إلى العالم بواسطة آدم، ودخول الخلاص بواسطة المسيح.

 

أما بعض الباحثين فيرون أن هذا الفهم يمثل تطويرًا لقراءة قصة آدم في سفر التكوين، وأن الربط بين خطيئة آدم ووراثة جميع البشر للخطية لم يُعرض بالصورة نفسها في النص الأصلي لسفر التكوين.

 

مسؤولية الإنسان عن خطيئته

 

وتوجد في أسفار العهد القديم نصوص قد يُفهم منها انتقال آثار الذنب إلى الأبناء، كما جاء في سفر العدد:

«يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع.» (العدد 14:18).

 

غير أن العهد القديم نفسه يقرر في موضع آخر مبدأ المسؤولية الفردية بصورة صريحة، إذ يقول النبي حزقيال:

«النفس التي تخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن. بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون.» (حزقيال 18:20).

 

ويرى عدد من الباحثين أن هذا النص يؤكد المسؤولية الفردية، وأن كل إنسان يُحاسب على عمله هو، وهو مبدأ يقترب من التصور الإسلامي.

 

أما اللاهوت المسيحي، فيميز بين وراثة الطبيعة الساقطة وبين المسؤولية عن الذنب الشخصي؛ فالإنسان لا يُدان بسبب خطيئة آدم بوصفها فعلًا شخصيًا صدر منه، لكنه يولد بطبيعة متأثرة بالسقوط، ثم يُحاسب على خطاياه التي يرتكبها بإرادته.

 

قصة آدم في القرآن الكريم

 

تختلف رواية القرآن الكريم في عدد من التفاصيل عن رواية سفر التكوين.

 

فالقرآن يجعل المسؤولية مشتركة بين آدم وحواء، فيقول:

﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: 36].

 

وبذلك لا تُحمَّل المرأة وحدها مسؤولية السقوط، كما فهم بعض المفسرين من بعض الروايات الكتابية، وإنما ينسب الخطأ إلى الزوجين معًا.

 

كما يؤكد القرآن أن باب التوبة فُتح مباشرة بعد وقوع المعصية:

﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37].

 

ويرى المسلمون أن قبول الله توبة آدم يدل على انتهاء أثر الذنب بالتوبة، وأنه لا ينتقل إلى ذريته.

 

الموت في قصة السقوط

 

ومن القضايا التي يناقشها الباحثون قول الله لآدم في سفر التكوين:

«يوم تأكل منها موتًا تموت.» (التكوين 2:17).

 

إذ يلاحظ بعضهم أن آدم لم يمت جسديًا في اليوم نفسه، وإنما عاش بعد ذلك سنوات طويلة، بينما وردت عليه أحكام أخرى، كالتعب في العمل، وآلام الولادة، والخروج من الجنة.

 

أما التفسير المسيحي، فيرى أن المقصود بالموت هنا ليس الموت الجسدي الفوري، بل الموت الروحي، أي انفصال الإنسان عن الله، وأن الموت الجسدي دخل إلى العالم نتيجة السقوط وأصبح مصير الإنسان في النهاية.

 

وفي المقابل، يرى بعض الباحثين المسلمين أن القرآن يربط خروج آدم من الجنة بالشقاء والتعب في الحياة الدنيا أكثر من ربطه بالموت، كما في قوله تعالى:

﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾ [طه: 117].

 

ثم يقول بعد ذكر المعصية:

﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 122].

 

ويرون أن هذا السياق يبرز جانب الرحمة الإلهية وقبول التوبة، أكثر من إبراز فكرة انتقال الذنب إلى جميع البشر.

 

مفهوم الخطيئة الأولى

 

ويرى بعض المفكرين المسلمين أن أول معصية كبرى في التاريخ ليست معصية آدم، وإنما معصية إبليس، لأنه رفض أمر الله بدافع الكبر والاستعلاء، كما يقول تعالى:

﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12].

 

ويربط هؤلاء بين قصة إبليس وبين التحذير المستمر في القرآن من الكبر والعجب، ويرون أن الاستعلاء على الآخرين كان أول ذنب ترتب عليه الطرد من رحمة الله.

 

أما قصة آدم، فإنها - من المنظور الإسلامي - تنتهي بالتوبة والقبول الإلهي، وهو ما يجعلها مثالًا على أن باب الرحمة مفتوح أمام الإنسان إذا رجع إلى ربه.

 

رؤية الكاتب

 

ومن وجهة نظري، فإن عقيدة الخطية الأصلية تمثل أحد أهم الفروق بين الرؤية الإسلامية والرؤية المسيحية لطبيعة الإنسان والخلاص. فاللاهوت المسيحي يرى أن الإنسان يولد بطبيعة متأثرة بسقوط آدم، وأن الخلاص يتحقق بنعمة الله من خلال المسيح. أما الإسلام، فيؤكد أن الإنسان يولد على الفطرة، وأنه لا يرث ذنب غيره، وأن باب التوبة مفتوح لكل إنسان دون حاجة إلى انتقال خطيئة الأجداد إلى الأبناء.

 

كما أرى أن نصوص العهد القديم نفسها تعطي مساحة لتأكيد المسؤولية الفردية، ولا سيما ما جاء في سفر حزقيال من أن «النفس التي تخطئ هي تموت»، وهو مبدأ ينسجم مع التأكيد القرآني المتكرر على أن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164، والإسراء: 15، وفاطر: 18، والزمر: 7، والنجم: 38].

 

ومن هذا المنطلق، أرى أن الخلاف بين الإسلام والمسيحية في هذه القضية لا يقتصر على تفسير قصة آدم، بل يمتد إلى فهم طبيعة الإنسان، وعلاقة الذنب بالمسؤولية الفردية، والطريق الذي ينال به الإنسان مغفرة الله وخلاصه. ففي حين يقوم التصور الإسلامي على التوبة المباشرة والمسؤولية الشخصية، يقوم التصور المسيحي التقليدي على أن سقوط آدم أوجد حالة إنسانية عامة احتاجت إلى عمل الفداء الذي تحقق في المسيح، وهو اختلاف يعكس رؤيتين عقديتين متمايزتين لفهم الخطيئة والخلاص.