ف2 ج25 / 30 دليل التنصير الرسول لم يكن متأكداً من خلاصه وكان يستغفر كثيراً, رُبى قعوار
antievangelism · 30 July, 2026
ثانيًا: هل كان النبي ﷺ يخطئ حتى يكثر من الاستغفار؟
من الشبهات التي يثيرها بعض المنصرين استدلالهم بما ثبت في السنة النبوية أن رسول الله ﷺ كان يكثر من الاستغفار، وأنه ربما استغفر في المجلس الواحد مائة مرة. ثم يبنون على ذلك أن النبي ﷺ كان كثير الذنوب، وأنه كان بحاجة إلى الخلاص، ليستنتجوا بعد ذلك أن الأنبياء جميعًا يحتاجون إلى الفداء، وأن الخلاص لا يكون إلا بالإيمان بالمسيح وفق التصور المسيحي.
وهذا الاستدلال يقوم على فهم غير صحيح لمعنى الاستغفار في الإسلام؛ إذ يختزل الاستغفار في كونه طلبًا للمغفرة من الذنوب الكبيرة، بينما تدل نصوص القرآن والسنة على أن الاستغفار عبادة مستقلة، وهو من أجلِّ أعمال القربات التي يتعبد بها المؤمن ربه، سواء أكان طالبًا مغفرة ذنب، أم معترفًا بتقصيره في شكر نعم الله، أم راغبًا في مزيد من القرب منه سبحانه وتعالى.
ومن المعلوم أن الإنسان كلما ازداد إيمانًا ازداد إحساسًا بتقصيره بين يدي الله، بخلاف من اعتاد المعصية حتى مات قلبه، فإنه قد لا يشعر بخطئه أصلًا. ولهذا فإن الصالحين أكثر الناس استغفارًا، لا لأنهم أكثر الناس ذنوبًا، بل لأن معرفتهم بالله أعظم، وشعورهم بعجزهم عن أداء حقه أكمل.
فإذا كان هذا حال عامة المؤمنين، فإن الأنبياء أولى الناس بالإكثار من ذكر الله واستغفاره؛ لأنهم أعرف الخلق بربهم، وأشدهم تعظيمًا له، وأحرصهم على دوام العبودية والخضوع بين يديه. ولذلك فإن كثرة استغفارهم لا تدل على كثرة الذنوب، وإنما تدل على كمال العبودية، ودوام الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى.
وقد أخبر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك لم يتوقف النبي ﷺ عن الصلاة، ولا عن الصيام، ولا عن قيام الليل، ولا عن الاستغفار، بل كان يزداد عبادة كلما ازداد قربًا من ربه. وهذا يدل على أن العبادة ليست مجرد وسيلة لرفع العقوبة، وإنما هي غاية المؤمن، وشكر لله تعالى على نعمه وإحسانه.
وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن سبب اجتهاده في العبادة حتى تتورم قدماه، مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال:
«أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»
فبيَّن ﷺ أن الدافع إلى عبادته ليس الخوف من العقوبة فحسب، بل شكر الله تعالى على فضله ونعمه.
عصمة الأنبياء في الإسلام
ويقرر علماء المسلمين أن الأنبياء معصومون في تبليغ رسالة الله تعالى، فلا يخطئون في نقل الوحي، ولا يحرمون ما أحل الله، ولا يحلون ما حرم الله، لأن الله اصطفاهم لحمل رسالته إلى الناس، ولو جاز عليهم الخطأ في تبليغ الدين لبطل المقصود من بعثتهم.
أما ما وقع لبعض الأنبياء من اجتهادات عاتبهم الله عليها، فلا يدخل في باب الكبائر ولا في باب الخيانة أو الكذب، وإنما هو من باب الاجتهاد الذي يبين الله لهم فيه ما هو الأولى والأكمل.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما وقع للنبي محمد ﷺ في قصة عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، عندما كان النبي منشغلًا بدعوة كبار زعماء قريش إلى الإسلام، فجاءه ابن أم مكتوم يسأله عن أمر من أمور الدين، فاستمر النبي ﷺ في حديثه مع أولئك القوم، رجاء أن يكون في إسلامهم مصلحة عظيمة للدعوة.
فعاتبه الله تعالى بقوله:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾
ولم يكن هذا العتاب بسبب معصية أو ذنب، وإنما لأنه ﷺ اختار ما رآه أصلح في تلك اللحظة، بينما أراد الله أن يبين له أن العناية بالمؤمن الصادق أولى من الاستمرار في مخاطبة من أظهر الإعراض والاستكبار.
ومن هنا يظهر الفرق بين مفهوم الاجتهاد الذي يصوبه الوحي وبين مفهوم ارتكاب الذنوب، فالأول لا يقدح في عصمة الأنبياء، بل يؤكد أن الله تعالى كان يتولى تربيتهم وتسديدهم حتى يبلغوا رسالته على أكمل وجه.
الاستغفار في الكتاب المقدس
ومن اللافت للنظر أن الاستغفار وطلب الرحمة من الله ليس أمرًا خاصًا بالنبي محمد ﷺ، بل نجد في الكتاب المقدس نفسه نصوصًا يطلب فيها الشخص الذي يفسره كثير من اللاهوتيين على أنه المسيح رحمة الله ومغفرته.
ومن النصوص التي يكثر الاستشهاد بها في التفسير المسياني ما جاء في المزمور الحادي والأربعين، حيث يرى عدد من اللاهوتيين أن هذا المزمور يتحدث عن المؤامرة التي تعرض لها المسيح، مستدلين خاصة بالعدد التاسع:
«رجل سلامتي الذي وثقت به، آكل خبزي، رفع عليَّ عقبه.»
ويعدون هذا العدد نبوة عن خيانة يهوذا الإسخريوطي.
غير أن القراءة الكاملة للمزمور تثير سؤالًا مهمًا؛ إذ إن المتكلم نفسه يقول قبل ذلك:
«يا رب ارحمني، اشف نفسي لأني قد أخطأت إليك.»
فإن كان المزمور كله يُفسَّر على أنه يتحدث عن المسيح، فإن هذه العبارة تصبح جزءًا من النص نفسه، ولا يصح اقتطاع بعض الأعداد وإهمال غيرها.
أما إذا قيل إن هذه العبارة لا تنطبق على المسيح، وأن المزمور يختلط فيه كلام داود مع الإشارات الرمزية إلى المسيح، فإن ذلك يقتضي الإقرار بأن المزمور ليس نبوة حرفية كاملة عن المسيح، وإنما يحتوي على تطبيقات لاحقة لبعض أجزائه.
ومن هنا، فإن الاحتجاج بهذا المزمور لإثبات بعض العقائد، مع تجاهل بقية سياقه، لا ينسجم مع المنهج السليم في تفسير النصوص، لأن الأصل أن يُقرأ النص كاملًا، لا أن تُقتطع منه العبارات التي توافق نتيجة مسبقة.
ممتاز، نكمل بنفس الأسلوب الأكاديمي.
هل يدل قول النبي ﷺ: «لن يدخل أحد الجنة بعمله» على أنه لم يكن واثقًا من نجاته؟
ومن الشبهات التي يثيرها بعض المنصرين استدلالهم بقول النبي ﷺ:
«لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله.»
فقال الصحابة: ولا أنت يا رسول الله؟
فقال:
«ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل.»
ويحاول بعضهم أن يستنتج من هذا الحديث أن النبي ﷺ لم يكن متيقنًا من نجاته، وأنه كان يخشى الهلاك، ثم يربط ذلك بالعقيدة المسيحية في الفداء، مدعيًا أن النبي نفسه كان محتاجًا إلى الخلاص.
غير أن هذا الفهم بعيد عن مقصود الحديث، لأنه يقتطع الكلام من سياقه العقدي، ويغفل ما تقرره النصوص الإسلامية في باب رحمة الله وعدله.
فالنبي ﷺ لم يكن يتحدث عن الشك في وعد الله، ولا عن عدم يقينه بدخول الجنة، وإنما كان يقرر أصلًا عظيمًا من أصول العقيدة الإسلامية، وهو أن دخول الجنة فضل من الله ورحمته، وليس حقًا يكتسبه الإنسان بمجرد عمله.
فالعبد، مهما أكثر من الطاعات، ومهما اجتهد في العبادة، فإنه لا يستطيع أن يؤدي حق الله سبحانه وتعالى كاملًا، ولا أن يوافي نعمه بالشكر الذي تستحقه. ولذلك فإن أعمال العباد ـ مهما عظمت ـ تبقى قاصرة عن أن تكون ثمنًا للجنة، وإنما يتفضل الله على عباده بقبولها، ثم يدخلهم الجنة برحمته.
ولهذا جمع القرآن بين العمل والرحمة في مواضع كثيرة، فقال سبحانه:
﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
وقال أيضًا:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾
فالأعمال سبب لدخول الجنة، أما دخولها نفسه فهو برحمة الله وفضله. ولا تعارض بين الأمرين؛ لأن الله هو الذي وفق العبد للعمل، ثم قبل عمله، ثم أثابه عليه أضعافًا مضاعفة.
ومن هنا يتبين أن قول النبي ﷺ: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه» ليس إقرارًا بالعجز عن النجاة، وإنما هو إعلان لكمال عبوديته لله، وأن الأنبياء أنفسهم لا يرون لأنفسهم حقًا على الله، بل يقرون بأن كل فضل إنما هو من رحمته سبحانه.
لماذا لا تكفي الأعمال وحدها؟
إن الإنسان إذا تأمل نعم الله عليه أدرك أن أعماله مهما كثرت لا يمكن أن تساوي نعمة واحدة من نعم الله.
فنعمة البصر وحدها، أو نعمة السمع، أو نعمة العقل، أو نعمة الصحة، لا يستطيع الإنسان أن يؤدي شكرها على الوجه الذي تستحقه، فضلًا عن سائر النعم التي لا تُحصى.
قال تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾
فإذا كانت نعم الله لا تُحصى، وكان شكرها على الوجه الكامل فوق قدرة الإنسان، فإن دخول الجنة لا يكون استحقاقًا مجردًا للأعمال، وإنما هو محض فضل من الله، يضم إليه عدله وحكمته ورحمته.
ولهذا كان الأنبياء، وهم أكمل الناس عبادة، أكثر الناس تواضعًا لله، وأبعدهم عن الاغترار بأعمالهم.
عبادة النبي ﷺ كانت شكرًا لا خوفًا على المصير
ومن الأدلة التي تؤكد هذا المعنى ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنها رأت النبي ﷺ يطيل قيام الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت له:
«يا رسول الله، أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟»
فأجابها بقوله:
«أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»
وهذا الحديث يبين بوضوح أن عبادة النبي ﷺ لم تكن ناشئة عن الشك في مغفرة الله له، ولا عن الخوف من عدم قبول رسالته، وإنما كانت تعبيرًا عن كمال محبته لله، وشكره على نعمه، واعترافه بفضله سبحانه.
ومن هنا نفهم أيضًا كثرة استغفار النبي ﷺ، فهي ليست دليلًا على كثرة الذنوب، وإنما مظهر من مظاهر كمال العبودية، كما أن كثرة التسبيح والتهليل ليست دليلًا على نقص في توحيد المسلم، وإنما هي زيادة في القرب من الله.
خلاصة الرد
يتبين من مجموع النصوص أن استغفار النبي ﷺ، وكثرة عبادته، وقوله: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه»، لا تدل على ما يدعيه بعض المشككين من أنه كان يجهل مصيره أو يحتاج إلى فداء يخلصه، وإنما تدل على حقيقة أصيلة في العقيدة الإسلامية، وهي أن الأنبياء أكمل الناس عبودية لله، وأكثرهم تواضعًا بين يديه، وأنهم يعلمون أن كل خير يناله العبد إنما هو بفضل الله ورحمته.
كما أن الإسلام لا يجعل العمل وحده سببًا مستقلًا لدخول الجنة، ولا يجعل الرحمة وحدها دون عمل، وإنما يجمع بين الأمرين؛ فالعمل الصالح سبب، ورحمة الله هي التي تجعل هذا السبب مثمرًا، فيدخل المؤمن الجنة بفضل الله وعدله معًا.
وبذلك يسقط الاستدلال بهذه الأحاديث على صحة عقيدة الفداء، لأنها تتحدث عن علاقة العبد بربه، وعن فضل الله ورحمته، ولا علاقة لها بمسألة الحاجة إلى مخلِّص يحمل خطايا البشر أو يكفِّر عنها. وهذا هو الفهم الذي اتفق عليه علماء المسلمين منذ صدر الإسلام، وهو المنسجم مع مجموع نصوص القرآن والسنة.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة