ف3 ج1 / 7 من كتاب دليل التنصير تاريخ التبشير من بداية الخليقة إلى وقت المسيح عليه السلام,
antievangelism · 31 July, 2026
الفَصْلُ الثَّالِثُ
تَارِيخُ التَّبْشِيرِ وحَمَلَاتُ التَّنْصِير
تمهيد
ارتبط مصطلح التبشير في الاستعمال العام بإبلاغ الناس خبرًا سارًّا يبعث في نفوسهم الأمل والفرح ويمنحهم حافزًا أو شعورًا إيجابيًّا. أما في الاستعمال المسيحي، فقد اكتسب المصطلح معنى دينيًّا محددًا، فأصبح يشير إلى إخبار الناس بما يعتقد المسيحيون أنه عمل الله لخلاص البشر، كما تعرضه أسفار الكتاب المقدس وتفسره العقيدة المسيحية.
ويستند المبشرون في دعوتهم إلى الاعتقاد بأن الله يحب جميع البشر ويريد خلاصهم وإقبالهم إلى معرفة الحق. وقد جاء في رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس:
«لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلّصنا الله، الذي يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون»
(تيموثاوس الأولى 2: 3-4).
وانطلاقًا من هذا الاعتقاد، يرى المبشرون أن تبليغ الرسالة المسيحية ليس عملًا اختياريًّا أو نشاطًا اجتماعيًّا مجردًا، بل هو واجب ديني يحملونه إلى الشعوب والأمم، اعتقادًا منهم بأن مصير الإنسان الأبدي متعلق بقبوله مضمون تلك الرسالة.
وتقوم الرسالة التبشيرية المسيحية في صورتها اللاهوتية الشائعة على مجموعة من المقدمات العقدية، أهمها أن جميع البشر قد أخطؤوا، وأنه لا يوجد إنسان على وجه الأرض خالٍ من الذنب، وأن الخطيئة تستوجب عقوبة لا بد من الوفاء بها. وبحسب هذا التصور، احتاج البشر إلى إنسان بلا خطيئة يقف أمام الله الديان، ويتحمل نيابة عنهم عقوبة خطاياهم، ويكون شفيعًا ومخلّصًا لهم. ويرى اللاهوت المسيحي أن هذا الشخص هو يسوع المسيح.
وبناءً على ذلك، يدعو المبشر الإنسان إلى الإيمان بأن المسيح جاء إلى الأرض، وصُلب، ومات حاملًا خطايا البشر، ثم قام من الموت. فإذا آمن الإنسان بهذه الأحداث، واعترف أمام الله بأنه خاطئ، واعتقد أن المسيح مات من أجله وحمل خطاياه على الصليب، بدأت ـ بحسب العقيدة التبشيرية ـ علاقة جديدة بينه وبين الله.
ويصف اللاهوتيون هذه الخبرة بأنها الولادة الثانية، أي أن الإنسان يصبح في نظرهم شخصًا جديدًا قد غُفرت خطاياه، وبدأ حياة روحية مختلفة. كما تنتقل علاقته بالله ـ وفق هذا التصور ـ من علاقة العبد بالسيد إلى علاقة الابن بأبيه، وهي علاقة يصفونها بأنها قائمة على المحبة والطاعة والإخلاص.
وهذه الرسالة هي التي يسميها المبشرون:
الأخبار السارة – The Good News
ويرى المبشرون أن هذه الأخبار لا ينبغي أن تبقى حبيسة الكنائس أو الكتب، وإنما يجب أن تصل إلى كل إنسان، بصرف النظر عن دينه أو ثقافته أو انتمائه القومي.
أما في الخطاب الإسلامي، فيشيع استعمال مصطلح التنصير للدلالة على الجهود المنظمة التي تستهدف إدخال غير المسيحيين في المسيحية، ولا سيما إذا ارتبطت هذه الجهود بمؤسسات دينية أو تعليمية أو طبية أو إغاثية أو سياسية.
