+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف2 ج28 / 30 دليل التنصير المسيح لم يمسه الشيطان، وإنما كانت تهابه الشياطين، إذاً هو الله؟,

antievangelism · 30 July, 2026

 

المسيح لم يمسه الشيطان، وكانت الشياطين تهابه، فهل يدل ذلك على ألوهيته؟

 

ومن الشبهات التي يثيرها بعض المنصرين قولهم إن الإسلام نفسه يثبت تميز المسيح عليه السلام عن سائر البشر؛ لأن النبي ﷺ قال:

«ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم وأمه.»

 

ثم قرأ أبو هريرة رضي الله عنه قول الله تعالى:

﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.

 

ويقولون: إذا كان الشيطان قد مس جميع بني آدم، ولم يمس المسيح وأمه، فهذا دليل على أن المسيح قدوس كالله، وأنه ليس كسائر البشر، بل هو إله متجسد.

 

وهذا الاستدلال لا يقوم على أساس صحيح، لأنه يخلط بين العصمة التي يمنحها الله لعباده وبين الألوهية التي هي صفة مختصة بالله وحده.

 

أولًا: الحديث لا يدل على الألوهية، وإنما على الحفظ الإلهي

 

إن الحديث لا يقول إن المسيح منع الشيطان من الاقتراب إليه بقوته الذاتية، ولا يقول إنه يمتلك طبيعة إلهية تمنع الشيطان من مسه، وإنما يبين أن الله سبحانه استجاب لدعاء أمه مريم عندما قالت:

﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.

 

فكان هذا الحفظ والإعاذة فضلًا من الله تعالى، وليس صفة ذاتية في المسيح أو في أمه.

 

ولو كان كل من حفظه الله من الشيطان يصبح إلهًا، للزم أن يكون كل عبد حفظه الله أو عصمه أو أيده إلهًا، وهو باطل بإجماع المسلمين والمسيحيين.

 

فالفضل يعود إلى الله الذي عصم وحفظ، لا إلى المخلوق الذي وقع عليه هذا الحفظ.

 

ثانيًا: عصمة المسيح عقيدة إسلامية وليست محل نزاع

 

والحقيقة أن المسلم لا يجد في هذا الحديث أي إشكال؛ لأن عقيدة الإسلام تقرر أن الأنبياء عليهم السلام اصطفاهم الله وطهرهم وعصمهم من الكبائر والرذائل التي تقدح في مقام النبوة.

 

ولذلك فإننا نؤمن بأن المسيح عليه السلام كان طاهرًا كريمًا، لم يقع في المعاصي التي تنقص من مقام النبوة، كما نؤمن بعصمة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

 

ولهذا فإن محاولة بعض المسلمين إثبات أخطاء أو معاصٍ للمسيح اعتمادًا على بعض نصوص الكتاب المقدس هي محاولة غير موفقة، لأنها تخالف ما قرره القرآن الكريم من تكريم عيسى عليه السلام، كما أنها تسيء إلى مقام النبوة الذي أوجبه الله لجميع رسله.

 

وقد رأيت خلال سنوات عملي في مجال مقارنة الأديان بعض من ينتسب إلى هذا التخصص يحاول إثبات أن المسيح أخطأ أو شتم الكهنة أو قصر في بر والدته أو نهى عن الصيام، ثم يبني على ذلك ردوده على المنصرين.

 

وهذا منهج لا أراه صحيحًا؛ لأن الطعن في مقام المسيح عليه السلام ليس دفاعًا عن الإسلام، بل قد يتحول - من حيث لا يشعر صاحبه - إلى طعن في نبي من أنبياء الله الذين أمرنا القرآن بتوقيرهم والإيمان بهم جميعًا.

 

ولهذا فإن الموقف الإسلامي واضح؛ فنحن نثبت للمسيح عليه السلام ما أثبته الله له من الطهارة والعصمة والكرامة، مع نفي الألوهية عنه، لأن العصمة لا تستلزم الألوهية.

 

ثالثًا: طهارة مريم دليل على بطلان الاستدلال

 

وكما خص الله المسيح بالحفظ، فقد خص أمه مريم عليها السلام بالتطهير والاصطفاء.

 

قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾
(آل عمران: 42).

 

وجاء في إنجيل لوقا أن الملاك قال لمريم:

«الرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.»
(لوقا 1: 35).

 

فإذا كان اصطفاء مريم وتطهيرها يجعلها إلهًا، فلماذا لا يقول بذلك جميع المسيحيين؟

 

بل إن أغلب الطوائف المسيحية لا تقول بألوهية مريم، مع أنها تعترف بأنها كانت امرأة مباركة اصطفاها الله.

 

وهذا وحده يكفي لإبطال الملازمة التي يحاول بعض المنصرين إثباتها بين الطهارة والألوهية.

 

رابعًا: إشكال الخطيئة الأصلية

 

وهنا يبرز سؤال مهم داخل المنظومة اللاهوتية المسيحية نفسها.

 

فالكنيستان الكاثوليكية والأرثوذكسية تمنحان مريم منزلة عظيمة، بل تطلقان عليها لقب "أم الله"، ومع ذلك تقرران أن مريم جاءت من أبوين من نسل آدم.

 

كما يؤمن معظم البروتستانت بأن مريم كانت إنسانة كسائر البشر، ولم تكن معصومة من الخطيئة الأصلية.

 

فإذا كانت الخطيئة الأصلية قد انتقلت إلى جميع البشر بالوراثة، فكيف استُثنيت مريم منها؟ وكيف وُلد منها المسيح بلا خطيئة؟

 

أما الإسلام فلا يواجه هذا الإشكال أصلًا؛ لأنه لا يقر بعقيدة انتقال الذنب من الآباء إلى الأبناء، وإنما يقرر أن كل إنسان يولد على الفطرة، وأنه لا يحمل إثم غيره.

 

ومن ثم فإن اصطفاء مريم وتطهيرها لا يحتاج إلى عقيدة الفداء ولا إلى القول بانتقال الذنب أو انقطاعه، بل هو فضل من الله يختص به من يشاء من عباده.

 

خامسًا: الشيطان حاول إغواء المسيح

 

ومن الأمور التي تغيب عن كثير من الناس أن الحديث النبوي لم يقل إن الشيطان لم يحاول التعرض للمسيح طوال حياته، وإنما قال إنه لم ينخسه عند ولادته.

 

أما بعد ذلك، فإن الأناجيل نفسها تذكر أن الشيطان جاء إلى المسيح بعد صيامه أربعين يومًا، وحاول أن يغويه، بل طلب منه أن يسجد له، كما ورد في قصة التجربة في البرية.

 

فلو كان مجرد عدم النخس يعني أن الشيطان لا يستطيع الاقتراب من المسيح مطلقًا، لما وقع أصلًا هذا الامتحان الذي تذكره الأناجيل.

 

وعليه، فإن أقصى ما يدل عليه الحديث هو أن الله سبحانه وتعالى حفظ مريم وابنها من نخسة الشيطان عند الولادة، استجابةً لدعاء أم مريم، ولا يدل على امتناع اقتراب الشيطان منه بعد ذلك، ولا على امتلاكه طبيعة إلهية.

 

خلاصة البحث

 

إن الحديث النبوي الشريف لا يجعل المسيح إلهًا، وإنما يبين فضلًا خصه الله به، كما خصه بغيره من المعجزات والكرامات. وهذا الفضل صادر عن إرادة الله ورحمته، لا عن طبيعة إلهية كامنة في المسيح. كما أن الإسلام يقرر عصمة الأنبياء جميعًا، ويوقرهم جميعًا، ولا يرى في طهارتهم دليلًا على ألوهيتهم.

 

أما جعل عدم نخسة الشيطان دليلًا على أن المسيح هو الله، فهو استنتاج لا يدل عليه الحديث، ولا ينسجم مع بقية النصوص الإسلامية، ولا حتى مع روايات الأناجيل التي تذكر أن الشيطان حاول إغواء المسيح في البرية. وعليه، فإن هذا الوصف يثبت كرامة المسيح ومنزلته عند الله، ولا يثبت ألوهيته، لأن الكرامة شيء، والألوهية شيء آخر، ولا يجوز الخلط بينهما.