+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف2 ج 23 / 30 دليل التنصير عشرة أدلة من الكتاب المقدس أن المسيح لم يُصلب

antievangelism · 30 July, 2026

 

 

سابعًا: هل صُلِب المسيح؟

 

تُعد قضية صلب المسيح عليه السلام الركيزة الأساسية التي يقوم عليها اللاهوت المسيحي؛ إذ ترتبط بها عقيدة الفداء، ومنها تتفرع مفاهيم الكفارة والخلاص والقيامة، حتى أصبحت هذه القضية تمثل محور الإيمان المسيحي بأسره. ولذلك فإن مناقشة ألوهية المسيح أو عقيدة الثالوث دون التطرق إلى مسألة الصلب تبقى مناقشة غير مكتملة، لأن صحة تلك العقائد في الفكر المسيحي متوقفة ابتداءً على صحة حادثة الصلب نفسها.

 

ورغم أهمية هذه القضية، يلاحظ أن كثيرًا من الدراسات الإسلامية تكتفي بالاستدلال بالآية الكريمة:

﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم﴾.

 

ولا شك أن المسلم يؤمن بهذه الحقيقة إيمانًا جازمًا لأنها خبرٌ من الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. غير أن هذا الاستدلال وحده لا يكون ملزمًا لغير المسلم؛ لأن من لا يؤمن بالقرآن لن يعده دليلًا على هذه القضية.

 

ولهذا فإن من المناسب ـ في مقام الحوار مع المسيحيين ـ أن تُناقش هذه المسألة من خلال المصادر التي يحتجون بها، وفي مقدمتها أسفار العهد الجديد، مع الاستفادة مما تقرره المصادر التاريخية والدراسات النقدية الحديثة. فالغرض هنا ليس الاستدلال بالقرآن على من لا يؤمن به، وإنما بيان أن نصوص الكتاب المقدس نفسها تثير أسئلة جوهرية حول الرواية التقليدية للصلب.

 

وقد كان هذا السؤال من أكثر الأسئلة التي استوقفتني عند دراستي للمسيحية قبل إسلامي؛ إذ كنت أتساءل: إذا كان الله قد نجى المسيح كما يقرر القرآن، فما الحكمة من ذلك؟ ولماذا لم يرفع المسيح أمام الناس جميعًا بصورة يراها الجميع فتزول أسباب الخلاف؟ وهل تدل نصوص الكتاب المقدس فعلًا على أن الذي صُلب كان هو المسيح نفسه، أم أن هذا استنتاج بُني على قراءة معينة للروايات الإنجيلية؟

 

ومن خلال دراسة النصوص الكتابية، وجدت أن هناك عددًا من الملاحظات التي تستحق البحث والتأمل، وهي لا تعتمد على القرآن الكريم، وإنما على قراءة متأنية للعهدين القديم والجديد، وعلى مقارنة الروايات بعضها ببعض. ولا أدعي أن كل واحدة منها تكفي وحدها لنفي حادثة الصلب، لكن اجتماعها يثير تساؤلات لا يمكن تجاهلها، ويجعل من المشروع إعادة النظر في الرواية التقليدية.

 

ومن أهم هذه الملاحظات ما يأتي:

 

أولًا: غياب الدليل التاريخي القاطع على قبر المسيح

 

يُعد القبر الذي يُعرف اليوم باسم القبر المقدس في مدينة القدس من أشهر المواقع الدينية في العالم، ويقصده ملايين الحجاج كل عام على أنه المكان الذي دُفن فيه المسيح ثم قام منه.

 

غير أن هذا الاعتقاد، من الناحية التاريخية، لا يقوم على دليل قطعي، بل على تقاليد كنسية ظهرت بعد القرون الأولى للمسيحية. فلا توجد وثيقة معاصرة لحادثة الصلب تحدد موضع القبر تحديدًا يقينيًا، كما لا يوجد اكتشاف أثري يحسم أن هذا الموضع هو بالفعل قبر المسيح دون غيره.

 

ولهذا يقر عدد من الباحثين في تاريخ القدس القديمة بأن تحديد موقع القبر يعتمد على التراث الكنسي أكثر مما يعتمد على أدلة تاريخية مباشرة. وحتى مع افتراض وجود قبر فارغ، فإن فراغ القبر وحده لا يثبت هوية من دُفن فيه، ولا يكفي لإثبات أن صاحبه هو يسوع الناصري.

 

ومن هنا فإن القبر ـ في حد ذاته ـ لا يمثل دليلًا تاريخيًا مستقلًا على أن المسيح هو الذي صُلب ودُفن، بل يبقى جزءًا من الرواية التي تحتاج هي نفسها إلى الإثبات.

 

ثانيًا: هل تنبأ العهد القديم فعلًا بصلب المسيح؟

 

يستند اللاهوت المسيحي في إثبات الصلب إلى عدد من النصوص التي يعدها نبوات عن آلام المسيح، ويأتي في مقدمتها الإصحاح الثالث والخمسون من سفر إشعياء، الذي يُعرف عند المسيحيين باسم "نشيد العبد المتألم".

 

ويرى المسيحيون أن هذا الإصحاح يصف المسيح وصفًا دقيقًا، وأنه يتحدث عن آلامه وموته تكفيرًا عن خطايا البشر.

 

غير أن هذا التفسير ليس محل اتفاق بين جميع الدارسين، بل إن التفسير اليهودي التقليدي يذهب إلى أن الحديث في هذا الإصحاح يدور حول بني إسرائيل خلال فترة السبي البابلي، أو حول "عبد الرب" بوصفه رمزًا للأمة الإسرائيلية، لا عن المسيح المنتظر.

 

وهذا الخلاف في تفسير الإصحاح يدل على أن النص ليس صريحًا في الدلالة على المسيح، وإلا لما اختلف اليهود والمسيحيون في فهمه على هذا النحو.

 

ثم إننا، وحتى لو سلّمنا جدلًا بأن الإصحاح يتحدث عن المسيح، فإن النص يصف معاناةً وآلامًا، لكنه لا يذكر صراحةً وسيلة الموت، ولا يصرح بأنه سيُقتل صلبًا. ولذلك فإن الاستدلال بهذا الإصحاح على حادثة الصلب بعينها يبقى قائمًا على تفسير لاهوتي للنص، لا على عبارة صريحة تذكر الصليب أو كيفية تنفيذ القتل.

 

ومن هنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت حادثة الصلب هي أساس العقيدة المسيحية كلها، فلماذا لا نجد في العهد القديم نبوءة صريحة لا تحتمل التأويل، تنص على أن المسيح سيُقتل مصلوبًا؟

 

ممتاز، نتابع بنفس المنهج العلمي، مع المحافظة على رأيك، ولكن بصياغة أكثر قوة وترابطًا.


ثالثًا: هل تُثبت أقوال المسيح أنه سيُصلب؟

من أكثر الأدلة التي يستند إليها اللاهوت المسيحي لإثبات حادثة الصلب، ما ورد في الأناجيل الإزائية (متى ومرقس ولوقا) من أن المسيح أخبر تلاميذه مسبقًا بأنه سيذهب إلى أورشليم، ويتألم على أيدي رؤساء الكهنة والكتبة، ثم يُقتل، وفي اليوم الثالث يقوم.

فقد جاء في إنجيل متى:

«من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يُظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم، ويتألم كثيرًا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويُقتل، وفي اليوم الثالث يقوم.»

وورد المعنى نفسه في إنجيلي مرقس ولوقا.

ولا خلاف في أن هذه النصوص تتحدث عن توقع المسيح لوقوع أذى عليه، إلا أن السؤال الذي يستحق البحث هو: هل قال المسيح إنه سيُصلب تحديدًا؟

إن المتأمل في النص يجد أن المسيح استعمل لفظ «يُقتل»، ولم يذكر وسيلة القتل، فلم يقل إنه سيُصلب، ولا أنه سيُعلَّق على خشبة، وإنما اقتصر النص على الإخبار بوقوع القتل. ومن الناحية اللغوية، فإن القتل أعم من الصلب، إذ يشمل صورًا متعددة، بينما الصلب صورة مخصوصة من صور القتل.

ولذلك فإن الاستدلال بهذه النصوص على حادثة الصلب نفسها يحتاج إلى دليل إضافي يربط بين لفظ «يُقتل» وبين طريقة الموت، لأن النص بمفرده لا يذكر ذلك صراحة.

ومن جهة أخرى، فإن الأدب المسيحي القديم لا يقتصر على الأناجيل الأربعة المعروفة، بل توجد كتابات أخرى من القرون الأولى للمسيحية تقدم روايات مختلفة عن نهاية المسيح، وإن كانت الكنيسة لا تعدها جزءًا من الكتاب المقدس القانوني. ووجود هذه الروايات المختلفة يدل على أن تفاصيل نهاية حياة المسيح كانت موضع تداول وتنوع في بعض الأوساط المسيحية المبكرة، وهو ما يدعو إلى دراسة الرواية الإنجيلية في سياقها التاريخي، وإن كان ذلك وحده لا يكفي لإثبات رواية بديلة.

ومن هنا، فإن مجرد إخبار المسيح بأنه سيُقتل لا يكفي ـ في نظري ـ لإثبات أن حادثة الصلب وقعت بالصورة التي استقر عليها الاعتقاد الكنسي، لأن النص لم يحدد وسيلة القتل، كما أن المصادر المسيحية المبكرة نفسها عرفت روايات متباينة حول هذه القضية.

رابعًا: إلى أين كان المسيح ماضيًا؟

ومن النصوص التي تستحق التأمل أيضًا ما جاء في إنجيل يوحنا، في حديث المسيح الأخير مع تلاميذه، قبل ساعات من الأحداث التي انتهت ـ بحسب الرواية الإنجيلية ـ بالقبض عليه.

يقول المسيح:

«وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني، وليس أحد منكم يسألني: أين تمضي؟»

وهنا يبرز سؤال مهم: ماذا يقصد المسيح بقوله: «أنا ماضٍ إلى الذي أرسلني»؟

 

إن ظاهر العبارة يفيد أن المسيح يتحدث عن انتقاله إلى الله الذي أرسله، لا عن ذهابه إلى المحاكمة أو إلى الصلب. ويؤكد ذلك استعماله كلمة «الآن»، التي توحي بقرب وقوع هذا الانتقال.

 

ويرى المفسرون المسيحيون أن المقصود هو ذهابه إلى الآب بعد موته وقيامته وصعوده، وأن العبارة تشمل هذه الأحداث جميعًا.

 

غير أن هذا التفسير ليس هو الفهم الوحيد الممكن للنص؛ إذ يمكن أن يُفهم منه أيضًا أن المسيح كان يخبر تلاميذه بأن وقت رجوعه إلى الله قد حان، دون أن يحدد في هذا الموضع الكيفية التي سيتم بها ذلك.

 

ومن هنا، فإن هذا النص لا يذكر الصلب صراحة، بل يركز على عودة المسيح إلى الله، وهو ما يجعله قابلًا للنظر من أكثر من زاوية عند دراسة تسلسل الأحداث.

 

خامسًا: شهادة المسيح أمام رئيس الكهنة

 

ومن أكثر النصوص إثارة للتأمل ما ورد أثناء محاكمة المسيح أمام رئيس الكهنة، عندما سأله إن كان هو المسيح ابن الله.

 

فأجابه بحسب إنجيل متى:

«أنت قلت. وأيضًا أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا على سحاب السماء.»

 

ويلاحظ هنا أن المسيح لم يكتف بالإجابة عن السؤال، بل انتقل مباشرة إلى الحديث عن ابن الإنسان الجالس عن يمين القوة، والآتي على سحاب السماء.

 

ويرى المفسرون المسيحيون أن المسيح كان يقصد نفسه، وأنه يعلن مجده بعد القيامة وصعوده إلى السماء، مستندين إلى صورة "ابن الإنسان" الواردة في سفر دانيال.

 

أما من زاوية القراءة التي أعرضها في هذا الكتاب، فإن هذا النص يثير تساؤلًا آخر، إذ يبدو أن محور الحديث انتقل من الشخص الواقف أمام المحكمة إلى ابن الإنسان الذي سيكون مكرمًا عند الله ويأتي في المستقبل. ومن هنا أرى أن النص يحتمل أن يكون إشارة إلى أن المسيح الحقيقي قد صار في حفظ الله وكرامته، وأن الذي كان يُساق إلى المحاكمة ليس هو المقصود بعبارة «ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة».

 

وهذا فهم أطرحه بوصفه قراءة للنص في ضوء مجمل الأدلة التي أناقشها في هذا الفصل، وليس بوصفه دلالة صريحة لا تحتمل غيرها. ولذلك فإن قوة الاستدلال هنا لا تقوم على هذا النص وحده، بل على مجموع النصوص التي تُقرأ متكاملة.

 

سادسًا: «العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملتُه»

 

وقبل القبض على المسيح بقليل، يورد إنجيل يوحنا صلاة طويلة للمسيح، يقول فيها مخاطبًا الله:

«أنا مجدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملتُه.»

 

وهذا النص يثير سؤالًا مهمًا: إذا كان الهدف الرئيس من مجيء المسيح إلى الأرض ـ بحسب اللاهوت المسيحي ـ هو الصلب والفداء، فكيف يعلن قبل القبض عليه أنه قد أكمل العمل الذي أُرسل من أجله؟

 

يرى المفسرون المسيحيون أن المسيح يتحدث هنا بصيغة اليقين؛ أي إنه يعد العمل مكتملًا لأن الصلب صار وشيك الوقوع، ولأن مشيئة الله في نظره قد حُسمت.

 

غير أن القراءة الأخرى للنص ترى أن ظاهر العبارة يدل على أن الرسالة التي كُلِّف بها قد انتهت بالفعل، وأنه لا يتحدث عن عمل لم يبدأ بعد، وإنما عن مهمة أنجزها وأتمها.

 

ولهذا أرى أن هذا النص ينسجم مع فهمٍ يعتبر أن وظيفة المسيح الأساسية كانت تبليغ رسالة الله إلى بني إسرائيل، وهدايتهم إلى التوحيد والتوبة، وأنه يعلن في هذه الصلاة أنه أدى ما كُلِّف به على أكمل وجه، دون أن يكون في النص نفسه تصريح بأن الصلب هو المهمة التي لم تكتمل بعد.

 

ومن هنا يبقى السؤال مطروحًا: هل كان المسيح يرى أن رسالته قد اكتملت قبل أحداث القبض عليه، أم أن المقصود اكتمالها بعد الصليب؟ وهذه المسألة تمثل إحدى نقاط الاختلاف الجوهرية بين القراءة الإسلامية والقراءة الكنسية لهذه النصوص، ولذلك ينبغي أن تُناقش في ضوء مجموع الأدلة، لا بالاعتماد على نص منفرد.

 

 

سابعًا: صلاة المسيح في بستان جثسيماني

 

تُعد صلاة المسيح في بستان جثسيماني من أكثر النصوص تأثيرًا في الأناجيل، لما تحمله من مشاهد إنسانية عميقة، ولأنها تسبق مباشرة أحداث القبض عليه. ولهذا فإنها تحتل مكانة مهمة عند دراسة قضية الصلب، إذ تكشف عن موقف المسيح نفسه في تلك اللحظات الحاسمة.

 

يروي إنجيل متى أن المسيح خرَّ على وجهه يصلي قائلاً:

«يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت.»

 

وقد ورد هذا المضمون في الأناجيل الأخرى أيضًا مع اختلاف يسير في الألفاظ، مما يدل على أن هذه الصلاة كانت من الوقائع التي اتفقت عليها الروايات الإنجيلية.

 

وأول ما يلفت النظر في هذا المشهد أن المسيح يتوجه بالدعاء إلى الله، ويتضرع إليه طالبًا أن تُصرف عنه هذه الكأس. وهذا يؤكد ـ من المنظور الإسلامي ـ حقيقة عبودية المسيح لله، وأنه كان يتوجه إليه بالدعاء والرجاء كما كان يفعل سائر الأنبياء.

 

أما في اللاهوت المسيحي، فيُفسَّر هذا الدعاء على أنه تعبير عن الطبيعة الإنسانية للمسيح، وأنه، مع شعوره بما ينتظره من آلام، سلَّم نفسه في النهاية لمشيئة الآب.

 

غير أن الذي يستحق التأمل هنا هو مضمون الدعاء نفسه؛ فالمسيح يطلب بوضوح أن تعبر عنه هذه الكأس إن كان ذلك موافقًا لمشيئة الله.

 

ومن هنا يبرز سؤال مشروع: إذا كان الصلب هو الغاية الأساسية التي جاء المسيح من أجلها، فلماذا يطلب النجاة منه؟

 

إن ظاهر النص يدل على أن المسيح سأل الله أن يصرف عنه هذا البلاء، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في طبيعة هذا الحدث كما تصوره الأناجيل.

 

ثم إن الكتاب المقدس نفسه يبين في مواضع كثيرة أن الله يستجيب دعاء أنبيائه ويكرمهم بإجابة مسألتهم، وأن الدعاء من أعظم أسباب الفرج والنجاة. ولذلك فإن من الطبيعي أن يتساءل الباحث: هل استجاب الله لدعاء المسيح كما استجاب لدعوات أنبيائه من قبل؟

 

ولا أقصد بهذا السؤال الجزم بالإجابة من خلال هذا النص وحده، وإنما الإشارة إلى أن صلاة المسيح نفسها تمثل عنصرًا أساسيًا ينبغي أن يدخل في أي دراسة متكاملة لحادثة الصلب.

 

ثامنًا: مقارنة بقصة إبراهيم وابنه

 

ومن المواضع التي تستحق التأمل أيضًا عند مناقشة فكرة الفداء، قصة ابتلاء إبراهيم عليه السلام عندما رأى في المنام أنه يذبح ابنه امتثالًا لأمر الله.

 

وتبرز أهمية هذه القصة لأنها كثيرًا ما تُقدَّم في الفكر المسيحي بوصفها رمزًا مسبقًا لما سيحدث للمسيح.

 

غير أن المتأمل في أحداثها يجد أن النهاية جاءت مختلفة؛ فبعد أن استسلم إبراهيم لأمر الله، وأبدى الابن طاعة كاملة، تدخل الله قبل تنفيذ الذبح، وفدى الابن بذبح عظيم، ولم يتركه يقتل.

 

وهنا يبرز تساؤل أراه جديرًا بالتأمل: إذا كانت قصة إبراهيم تُعد رمزًا للمسيح، فلماذا لا يمتد وجه الشبه إلى نهايتها أيضًا؟ فإذا كان الابن في القصة قد نُجي من الذبح واستُبدل بغيره، فإن من الممكن أن يرى الباحث في هذه النهاية صورة أقرب إلى ما يقرره القرآن الكريم من نجاة المسيح، لا إلى وقوع الصلب عليه.

 

ولا أقدم هذا على أنه دليل مستقل، وإنما بوصفه وجهًا من وجوه المقارنة التي تستحق النظر عند دراسة العلاقة بين القصتين.

 

الكأس التي سيشربها التلاميذ

 

ويزداد هذا المعنى إثارة للاهتمام عندما نقرأ ما ورد في إنجيل متى، حين طلبت أم ابني زبدي من المسيح أن يكون ابناها عن يمينه وعن يساره في ملكوته.

 

فأجابها المسيح قائلاً:

«أتستطيعان أن تشربا الكأس التي سوف أشربها أنا؟... أما كأسي فتشربانها.»

 

ومن الواضح أن المسيح يستعمل هنا لفظ الكأس استعمالًا رمزيًا، للدلالة على ما سيلقاه من ابتلاء ومعاناة.

 

واللافت للنظر أنه يقرر أن التلميذين سيشربان هذه الكأس أيضًا.

 

فإذا كانت الكأس تعني الموت والاستشهاد، فإن هذا الوصف لا يختص بالمسيح وحده، بل يشمل غيره من أتباعه أيضًا، وهو ما يدل على أن التعبير لا يلزم منه أن يكون المقصود هو حادثة الصلب بعينها، وإنما قد يشير إلى الابتلاء في سبيل الدعوة.

 

أما ما يذكره بعض الباحثين من احتمال أن يكون أحد التلاميذ قد أخذ مكان المسيح، فهو احتمال لا تصرح به نصوص الأناجيل، ولذلك لا يمكن الجزم به اعتمادًا عليها وحدها. ومن ثم فإن تحديد شخصية من شُبِّه للناس ليس أمرًا يثبته القرآن، ولا تثبته نصوص الكتاب المقدس، ويبقى في دائرة الاجتهادات التي لا يقوم عليها دليل قاطع.

 

ولهذا فإنني أرى أن الأقرب منهجيًا هو الاكتفاء بإثبات ما يقرره القرآن من نجاة المسيح، مع ترك هوية الشخص الآخر دون جزم، لأن النصوص لا تعينه تعيينًا صريحًا.

 

 

تاسعًا: اختلاف الروايات الإنجيلية في وصف اللحظات الأخيرة

 

من المبادئ المعروفة في البحث التاريخي أن تعدد الروايات حول الحدث الواحد لا يُعد إشكالًا في ذاته، إلا إذا وصل الاختلاف إلى درجة يصعب معها الجمع بين التفاصيل أو معرفة الصورة الأصلية للواقعة. ولهذا فإن مقارنة روايات الأناجيل حول الساعات الأخيرة من حياة المسيح تمثل جانبًا مهمًا عند دراسة حادثة الصلب.

 

فعند التأمل في الأناجيل الأربعة نجد أن كل إنجيل يورد العبارة الأخيرة التي نطق بها المصلوب بصورة تختلف عن الآخر.

 

فإنجيل متى، وكذلك مرقس، يذكر أن المسيح صرخ بصوت عظيم ثم أسلم الروح.

 

أما لوقا فينقل عنه قوله:

«يا أبتاه، في يديك أستودع روحي.»

 

ثم يذكر بعد ذلك أنه أسلم الروح.

 

بينما يورد يوحنا عبارة مختلفة تمامًا، وهي:

«قد أُكمل.»

 

ثم يقول بعد ذلك إنه أسلم الروح.

 

وقد حاول المفسرون المسيحيون الجمع بين هذه الروايات بالقول إن المسيح نطق بجميع هذه العبارات، وأن كل إنجيلي دوّن جزءًا منها دون أن يقصد استيعاب جميع الكلمات التي قيلت على الصليب.

 

ولا شك أن هذا التفسير يمثل محاولة معروفة للتوفيق بين الروايات، غير أن الباحث قد يتساءل: إذا كانت هذه هي أهم لحظة في تاريخ العقيدة المسيحية، فلماذا لم تنقلها الأناجيل بصيغة واحدة متفقة؟ ولماذا تختلف في نقل الكلمات الأخيرة التي يفترض أنها من أكثر ما يستحق الحفظ والدقة؟

 

ولا أقصد من ذلك أن مجرد اختلاف الصياغات ينفي وقوع الحدث، وإنما أشير إلى أن هذه الاختلافات تجعل الرواية التاريخية بحاجة إلى مزيد من الدراسة، ولا سيما إذا انضمت إلى بقية الملاحظات التي سبق عرضها في هذا الفصل.

 

عاشرًا: آية يونان النبي

 

ومن النصوص التي تستحق وقفة خاصة ما يعرف في الأناجيل باسم «آية يونان».

 

فقد جاء في إنجيل متى أن بعض الكتبة والفريسيين طلبوا من المسيح آية تدل على صدق رسالته، فأجابهم بقوله:

«جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال.»

 

وقد فهمت الكنيسة هذا النص على أنه نبوءة عن موت المسيح ودفنه ثم قيامته بعد ثلاثة أيام.

 

غير أن هذا النص يفتح بابًا لتأمل آخر.

 

فالمسيح لم يقل إن وجه الشبه بينه وبين يونان هو الموت، وإنما جعل المقارنة قائمة على المدة والحال التي كان عليها يونان.

 

ومن المعلوم أن يونان عليه السلام لم يمت في بطن الحوت، بل بقي حيًا طوال المدة التي قضاها فيه، ثم أخرجه الله سالمًا بعد أن استجاب دعاءه.

 

وهنا يبرز سؤال مهم:

 

إذا كانت آية يونان هي العلامة الوحيدة التي وعد المسيح بإعطائها، فأين يكمن وجه الشبه الحقيقي بين الحادثتين؟

 

هل هو مجرد البقاء ثلاثة أيام؟

 

أم أن المقارنة تشمل النجاة أيضًا؟

 

إن ظاهر القصة في سفر يونان يبين أن الله أنقذ نبيه من الهلاك، ولم يتركه يموت في بطن الحوت، بل أخرجه حيًا بعد انقضاء المدة.

 

ومن هذا المنطلق، أرى أن وجه الشبه الأقرب بين القصتين هو نجاة النبي بعد أن ظن الناس أنه قد هلك، وهو فهم ينسجم مع ما يقرره القرآن الكريم من أن الله رفع المسيح إليه وأنجاه من أعدائه.

 

ولا يعني ذلك أن هذا النص وحده يكفي لإثبات هذه النتيجة، لكنه يكتسب قوة عندما يُقرأ في ضوء سائر النصوص التي سبق مناقشتها.

 

مناقشة الاعتراضات

 

وقد يعترض بعضهم فيقول:

 

إذا كان الله قد نجى المسيح، فلماذا لم يبين للناس من الذي أُلقي عليه الشبه؟ ولماذا ترك هذا الأمر سببًا للخلاف بين البشر؟

 

وهذا سؤال يتكرر كثيرًا، ويستحق جوابًا هادئًا.

 

إن القرآن الكريم أخبر بحقيقة نجاة المسيح، لكنه لم يسمِّ الشخص الذي شُبِّه للناس، ولم يجعل معرفة هويته جزءًا من أصول الإيمان. ومن هنا فإن الانشغال بتحديد شخصيته لا يغير من أصل القضية شيئًا، لأن المقصود في النهاية هو بيان أن المسيح نفسه لم يُقتل ولم يُصلب.

 

وقد ذُكرت في كتب التفسير والتاريخ الإسلامي روايات متعددة في تعيين هذا الشخص، فقيل إنه أحد الحواريين، وقيل غير ذلك، إلا أن هذه الروايات لا تقوم على نص قطعي، ولذلك اختلف فيها العلماء، ولم يجعلها القرآن محل اهتمام.

 

ومن ثم فإن الأولى ـ في نظري ـ الوقوف عند ما ثبت بالنص، وهو نجاة المسيح، وترك ما سكت عنه الوحي دون تكلف في تعيينه.

 

أما الحكمة من عدم ذكر اسمه، فهي من الأمور التي لم يرد فيها نص قاطع، فلا ينبغي الجزم بسبب معين. ويمكن أن يقال إن القرآن قصد توجيه الأنظار إلى الحقيقة الأساسية، وهي نجاة المسيح وإبطال دعوى قتله، ولم يجعل هوية الشخص الآخر جزءًا من الرسالة التي أراد تقريرها.

 

خلاصة البحث

 

بعد استعراض النصوص السابقة، يتبين أن قضية صلب المسيح ليست بالبساطة التي تُعرض بها في كثير من الكتابات اللاهوتية، بل تحيط بها مجموعة من النصوص التي تستحق الدراسة والمراجعة. فالعهد القديم لا يصرح بصلب المسيح تصريحًا لا يحتمل التأويل، والأناجيل نفسها تتضمن مواضع تثير تساؤلات حول فهم أحداث الساعات الأخيرة، كما أن بعض الروايات تختلف في نقل تفاصيل الواقعة.

 

ومن خلال القراءة التي اعتمدتها في هذا الفصل، أرى أن مجموع هذه النصوص يفتح المجال لإعادة النظر في الرواية التقليدية للصلب، وأنها لا تمنع من فهم ينسجم مع ما قرره القرآن الكريم من نجاة المسيح ورفعه إلى الله.

 

ولا يقوم هذا الفهم ـ في نظري ـ على الاستدلال بالقرآن وحده، بل يعتمد أيضًا على قراءة متأنية للنصوص الكتابية في سياقها، مع التمييز بين النص نفسه وبين التفسير اللاهوتي الذي تبنته الكنيسة عبر القرون.

 

وبالنسبة للمسلم، فإن اليقين بنجاة المسيح مستمد أولًا من خبر الله تعالى، قال سبحانه:

﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم... بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾.

 

وهذه الحقيقة الإيمانية هي الأصل الذي ننطلق منه، أما دراسة نصوص الكتاب المقدس، فغايتها بيان أن مناقشة هذه القضية من داخل المصادر المسيحية نفسها تظل ممكنة، وأنها تفتح مجالًا لحوار علمي قائم على النصوص، لا على مجرد التسليم بالموروث.