ومن هنا يمكن التمييز بين المصطلحين من جهة زاوية الاستعمال؛ فالمسيحي ينظر إلى النشاط بوصفه تبشيرًا بخبر الخلاص، بينما ينظر إليه المسلم ـ في كثير من الأحيان ـ بوصفه تنصيرًا يراد به تغيير عقيدته وانتمائه الديني.
ما الشروط التي ينبغي توافرها في المبشر؟
لا ينظر الفكر التبشيري إلى المبشر بوصفه خطيبًا أو ناقلًا لمعلومات دينية فحسب، بل يراه شاهدًا على تجربة روحية يُفترض أنه عاشها واختبر آثارها في حياته.
ولهذا يشترط في المبشر ـ بحسب التصور المسيحي ـ عدد من الأمور، من أهمها:
أولًا: اختبار التغيير الروحي
ينبغي أن يكون المبشر قد اختبر ما يسميه المسيحيون الخلاص أو الولادة الجديدة، وأن يكون هذا الاختبار قد أحدث تغييرًا واضحًا في حياته وسلوكه.
فلا يكفي أن يكون الإنسان مسيحيًّا بالاسم أو بالانتماء العائلي، بل ينبغي ـ وفق الفكر التبشيري ـ أن يكون قد أدرك خطيئته، وآمن بالمسيح مخلّصًا، ثم أصبح همه طاعة الله والخضوع لأوامره ووصاياه.
ويرى المبشرون أن الإنسان الذي لم يختبر هذا التغيير بنفسه لا يستطيع أن ينقل رسالته إلى الآخرين بصدق وتأثير؛ لأنه سيكون متحدثًا عن تجربة لم يعشها، أو داعيًا إلى طريق لم يسلكه.
ثانيًا: التلمذة والتدريب
بعد اختبار التغيير تبدأ مرحلة تسمى في الأدبيات المسيحية التلمذة، وهي مرحلة طويلة من التعليم والتدريب والجهاد الروحي، يتعلم فيها المسيحي كيفية تطبيق وصايا دينه، ومقاومة ما يراه خطيئة، وتنظيم حياته على أساس الطاعة لله.
وتشمل التلمذة عادةً قراءة الكتاب المقدس، والصلاة، والمشاركة في نشاط الكنيسة، ودراسة العقائد، والتدرب على الحوار، وتعلم وسائل عرض الرسالة المسيحية للآخرين.
وفي أثناء هذه المرحلة، قد يشعر المسيحي ـ بحسب معتقده ـ بوجود نداء إلهي يدعوه إلى مشاركة الناس ما يعتقد أن الله فعله في حياته. وهذا ما يعرف في الأدبيات المسيحية باسم دعوة الله إلى الخدمة أو الدعوة إلى التبشير.
ومن هنا لا يعد التبشير عند كثير من المسيحيين مجرد مهنة أو نشاط تطوعي، بل رسالة يعتقد المبشر أن الله ائتمنه عليها وألزمه بأدائها.
وقد عبر بولس عن هذا المعنى في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، فقال:
«لأنه إن كنت أبشر فليس لي فخر، إذ الضرورة موضوعة عليّ، فويل لي إن كنت لا أبشر. فإنه إن كنت أفعل هذا طوعًا فلي أجر، ولكن إن كان كرهًا فقد استؤمنت على وكالة»
(كورنثوس الأولى 9: 16-17، ترجمة فاندايك).
وقال كذلك:
«هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء سرائر الله، ثم يسأل في الوكلاء لكي يوجد الإنسان أمينًا»
(كورنثوس الأولى 4: 1-2).
وتوضح هذه النصوص أن بولس كان ينظر إلى التبشير باعتباره وكالة دينية ومسؤولية لا يجوز التخلي عنها. فالمبشر ـ في نظره ـ ليس مالكًا للرسالة، وإنما هو وكيل اؤتمن عليها، وتكمن أمانته في نقلها إلى الآخرين.
ولهذا أصبحت قضية التبشير، في الفكر الكنسي عامةً وفي الفكر الإنجيلي خاصةً، واجبًا يقع على كل من قبل رسالة الخلاص وسمى نفسه مسيحيًّا، وإن اختلفت صور المشاركة في هذا الواجب من شخص إلى آخر.
فمن المسيحيين من يبشر بالكلمة والخطابة، ومنهم من يشارك من خلال التعليم أو الطب أو الإغاثة أو الإعلام أو ترجمة الكتب، ومنهم من يدعم المؤسسات التبشيرية بالمال أو التنظيم أو العلاقات العامة.
وهكذا لم يعد التبشير في التاريخ المسيحي محصورًا في الوعظ المباشر، بل تحول مع مرور الزمن إلى شبكة واسعة من الأنشطة والمؤسسات والمناهج.
تقسيم تاريخ التبشير
لكي نفهم نشأة الفكر التبشيري وتطوره وتأثيره في المجتمعات، ينبغي أن نتصفح مراحل التاريخ الديني والسياسي التي مر بها، وأن نتتبع انتقاله من دعوات الأنبياء القديمة إلى التنظيمات الكنسية والمؤسسات التبشيرية في العصور الحديثة.
ويمكن تقسيم تاريخ التبشير ـ في هذا البحث ـ إلى مرحلتين أساسيتين:
-
العهد القديم: ويشمل الأحداث والشخصيات التي تسبق ميلاد المسيح عليه السلام.
-
العهد الجديد: ويبدأ بميلاد المسيح، ثم يمتد إلى عصر الحواريين والكنيسة وانتشار المسيحية بين الأمم.
القسم الأول: التبشير في العهد القديم
الدعوة إلى الله قديمة قدم البشرية
من الجدير بالذكر أن دعوة الناس إلى الاعتقاد الديني والطاعة الأخلاقية ليست نشاطًا مستحدثًا ظهر مع الكنيسة أو بعد ميلاد المسيح، بل هي ـ بحسب التراث الديني ـ قضية قديمة ترجع إلى بداية التاريخ البشري.
فمنذ أن خلق الله آدم، بدأت عملية التوجيه والتعليم والتحذير. فقد أمر الله آدم وزوجه، وحذرهما من الأكل من شجرة معرفة الخير والشر بحسب رواية سفر التكوين.
وعندما وقع آدم وحواء في المخالفة، لم يتركهما الله دون توجيه، بل بيّن لهما نتائج فعلهما، وحذر الإنسان من عداوة الشيطان، وأعلن أن الصراع بين الإنسان والشيطان لن يستمر بلا نهاية، وأن الشيطان سيلاقي العقوبة في نهاية الأمر.
وبذلك يمكن النظر إلى هذه القصة ـ في التصور الكتابي ـ بوصفها البداية الأولى لخطاب ديني يخبر الإنسان عن الله، ويبين له طريق الطاعة، ويحذره من الخطيئة وعواقبها.
نوح والدعوة إلى النجاة
ثم جاءت قصة نوح، الذي أرسله الله إلى قومه وحذرهم من الفساد والعقوبة المقبلة. وبحسب رواية الكتاب المقدس، لم يستجب له إلا عدد قليل، فصنع الفلك بأمر الله، ونجا هو ومن معه من الطوفان.
وأصبح نوح بعد الطوفان بمنزلة الأب الثاني للبشرية؛ لأن البشر ـ وفق الرواية الكتابية ـ انحدروا بعد ذلك من ذريته.
وتحمل قصة نوح عددًا من المعاني التبشيرية التي تكررت لاحقًا في الخطاب الديني، مثل التحذير من العقاب، والدعوة إلى التوبة، وبيان طريق النجاة، والتمييز بين من يقبل الرسالة ومن يرفضها.
دعوة إبراهيم والوعد بالنسل
بعد ذلك دعا الله أبرام، الذي سمي لاحقًا إبراهيم، إلى الخروج من أرضه وعشيرته، ووعده بأن يقوده إلى أرض كنعان، وهي المنطقة التي تقع فيها فلسطين التاريخية.
وكانت دعوة إبراهيم بداية مرحلة جديدة في الرواية الكتابية؛ إذ انتقلت الأحداث من الحديث عن البشرية بصفة عامة إلى التركيز على أسرة معينة سيخرج منها شعب يحمل رسالة دينية خاصة.
وقد وعد الله إبراهيم بأن يجعل نسله كثيرًا، وأن يخرج منه أممًا وشعوبًا. كما بشره بإسماعيل، فقال بحسب سفر التكوين:
«وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرًا جدًا. اثني عشر رئيسًا يلد، وأجعله أمة كبيرة»
(التكوين 17: 20).
وهذا النص يقرر بوضوح أن إسماعيل سيكون أصلًا لأمة كبيرة، وأن البركة الإلهية ستشمل نسله.
كما وردت وعود أخرى لإبراهيم تتعلق بتكثير نسله، فقال له الله بحسب سفر التكوين:
«انظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها... هكذا يكون نسلك»
(التكوين 15: 5).
ثم استمرت الوعود المتعلقة بإبراهيم وذريته، فولد له إسماعيل وإسحاق، وولد لإسحاق يعقوب وعيسو. أما يعقوب، الذي يسمى في الكتاب المقدس إسرائيل، فقد أنجب اثني عشر ولدًا، أصبحوا في الرواية التوراتية أصول أسباط بني إسرائيل الاثني عشر.
ومن هنا تحولت قصة إبراهيم ونسله إلى المحور الأساس الذي تدور حوله معظم أحداث العهد القديم.
الملائكة وتحذير لوط
وفي زمن إبراهيم أرسل الله ملائكته إلى لوط ليخبروه بالعقاب الذي سيحل بمدينتي سدوم وعمورة بسبب فساد أهلهما.
وحمل لوط رسالة تحذير إلى قومه، ودعاهم إلى ترك الفساد والعودة إلى الطريق المستقيم، إلا أنهم رفضوا دعوته، فحل بهم العقاب وفق الرواية الكتابية.
وتوضح هذه القصة أن دعوة الله في العهد القديم لم تكن دائمًا محصورة في بني إسرائيل، بل وُجد أنبياء ورسل توجهوا إلى جماعات وأمم أخرى.
يوسف والشهادة بالسلوك
ثم تأتي قصة يوسف، الذي انتقل إلى مصر عبدًا، ثم دخل بيت فوطيفار، الذي يعرف في بعض المصادر الإسلامية بالعزيز.
وقد لاحظ فوطيفار ومن حوله تميز يوسف وأمانته، وأدركوا أنه يعبد إلهًا مختلفًا عن آلهة المصريين. ثم رفعه الله ـ بحسب الرواية الكتابية ـ من العبودية والسجن إلى مكانة عالية في الدولة، حتى أصبح مسؤولًا عن إدارة شؤون البلاد في سنوات المجاعة.
وتقدم قصة يوسف صورة مختلفة من صور التبشير؛ إذ لم تكن دعوته قائمة على الوعظ المباشر وحده، بل على الشهادة بالسلوك.
فقد عرّف يوسف من حوله بإيمانه من خلال الأمانة والطهارة والحكمة والإخلاص، وأظهر لهم أن ما لديه من علم وقدرة على تفسير الرؤى إنما هو من الله.
وبذلك أصبح تميزه الأخلاقي ونجاحه في إدارة الأزمات وسيلة يتعرف من خلالها الآخرون إلى معتقده وإلهه.
موسى وبداية مرحلة الأنبياء المنظمة
دخلت الدعوة الدينية مرحلة جديدة عندما نادى الله موسى وكلفه بالذهاب إلى فرعون وبني إسرائيل.
فقد أمره أن يطالب بإطلاق بني إسرائيل من أرض مصر، وأن يدعوهم إلى عبادة الله والخضوع لأوامره. كما دعاه إلى مواجهة فرعون، الذي كان يمثل في الرواية التوراتية قمة الاستبداد والتمرد على إرادة الله.
وبعد خروج بني إسرائيل من مصر، أصبح موسى قائدهم ونبيهم ومشرعهم، وتلقى التوراة والشرائع التي نظمت حياتهم الدينية والاجتماعية.
وهكذا لم تعد الدعوة مجرد توجيهات فردية، بل أصبحت شريعة تنظم حياة جماعة كاملة، وتحدد عباداتها وأحكامها وعلاقتها بالله وبالأمم المحيطة بها.
وبعد وفاة موسى، تولى يشوع بن نون ـ وهو تلميذه وخليفته ـ قيادة بني إسرائيل، وأدخلهم أرض كنعان بحسب الرواية الكتابية.
عصر القضاة
بعد استقرار بني إسرائيل في أرض كنعان، دخل المجتمع الإسرائيلي في مرحلة اتسمت بالاضطراب السياسي والديني.
وكان بنو إسرائيل ـ بحسب سفر القضاة ـ يبتعدون عن عبادة الله، ثم يتعرضون لهجمات الشعوب المجاورة، فيصرخون إلى الله، فيقيم لهم قاضيًا يخلصهم ويعيد تنظيم حياتهم.
ولم يكن القضاة مجرد رجال قانون بالمفهوم الحديث، بل كانوا قادة دينيين وعسكريين واجتماعيين، يدعون الناس إلى الرجوع إلى الله، ويقودونهم في مواجهة أعدائهم.
ومن أشهر القضاة الذين ورد ذكرهم في الكتاب المقدس:
-
إهود.
-
دبورة.
-
جدعون.
-
يفتاح الجلعادي.
-
شمشون.
-
وغيرهم.
وقد تنوعت خلفيات هؤلاء القضاة وطرائق قيادتهم، إلا أنهم اشتركوا في مهمة أساسية، وهي إعادة بني إسرائيل إلى طاعة الله وتخليصهم من أعدائهم.
هل اقتصرت الرسالة على بني إسرائيل؟
على الرغم من أن إبراهيم ونسله، ثم الشعب الإسرائيلي، يمثلون المحور الأبرز في رواية العهد القديم، فإن الكتاب المقدس يشير كذلك إلى وجود أشخاص صالحين وأنبياء ارتبطوا بأمم أخرى أو أرسلوا إليها.
فلوط أرسل إلى أهل سدوم وعمورة.
ويونان ـ وهو يونس عليه السلام ـ أرسل إلى نينوى، وهي مدينة لم تكن من مدن بني إسرائيل.
كما يذكر الكتاب المقدس أيوب، الذي كان مؤمنًا بالله وصابرًا على البلاء، مع أن أحداث قصته لا تدور داخل المجتمع الإسرائيلي بالصورة المعروفة.
ويذكر كذلك بلعام وغيره من الشخصيات التي عرفت الله أو نسبت إليها أقوال نبوية، وإن اختلفت طبيعة عرض الكتاب المقدس لشخصياتهم ومواقفهم.
وهذا يدل على أن فكرة إرسال الأنبياء أو وجود دعاة إلى الله خارج بني إسرائيل لم تكن غائبة تمامًا عن التصور الكتابي، حتى وإن ظل التركيز الرئيس في معظم أسفار العهد القديم منصبًا على تاريخ الشعب الإسرائيلي.
صموئيل وقيام الملكية
استمرت مرحلة القضاة إلى أن ظهر النبي والكاهن صموئيل، الذي يعد من أبرز الشخصيات الانتقالية في تاريخ بني إسرائيل.
فقد عاش صموئيل في مرحلة تحولت فيها الجماعة الإسرائيلية من نظام القضاة إلى نظام الملكية، ومسح شاول ـ الذي يعرف في التراث الإسلامي بطالوت ـ ملكًا على بني إسرائيل.
ثم، بعد إخفاق شاول في بعض المواقف بحسب الرواية الكتابية، مُسح داود ملكًا، فجمع بين النبوة والملك، وأسس مملكة قوية في التاريخ الإسرائيلي.
وجاء بعد داود ابنه سليمان، الذي ارتبط اسمه ببناء الهيكل في أورشليم، وبفترة من القوة السياسية والازدهار الاقتصادي.
الأنبياء والملوك والدعوة إلى التوبة
بعد عصر داود وسليمان، شهدت المملكة انقسامات وصراعات سياسية ودينية. وانقسمت إلى مملكة إسرائيل في الشمال ومملكة يهوذا في الجنوب، وتكررت حالات الابتعاد عن الشريعة وعبادة الآلهة الأخرى.
وفي تلك الظروف، أرسل الله ـ بحسب رواية الكتاب المقدس ـ عددًا كبيرًا من الأنبياء لدعوة الملوك والشعوب إلى التوبة، والعودة إلى العبادة الخالصة، وإقامة العدل، وترك الظلم والفساد.
ومن أبرز هؤلاء الأنبياء:
-
أشعياء.
-
إيليا، وهو إلياس عليه السلام.
-
أليشع، وهو اليسع عليه السلام.
-
إرميا.
-
وغيرهم.
وكان هؤلاء الأنبياء يواجهون الملوك والكهنة وعامة الشعب، وينتقدون الانحراف الديني والاجتماعي، ويحذرون من أن مخالفة الشريعة ستؤدي إلى العقاب والهزيمة والسبي.
ولم تكن مواجهتهم سهلة؛ فقد تعرض كثير منهم للرفض والاضطهاد والإهانة، وقُتل بعض الأنبياء أو طوردوا بسبب رسالتهم.
وتذكر أسفار الأنبياء نماذج شديدة من الصراع بينهم وبين أبناء قومهم، كما يظهر في كتابات حبقوق وصفنيا وحجي وعوبديا وملاخي وغيرهم.
ولا يقدم الكتاب المقدس دائمًا معلومات تفصيلية عن حياة جميع هؤلاء الأنبياء أو كيفية وفاتهم، إلا أن نصوصه تكشف حجم المقاومة التي واجهوها، ولا سيما عندما اصطدمت دعوتهم بمصالح الحكام أو الكهنة أو الطبقات النافذة.
الانقسامات والسبي
أدت الصراعات الداخلية والانحرافات السياسية والدينية، إلى جانب التوسع العسكري للإمبراطوريات الكبرى، إلى سقوط الممالك الإسرائيلية.
فخضعت المملكة الشمالية للآشوريين، وتعرض سكانها للسبي والتشتيت. ثم سقطت مملكة يهوذا في يد البابليين، ودمرت أورشليم وهيكل سليمان سنة 586 قبل الميلاد تقريبًا.
وكان تدمير الهيكل الأول والسبي البابلي من أعظم الأزمات في التاريخ اليهودي، إذ فقد اليهود الأرض والملك والهيكل، واضطروا إلى إعادة تفسير علاقتهم بالله في ظل الهزيمة والتشتت.
ومع ذلك، استمرت دعوات الأنبياء إلى التوبة والرجوع إلى الله، وظهرت رسائل تؤكد أن السبي ليس نهاية الشعب، وأن الله قادر على إعادتهم إذا أصلحوا حالهم.
العودة وبناء الهيكل الثاني
بعد سقوط الدولة البابلية وسيطرة الفرس، سُمح لجماعات من اليهود بالعودة إلى أورشليم وإعادة بناء الهيكل.
وبني الهيكل الثاني بعد عقود من تدمير الهيكل الأول، ومن هنا بدأت المرحلة التي عرفت تاريخيًّا باسم فترة الهيكل الثاني.
وقد امتدت هذه الفترة قرونًا، وشهدت تغيرات دينية وثقافية وسياسية عميقة. ففيها أعيد تنظيم العبادة اليهودية، وازدادت مكانة الكهنة والكتبة، وتطورت المدارس الدينية، وأصبح تفسير الشريعة جزءًا مهمًّا من حياة المجتمع.
العصر الهلنستي ثم الحكم الروماني
بعد فتوحات الإسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد، دخلت بلاد اليهود ضمن المجال الحضاري الهلنستي، وانتشرت اللغة والثقافة اليونانيتان في مناطق واسعة من الشرق.
وقد أدى احتكاك اليهود بالثقافة الهلنستية إلى ظهور خلافات داخل المجتمع اليهودي بين من تأثروا بالثقافة اليونانية ومن تمسكوا بالتقاليد الدينية القديمة.
ثم دخلت فلسطين تحت السيطرة الرومانية سنة 63 قبل الميلاد، عندما دخل القائد الروماني بومبي أورشليم. ومنذ ذلك التاريخ أصبح اليهود خاضعين بدرجات مختلفة للنفوذ الروماني.
ولا ينبغي الخلط بين العصر الهلنستي والحكم الروماني؛ فالعصر الهلنستي بدأ قبل الاحتلال الروماني بقرون، بينما ورث الرومان كثيرًا من مظاهر الثقافة اليونانية وحافظوا على انتشارها.
وقد تركت البيئة اليونانية والرومانية آثارًا عميقة في المجتمع اليهودي من الناحية السياسية والفكرية واللغوية، كما أسهمت في زيادة الانقسامات الدينية والاجتماعية.
الفرق اليهودية قبيل ميلاد المسيح
في المرحلة التي سبقت ميلاد المسيح وظهور دعوته، كان المجتمع اليهودي منقسمًا إلى جماعات واتجاهات متعددة.
ومن أبرز هذه الجماعات:
الصدوقيون
كان الصدوقيون مرتبطين إلى حد كبير بطبقة الكهنة والأغنياء، وكانت لهم مكانة قوية في إدارة الهيكل. ولا تذكر المصادر أنهم آمنوا بقيامة الموتى أو بالحياة الآخرة بالصورة التي آمن بها الفريسيون.
الفريسيون
كان الفريسيون من أكثر الجماعات اهتمامًا بالشريعة وتفسيرها والتقاليد المتوارثة. وقد تمتعوا بتأثير ديني واجتماعي واسع بين عامة الناس.
الكتبة
كان الكتبة متخصصين في نسخ الشريعة وشرحها وتعليمها، وارتبط كثير منهم بالفريسيين، حتى أصبحوا من أبرز المرجعيات الدينية في المجتمع اليهودي.
عامة اليهود
كانت الغالبية من عامة الناس، من الفلاحين والصيادين والحرفيين والفقراء، الذين عاشوا تحت ضغط الضرائب والاحتلال الروماني والنزاعات الدينية.
الجماعات الزاهدة والمتنسكة
وُجدت كذلك جماعات انعزلت عن المجتمع بدرجات مختلفة، ومارست حياة من الزهد والانضباط الديني الشديد، ويقارنها بعض الباحثين بالرهبان من حيث نمط الحياة، وإن لم تكن الرهبنة اليهودية مطابقة للرهبنة المسيحية اللاحقة.
وهكذا كان المجتمع اليهودي قبيل ميلاد المسيح مجتمعًا شديد التعقيد؛ تداخَل فيه الاحتلال الأجنبي مع الصراعات الدينية والاجتماعية، وانتشرت فيه التطلعات إلى ظهور مخلّص أو مسيح يعيد لإسرائيل مجدها وينقذها من أعدائها.
وفي هذه البيئة انتهت المرحلة التي اصطلح المسيحيون على تسميتها العهد القديم، وبدأت مرحلة جديدة بميلاد المسيح عليه السلام وظهور دعوته، وهي المرحلة التي يعرضها القسم التالي تحت عنوان التبشير في العهد الجديد.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة