+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف2 ج27 / 30 دليل التنصير المسيح خالق، شافي، محيي الموتى، وعالم الغيب إذاً هو الله؟,

antievangelism · 30 July, 2026

 

المسيح خالق؟ شافٍ؟ عالم بالغيب؟ محيي الموتى؟ فهل هو الله؟

 

من أكثر الشبهات التي يثيرها بعض المنصرين استدلالهم بما ذكره القرآن الكريم عن المعجزات التي أجراها الله على يد المسيح عليه السلام، فيقولون إن القرآن نفسه يثبت للمسيح صفات لا تكون إلا لله، فهو يخلق، ويشفي المرضى، ويحيي الموتى، ويخبر بالغيب، وهذه كلها - في زعمهم - من خصائص الألوهية، وبالتالي فإن المسيح هو الله.

 

ويستدلون بقوله تعالى:

﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
(آل عمران: 49).

 

وللوهلة الأولى قد يبدو هذا الاستدلال مقنعًا لمن يقرأ الآية مبتورة عن سياقها، إلا أن التأمل في ألفاظها نفسها كافٍ لإبطال هذه الشبهة.

 

أولًا: عبارة ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ تهدم أصل الشبهة

 

أذكر أنني أثناء إحدى المحاضرات التي ألقيتها في جمهورية مصر العربية بالتعاون مع مؤسسة جسور عام 2013، عرضت هذه الشبهة على الحضور، ثم سألتهم: كيف يمكن الرد عليها؟

 

فرفع أحد الحاضرين يده وقال في جملة قصيرة:

 

"عبارة (بإذن الله) في الآية أنهت الإشكال كله."

 

وكانت هذه الإجابة في غاية الدقة.

 

فالقرآن لم يقل إن المسيح يخلق بذاته، أو يشفي بقوته الذاتية، أو يحيي الموتى باستقلاله، وإنما كرر عبارة:

﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

 

ليقرر أن جميع هذه المعجزات إنما وقعت بإرادة الله وقدرته، وأن المسيح لم يكن إلا عبدًا ورسولًا أجريت هذه الآيات على يديه تصديقًا لنبوته.

 

ولو كان المسيح إلهاً مستقلاً لما احتاج إلى الإذن، لأن الإله لا يستمد سلطانه من غيره، ولا ينتظر الإذن ممن هو أعلى منه، بل تكون إرادته نافذة بذاتها.

 

ولهذا كرر القرآن هذا القيد حتى لا يلتبس الأمر على الناس، وحتى يعلموا أن الفاعل الحقيقي هو الله سبحانه، وأن المسيح سبب أجريت المعجزة على يديه.

 

ثانيًا: هذا يوافق ما قاله المسيح عن نفسه في الإنجيل

 

ومن اللافت للنظر أن هذا المعنى لا يقتصر على القرآن الكريم، بل نجده أيضًا في نصوص متعددة من العهد الجديد.

 

فقد قال المسيح في إنجيل يوحنا:

«لأني قد نزلت من السماء، ليس لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني.»
(يوحنا 6: 38).

 

فهو يعلن صراحة أنه لا يعمل باستقلال عن الله، وإنما ينفذ مشيئة الذي أرسله.

 

وقال أيضًا:

«أبي أعظم مني.»
(يوحنا 14: 28).

 

وهذه العبارة من أوضح العبارات التي تبين وجود تمييز بين الله وبين المسيح، إذ لا يعقل أن يكون الله أعظم من نفسه.

 

ولهذا فإن هذه النصوص تنسجم مع ما قرره القرآن من أن المسيح رسول مؤيد بالمعجزات، لا إله يملك القدرة الذاتية المطلقة.

 

ثالثًا: شهادة التلاميذ أنفسهم

 

ولو كان المسيح قد أعلن لتلاميذه أنه الله، لكان أول من يصرح بذلك هم الحواريون الذين عاشوا معه وشاهدوا معجزاته.

 

لكننا نجد بعد رفع المسيح أن بطرس وقف يخاطب بني إسرائيل قائلًا:

«فيسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعًا شهود لذلك، وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه.»
(أعمال الرسل 2: 32-33).

 

ومن يتأمل هذا النص يجد أن بطرس يميز بوضوح بين الله وبين المسيح؛ فالله هو الذي أقامه، والله هو الذي رفعه، والله هو الذي أعطاه، ثم إن الروح القدس مذكور متميزًا عنهما.

 

ولو كان التلاميذ يؤمنون بأن المسيح هو الله، لكانت هذه فرصة مثالية للتصريح بذلك أمام الآلاف من الناس، لكنهم لم يفعلوا، بل استمروا في الحديث عنه باعتباره المسيح الذي أرسله الله وأيده ورفعه إليه.

 

رابعًا: الاشتراك في الاسم لا يعني التساوي في الحقيقة

 

ومن الأخطاء المنهجية التي يقع فيها بعض المشككين أنهم يظنون أن الاشتراك في وصف معين يستلزم التساوي في الحقيقة.

 

فإذا قيل عن الله إنه رحيم، ثم قيل عن إنسان إنه رحيم، فلا يعني ذلك أن رحمة الإنسان كرحمة الله.

 

وإذا وصف الله بأنه عليم، فقد يوصف بعض البشر بالعلم، ولكن علم الإنسان محدود مكتسب، أما علم الله فمطلق، محيط بكل شيء، لا يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان.

 

وكذلك يقال إن الله حي، والإنسان حي، ولكن حياة الإنسان حادثة تنتهي بالموت، أما حياة الله فأزلية أبدية لا يلحقها فناء.

 

إذن فمجرد الاشتراك في لفظ الصفة لا يعني الاشتراك في حقيقتها أو درجتها أو كمالها.

 

ولهذا، فإذا قيل إن المسيح كان يحيي الموتى، فإن ذلك لا يعني أنه يملك صفة الإحياء المطلقة التي هي من خصائص الله، لأنه كان يحيي بإذن الله، وفي أحوال مخصوصة، بينما الله هو الذي يحيي ويميت جميع الخلق، ويتصرف في الكون كله بلا قيد ولا إذن من أحد.

 

كما أنه لم يرد في أي موضع أن المسيح كان يميت الخلق، أو يرزقهم، أو يدبر الكون، أو يحاسب الناس، أو يملك خزائن السماوات والأرض، وهي جميعها من خصائص الربوبية التي لا يشاركه فيها أحد.

 

خامسًا: المسيح نفسه عرف الناس بالإله الحقيقي

 

ومن أعظم النصوص التي تبين حقيقة رسالة المسيح دعاؤه الوارد في إنجيل يوحنا، إذ قال:

«وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته.»
(يوحنا 17: 3).

 

وهذا النص يفرق بين شخصين تفرقة واضحة؛ فهناك الإله الحقيقي وحده، وهناك يسوع المسيح الذي أرسله ذلك الإله.

 

ولو كان المسيح هو الله، لكان من الطبيعي أن يقول: "أن يعرفونا"، أو أن يضم نفسه إلى الإله الحقيقي، لكنه على العكس جعل نفسه الرسول المرسل من قبل الله.

 

ومن ثم فإن تعاليم المسيح نفسها تدعو إلى الإيمان بالله الواحد، وإلى الإيمان بالمسيح رسولًا مرسلًا منه، وهو ما يتفق مع العقيدة الإسلامية في شأنه.

 

سادسًا: المعجزات ليست دليلًا على الألوهية

 

وقد يعترض بعضهم قائلًا: إن المسيح هو الوحيد الذي صنع مثل هذه المعجزات العظيمة، ولذلك استحق أن يكون إلهًا.

 

وهذا الادعاء لا يثبت أمام نصوص الكتاب المقدس نفسه.

 

فالمسيح أخبر تلاميذه أنهم سيصنعون أعمالًا أعظم مما صنع هو، مما يدل على أن وقوع المعجزة لا يجعل صاحبها إلهًا، وإنما هي تأييد من الله لعباده ورسله.

 

كما أن العهد القديم يذكر أنبياء أجرى الله على أيديهم معجزات عظيمة، بل إن بعض هذه المعجزات لا تقل عجبًا عما وقع للمسيح.

 

ومن أشهر الأمثلة ما ورد عن النبي أليشع (اليسع) عليه السلام، إذ جاء في سفر الملوك الثاني:

«وفيما كانوا يدفنون رجلًا... طرحوا الرجل في قبر أليشع، فلما مس عظام أليشع عاش وقام على رجليه.»
(الملوك الثاني 13: 21).

 

فالمعجزة هنا وقعت بعد وفاة أليشع، حتى إن عظامه كانت سببًا في إحياء رجل ميت.

 

ولو كان مجرد إحياء الموتى دليلًا على الألوهية، لكان الأولى ـ بحسب هذا المنطق ـ أن يُعبد أليشع أيضًا، وهو أمر لا يقول به أحد من اليهود أو المسيحيين.

 

وهذا يدل على أن المعجزة لا تثبت ألوهية صاحبها، وإنما تثبت أن الله أيده بآية تدل على صدقه.

 

سابعًا: تفضيل الرسل لا يخرجهم عن البشرية

 

وقد بين القرآن الكريم أن الله فضّل بعض الرسل على بعض، فقال سبحانه:

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾
(البقرة: 253).

 

فكما خص الله إبراهيم عليه السلام بالخلة، وخص موسى عليه السلام بالتكليم، وخص محمدًا ﷺ بخاتم النبوة، فقد خص عيسى عليه السلام بمعجزات عظيمة، وبولادته المعجزة، وبأنه كلمة الله وروح منه، وأيده بروح القدس.

 

غير أن هذا التفضيل لا يخرج أحدًا منهم عن مقام العبودية، ولا يجعله شريكًا لله في ألوهيته، بل يزيده منزلة وكرامة عند ربه، مع بقائه عبدًا لله ورسولًا من رسله.

 

خلاصة البحث

 

إن المعجزات التي أجراها الله على يد المسيح عليه السلام ليست دليلًا على ألوهيته، وإنما هي آيات على صدق رسالته، وقد حرص القرآن على تقييدها مرارًا بقوله ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ حتى لا تُفهم على أنها قدرة ذاتية مستقلة. كما أن نصوص الإنجيل نفسها تؤكد أن المسيح كان ينفذ مشيئة الله، ويعلن أن الآب أعظم منه، ويعرّف الناس بالإله الحقيقي الذي أرسله، وهو ما ينسجم مع تصوير القرآن له نبيًا كريمًا مؤيدًا بالمعجزات.

 

وعليه، فإن الاستدلال بمعجزات المسيح على ألوهيته لا يقوم على أساس منطقي؛ إذ لو كانت المعجزة تجعل صاحبها إلهًا، للزم تأليه كثير من الأنبياء الذين أجرى الله على أيديهم خوارق مماثلة أو أعظم منها، وهو ما لا يقول به أحد. وإنما المعجزة في جميع الرسالات دليل على قدرة الله، وصدق رسوله، لا على انتقال صفات الألوهية إلى البشر.