ف2 ج29 / 30 دليل التنصير هل قُتِلَ المسيح على الصليب فعلاً؟, رُبى قعوار
antievangelism · 30 July, 2026
هل قُتل المسيح على الصليب؟
تُعد قضية صلب المسيح من أكثر القضايا إثارةً للجدل بين المسلمين والمسيحيين، بل إنها تمثل حجر الزاوية في العقيدة المسيحية؛ إذ تُبنى عليها عقيدة الفداء والخلاص. ولذلك يحرص المبشرون على الاستدلال بكل ما يرونه مؤيدًا لوقوع الصلب والقتل، حتى إن بعضهم يحاول الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم لإثبات صحة الرواية الإنجيلية.
ومن الملاحظ أن كثيرًا من المسيحيين عندما يتحدثون عن هذه الحادثة يقولون: "المسيح مات"، مع أن الروايات الإنجيلية نفسها تصف حادثة إعدام بالصلب، والأدق ـ بحسب هذه الروايات ـ أن يقال: "المسيح قُتل"؛ لأن الموت الناتج عن الصلب ليس وفاةً طبيعية، وإنما هو قتل عمدٍ نُفذ بأداة من أدوات الإعدام الرومانية.
وهذا التفريق مهم؛ لأن القرآن الكريم لم ينف موت المسيح بإطلاق، وإنما نفى قتله وصلبه، فقال تعالى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ۖ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾
(النساء: 157).
فالآية الكريمة تنفي بصورة قاطعة أن يكون المسيح قد قُتل أو صُلب على النحو الذي ادعاه اليهود، وتؤكد أن دعواهم لم تكن قائمة على علم ويقين، وإنما على الظن.
هل تدل آية: ﴿إني متوفيك﴾ على أن المسيح مات قبل رفعه؟
ويستدل بعض المنصرين بقوله تعالى:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾
(آل عمران: 55).
ثم يقررون أن لفظ «متوفيك» يعني الموت، ومن ثم فإن القرآن ـ في زعمهم ـ يوافق على موت المسيح ثم رفعه.
غير أن هذا الاستدلال لا يلزم من جهة اللغة ولا من جهة الاستعمال القرآني.
فلفظ «التوفي» في القرآن الكريم لا يختص بالموت وحده، وإنما يستعمل أيضًا بمعنى النوم، كما قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾
(الزمر: 42).
فسمى الله النوم توفيًا، مع أن صاحبه لم يمت.
ولهذا ذهب عدد من المفسرين إلى أن المراد بالتوفي في آية آل عمران هو الأخذ الكامل أو النوم ثم الرفع، وليس الموت قبل الرفع.
ومن جهة أخرى، وبعد مراجعة الأحاديث الواردة في تفاصيل رفع المسيح، لم أجد ـ بحسب ما انتهى إليه بحثي ـ حديثًا صحيحًا يروي الكيفية التفصيلية لواقعة الرفع قبل الصلب، فجميع الروايات التي وقفت عليها لا تخلو من ضعف في أسانيدها.
ولهذا فإنني أرى أن النص القرآني القطعي إنما يثبت أمرين لا خلاف فيهما:
-
أن المسيح لم يُقتل.
-
وأنه لم يُصلب.
أما تفاصيل الكيفية، فإنها لم يرد فيها ـ فيما أعلم ـ حديث صحيح صريح يفصل أحداثها.
ومن ثم، فإن احتمال وفاة المسيح وفاةً طبيعية بعد نجاته من القتل لا يتعارض في ذاته مع نفي القرآن لقتله وصلبه، وإن كان هذا ليس هو القول المشهور عند جمهور علماء المسلمين.
رأي جمهور أهل السنة والجماعة
ومع ذلك، فإن من الأمانة العلمية بيان أن جمهور أهل السنة والجماعة ذهبوا إلى أن المسيح لم يمت بعد، وإنما رفعه الله إليه حيًا، وسيعود في آخر الزمان، ثم يموت بعد أداء المهمة التي أخبر بها النبي ﷺ في أحاديث نزوله.
وهذا هو الرأي الذي اشتهر في كتب التفسير والعقيدة، وهو الذي تبناه جمهور العلماء عبر القرون.
وجود هذا الاعتقاد في بعض الفرق المسيحية القديمة
ومن اللافت أن فكرة نجاة المسيح من الصلب ليست فكرة ظهرت مع الإسلام لأول مرة، بل عُرفت قبل الإسلام عند بعض الفرق المسيحية في القرنين الأول والثاني الميلاديين.
فقد ذكرت المصادر التاريخية أن بعض الفرق الغنوصية، ومنها أتباع كاربوكريتس الإسكندري (Carpocrates of Alexandria)، وكذلك فرقة الباسيليديين (Basilidians)، كانوا ينكرون أن المسيح هو الذي صُلب، ويقول بعضهم إن سمعان القيرواني هو الذي أُخذ بدله وصُلب مكانه.
ولا يعني هذا أن الإسلام استمد عقيدته منهم، وإنما يبين أن إنكار صلب المسيح لم يكن رأيًا مجهولًا في التاريخ المسيحي، بل كان موجودًا قبل ظهور الإسلام بقرون، مما يدل على أن القضية كانت محل خلاف منذ العصور الأولى.
معنى قوله تعالى: ﴿ولكن شُبِّه لهم﴾
ومن الآيات التي تستحق التأمل قول الله تعالى:
﴿ولكن شُبِّه لهم﴾.
فالقرآن لم يبين كيفية وقوع هذا التشبيه، وإنما أثبت وقوعه، وترك تفاصيله دون بيان.
ومن ثم فإن كل تفسير لطريقة التشبيه يبقى في دائرة الاجتهاد ما لم يقم عليه دليل قطعي.
ولو تأملنا ما تعرض له المصلوب ـ بحسب الرواية الإنجيلية ـ من جلد شديد، وإكليل الشوك، والضرب والإهانة، ثم التعليق على الصليب، لأدركنا أن ملامحه لا بد أن تكون قد تغيرت تغيرًا كبيرًا، حتى يصعب على من يقف بعيدًا تمييز شخصيته على وجه اليقين.
ولهذا فإن قوله تعالى ﴿شُبِّه لهم﴾ يقرر وقوع الاشتباه، دون أن يلزم منه بيان وسيلته أو تفاصيله.
ماذا عن الحواريين؟
وقد يثار سؤال: إذا كان الذي صُلب ليس المسيح، فأين كان الحواريون؟
والجواب أن القرآن الكريم لم يتعرض لتفاصيل هذا الجانب، ولذلك لا يجوز الجزم بما لم يرد فيه نص.
ويحتمل أن كثيرًا منهم لم يكونوا حاضرين لحظة تنفيذ الصلب، أو أنهم تفرقوا خوفًا بعد القبض على المسيح، كما تذكر بعض روايات الأناجيل نفسها.
كما يحتمل أن من شهد الواقعة لم يكن قادرًا على إدراك حقيقة ما جرى في ظل الاضطراب الذي صاحب الأحداث.
وهذه الاحتمالات لا تتعارض مع النص القرآني، لأنها لا تمس الحقيقة التي حسمها القرآن، وهي أن اليهود لم يقتلوا المسيح ولم يصلبوه يقينًا.
خلاصة البحث
إن القرآن الكريم يحسم القضية في موضع النزاع، فينفي بصورة قاطعة أن يكون اليهود قد قتلوا المسيح أو صلبوه، ويصف دعواهم بأنها مبنية على الظن لا على اليقين. أما تفاصيل كيفية نجاة المسيح أو كيفية وقوع التشبيه، فلم يفصلها القرآن، ولذلك ينبغي الوقوف عند حدود النص، وعدم الجزم بما لم يثبت بدليل صحيح.
ومن هنا، فإن الاستدلال بقوله تعالى ﴿إني متوفيك﴾ لإثبات أن المسيح مات مصلوبًا استدلال غير صحيح؛ لأن لفظ التوفي في القرآن لا ينحصر في الموت، كما أن الآية لا تنقض التصريح القاطع الوارد في سورة النساء بنفي القتل والصلب. وبذلك يبقى النص القرآني منسجمًا في جميع آياته، مؤكدًا أن المسيح لم يكن ضحية صلب اليهود، وأن الله سبحانه نجاه من كيدهم، ورفع شأنه، وجعل أمره آية من آيات قدرته وحكمته.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة