+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف3 ج2 / 7 من كتاب دليل التنصير تاريخ التبشير (التنصير) وقت المسيح وتلاميذه (حواريه),

antievangelism · 31 July, 2026

 

 

المسيح والتلاميذ

 

من دعوة بني إسرائيل إلى التبشير بين الأمم

 

لم يكن المسيح عليه السلام الشخصية الوحيدة التي ظهرت في تلك المرحلة داعيةً إلى التوبة والعودة إلى الله، بل يذكر العهد الجديد عددًا من الشخصيات الدينية التي سبقت دعوته أو عاصرته، وكان لها دور في تهيئة المجتمع اليهودي لاستقبال مرحلة جديدة من الدعوة.

 

ومن هذه الشخصيات حَنَّة بنت فنوئيل، التي وصفها إنجيل لوقا بأنها نبية متقدمة في السن، وكانت ملازمة للعبادة في الهيكل. كما يذكر العهد الجديد زكريا الكاهن وابنه يوحنا المعمدان، وهو يحيى عليه السلام، الذي عُدَّ من أبرز الدعاة إلى التوبة في المرحلة السابقة لظهور المسيح.

 

وقد جاء في إنجيل متى:

«وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية قائلًا: توبوا، لأنه قد اقترب ملكوت السماوات»
(متى 3: 1-2).

 

وتكشف هذه الدعوة عن الموضوع المركزي الذي كان يوحنا يركز عليه، وهو التوبة والاستعداد لملكوت الله. فلم تكن دعوته قائمة على تأسيس مؤسسة دينية مستقلة بقدر ما كانت نداءً أخلاقيًّا وروحيًّا يطالب الناس بمراجعة أنفسهم والعودة إلى الله.

 

وكان ليوحنا المعمدان تلاميذ يرافقونه ويتعلمون منه، كما كان للمسيح تلاميذ ارتبطوا به وتلقوا عنه تعاليمه. وهذا يدل على أن نظام التلمذة، الذي يقوم على ملازمة المعلم والتدرب على يديه، كان معروفًا في البيئة الدينية اليهودية في ذلك العصر.

 


 

إرسال التلاميذ في مجموعات

 

اعتمد المسيح في دعوته على تدريب مجموعة من التلاميذ، ثم إرسالهم إلى المدن والقرى لنقل الرسالة التي كان ينادي بها.

 

فلم يحتفظ بتلاميذه حوله بصورة دائمة، وإنما نقلهم تدريجيًّا من مرحلة التعلم والاستماع إلى مرحلة المشاركة العملية في الدعوة. وكان هذا التحول جزءًا مهمًّا من تكوينهم، إذ أصبحوا مطالبين بتطبيق ما تعلموه، ومواجهة الناس، وتحمل الرفض والمشقة.

 

ويذكر إنجيل لوقا أن المسيح عين سبعين آخرين وأرسلهم اثنين اثنين، فقال:

«وبعد ذلك عين الرب سبعين آخرين أيضًا، وأرسلهم اثنين اثنين أمام وجهه إلى كل مدينة وموضع حيث كان هو مزمعًا أن يأتي. فقال لهم: إن الحصاد كثير، ولكن الفعلة قليلون. فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده. اذهبوا! ها أنا أرسلكم مثل حملان بين ذئاب. لا تحملوا كيسًا ولا مزودًا ولا أحذية، ولا تسلموا على أحد في الطريق. وأي بيت دخلتموه فقولوا أولًا: سلام لهذا البيت. فإن كان هناك ابن السلام يحل سلامكم عليه، وإلا فيرجع إليكم. وأقيموا في ذلك البيت آكلين وشاربين مما عندهم، لأن الفاعل مستحق أجرته. لا تنتقلوا من بيت إلى بيت. وأية مدينة دخلتموها وقبلوكم، فكلوا مما يقدم لكم، واشفوا المرضى الذين فيها، وقولوا لهم: قد اقترب منكم ملكوت الله. وأية مدينة دخلتموها ولم يقبلوكم، فاخرجوا إلى شوارعها وقولوا: حتى الغبار الذي لصق بنا من مدينتكم ننفضه لكم. ولكن اعلموا هذا: إنه قد اقترب منكم ملكوت الله... الذي يسمع منكم يسمع مني، والذي يرذلكم يرذلني، والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني. فرجع السبعون بفرح قائلين: يا رب، حتى الشياطين تخضع لنا باسمك!»
(لوقا 10: 1-17).

 

ويقدم هذا النص نموذجًا مبكرًا للعمل التبشيري المنظم، إذ يجمع بين التدريب، والإرسال، وتوزيع الأدوار، والتوجيه الأخلاقي، والتعامل مع قبول الناس أو رفضهم.


 

الدروس التبشيرية المستفادة من إرسال السبعين

 

يمكن استخلاص عدد من المبادئ المهمة من التعليمات التي أعطاها المسيح لتلاميذه في هذا النص.

 

أولًا: العمل في فريق

 

أرسل المسيح التلاميذ اثنين اثنين، ولم يرسل كل واحد منهم منفردًا.

 

ويحقق وجود المرافق عددًا من الفوائد النفسية والعملية؛ فمن الناحية النفسية يكون كل واحد سندًا للآخر، ولا سيما في الغربة أو عند التعرض للرفض والتهديد. أما من الناحية العملية، فيمكن لكل منهما أن يعين صاحبه، ويراقب أداءه، ويقوم أخطاءه، ويشجعه على الاستمرار.

 

كما أن وجود شاهدين يمنح الرسالة قدرًا أكبر من القوة والمصداقية في البيئة اليهودية، التي كانت تقيم وزنًا لشهادة أكثر من شخص.

 

ومن هنا أصبح إرسال المبشرين في مجموعات صغيرة أو ثنائيات من الأساليب التي تكررت لاحقًا في تاريخ النشاط التبشيري.

 

ثانيًا: توزيع المبشرين على مناطق متعددة

 

لم يرسل المسيح جميع تلاميذه إلى مدينة واحدة، بل فرقهم بين المدن والمواضع التي كان ينوي الذهاب إليها.

 

وكان الهدف من ذلك توسيع نطاق الرسالة والوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس في وقت أقصر. كما كان التلاميذ يمهدون الطريق أمام المسيح، فيخبرون الناس بقرب مجيئه ويدعونهم إلى الاستعداد لسماع تعاليمه.

 

ويكشف هذا عن مبدأ مهم في التخطيط التبشيري، وهو عدم تركيز جميع الجهود في مكان واحد إذا كانت الرسالة تستهدف مناطق متعددة.

 

ثالثًا: تشبيه المجتمع بالحقل

 

قال المسيح لتلاميذه:

«إن الحصاد كثير، ولكن الفعلة قليلون.»

 

وفي هذا التشبيه يصبح الناس كالحقل الذي نضج زرعه وحان وقت حصاده، بينما يمثل المبشرون العمال الذين يدخلون ذلك الحقل.

 

ولا يقصد بالتشبيه أن البشر أشياء مادية تُحصد، وإنما يشير إلى كثرة من يحتاجون إلى الدعوة وقلة من يتولون هذه المهمة.

وقد أصبح تعبير الحصاد من المصطلحات المتداولة في الأدبيات التبشيرية المسيحية، فيقال عن منطقة ما إنها حقل للعمل، وعن زيادة عدد المؤمنين إنها حصاد روحي.

 

رابعًا: الاستعداد للمحن والمقاومة

 

حذر المسيح تلاميذه من أن مهمتهم لن تكون سهلة، فقال:

«ها أنا أرسلكم مثل حملان بين ذئاب.»

 

ويشير هذا التشبيه إلى الضعف الظاهر الذي سيكون عليه الدعاة في مواجهة خصوم أقوياء أو بيئات رافضة.

 

فالحمل لا يمتلك قوة الذئب ولا أنيابه، لكنه يمثل في هذا السياق المسالمة وعدم اللجوء إلى العنف. أما الذئاب فترمز إلى الأخطار والعداوات التي قد تواجه التلاميذ.

 

وبذلك كان المسيح يهيئهم نفسيًّا لاحتمال الرفض والاضطهاد، حتى لا يتراجعوا عند أول مواجهة.

 

خامسًا: عدم الانشغال بالمادة والمظهر

 

أمر المسيح تلاميذه ألا يحملوا كيسًا ولا مزودًا ولا أحذية إضافية، وألا ينشغلوا في الطريق بالمجاملات الطويلة أو الأحاديث التي تؤخرهم عن مهمتهم.

 

ويمكن فهم هذه التعليمات في إطار تدريبهم على الثقة بالله، والزهد في المظاهر، والتركيز على الرسالة التي كلفوا بإيصالها.

 

فالمبشر في هذه الصورة لا يخرج طلبًا للمال أو الرفاهية أو الوجاهة الاجتماعية، وإنما يخرج لأداء مهمة محددة. ولذلك ينبغي ألا يطغى اهتمامه بحاجاته الشخصية أو شكله الخارجي على مضمون رسالته.

 

ولا يعني ذلك تحريم امتلاك المال أو الطعام في ذاته، وإنما المقصود في سياق هذه المهمة الخاصة أن تكون الأولوية للدعوة، وأن يتدرب التلاميذ على الاستغناء عن الكماليات.

 

سادسًا: الاستقرار وعدم التنقل طلبًا للأفضل

 

أمر المسيح تلاميذه أن يقيموا في البيت الذي يستقبلهم، وألا ينتقلوا من بيت إلى آخر.

 

وقد يكون سبب ذلك منعهم من البحث عن بيت أكثر راحة أو طعام أفضل، حتى لا تتحول الدعوة إلى وسيلة للحصول على الامتيازات.

 

كما أن الاستقرار في مكان واحد يساعدهم على التركيز في مهمتهم، ويجنبهم الانشغال بالعزائم ورسميات الانتقال والزيارات، ويمنحهم قاعدة ثابتة يتحركون منها داخل المدينة.

 

سابعًا: عدم إكراه الرافضين

 

إذا دخل التلاميذ مدينة ولم يقبلهم أهلها، لم يأمرهم المسيح بإجبار الناس أو استعمال القوة ضدهم، وإنما أمرهم بالخروج منها وإعلان أنهم قد أدوا ما عليهم.

 

وكان نفض غبار المدينة تعبيرًا رمزيًّا عن انتهاء مسؤوليتهم بعد إبلاغ الرسالة.

 

ويكشف ذلك أن الدعوة في هذه المرحلة قامت على البلاغ والإقناع، لا على الإكراه؛ فمن قبل الرسالة استمع إليها، ومن رفضها تُرك لاختياره، مع تحميله ـ وفق المعتقد المسيحي ـ مسؤولية رفضه.

 

ثامنًا: الرسالة المركزية هي اقتراب ملكوت الله

 

كانت العبارة التي أمر المسيح تلاميذه بتكرارها هي:

«قد اقترب منكم ملكوت الله.»

 

وتدل هذه العبارة على أن الرسالة الأساسية لم تكن دعوة الناس إلى عبادة المسيح نفسه، وإنما دعوتهم إلى التوبة والاستعداد لحكم الله وملكوته.

 

فالمسيح والتلاميذ كانوا ينادون باقتراب ملكوت الله، ويطالبون الناس بتصحيح علاقتهم به وترك الخطايا.


 

بطرس: من الاندفاع إلى القيادة

 

كان بطرس من أبرز تلاميذ المسيح، وتظهره روايات الأناجيل إنسانًا مندفعًا سريع الاستجابة، ولكنه كان كذلك متسرعًا في بعض مواقفه.

 

وقد مر بطرس خلال ملازمته للمسيح بمرحلة من التربية والتغيير؛ فتعلم من أخطائه، وتلقى توجيهات متكررة، وأصبح لاحقًا من أهم قادة جماعة التلاميذ.

 

وينسب إنجيل متى إلى المسيح قوله له:

«وأنا أقول لك أيضًا: أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها»
(متى 16: 18).

 

وقد اختلفت التفسيرات المسيحية في المقصود بالصخرة؛ فبعضهم يرى أنها شخص بطرس، وبعضهم يرى أنها إيمانه أو اعترافه بالمسيح. غير أن الكنيسة الكاثوليكية اعتمدت هذا النص في منح بطرس منزلة خاصة، وتعده أول بابا في سلسلة بابوات روما.

 

وبحسب سفر أعمال الرسل، كان بطرس أول واعظ بارز بعد رفع المسيح، وألقى خطابًا أمام الجموع في يوم الخمسين، فاستجاب لدعوته نحو ثلاثة آلاف شخص.

 

وهكذا تحول بطرس من صياد بسيط وتلميذ مندفع إلى قائد ديني وخطيب يقف أمام الآلاف ويدعوهم إلى التوبة.


 

الوكالة الأخيرة للتلاميذ

 

تذكر خاتمة الأناجيل أن المسيح أعطى تلاميذه وكالةً لمواصلة الدعوة بعد انتهاء وجوده بينهم.

 

فقد أمرهم ـ بحسب النصوص المسيحية ـ أن يذهبوا إلى العالم، ويعلنوا الإنجيل، ويعلموا الناس وصاياه، ويعمدوا من يؤمن بالرسالة.

 

وجاء في إنجيل مرقس:

«اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها»
(مرقس 16: 15).

 

ويفهم المسيحيون من هذه الوصية أن مرحلة إعداد التلاميذ قد اكتملت، وأنهم أصبحوا جاهزين للخروج إلى الخدمة والتبشير.

 

فبعد أن كانوا مستمعين ومتعلمين ومرافقين للمسيح، أصبحوا مسؤولين عن حمل الرسالة إلى غيرهم، وتأسيس جماعات من المؤمنين، وتدريب أشخاص جدد على مواصلة العمل.

 

وهكذا تأسس مبدأ تناقل الرسالة من جيل إلى آخر: المسيح يدرب التلاميذ، والتلاميذ يدربون المؤمنين الجدد، ثم يخرج هؤلاء لتبشير آخرين.


 

يوم الخمسين وانطلاق الجماعة الأولى

 

يذكر سفر أعمال الرسل أنه في يوم الخمسين، وبعد رفع المسيح، حل الروح القدس على التلاميذ، فاعتبر المسيحيون هذا الحدث القوة الروحية التي دفعتهم إلى الخروج والخدمة والتبشير.

 

وقد وقف بطرس أمام الجماهير ينادي بالتوبة، بعد أن كان هو والتلاميذ قبل ذلك يخشون القبض عليهم أو تعرضهم للملاحقة.

ويرى المسيحيون أن هذا التحول من الخوف إلى الجرأة كان نتيجة امتلائهم بالروح القدس.

 

وبعد استجابة أعداد جديدة لدعوتهم، بدأت تتكون جماعة دينية منظمة تضم التلاميذ والمؤمنين الجدد. ويستعمل سفر أعمال الرسل مصطلح الشركة للدلالة على الوحدة التي ربطت بينهم، ومشاركتهم في الصلاة والتعليم والطعام ومساعدة المحتاجين.

 

وكان لهذه الجماعة عدد من العوامل التي ساعدتها على الاستمرار والانتشار.

 

التعليم

 

لم يكن الحماس وحده كافيًا لإنجاح التبشير، بل كان على المبشر أن يعرف المادة التي يتحدث عنها، وأن يكون قادرًا على شرحها والإجابة عن أسئلة الناس واعتراضاتهم.

 

ولهذا كان تعليم الرسل جزءًا أساسيًّا من حياة الجماعة الأولى. وكان المؤمنون الجدد يلازمون التلاميذ ليتعلموا منهم تفسير النصوص وقصة المسيح وما يعدونه طريق الخلاص.

 

وهذه قاعدة عامة في العمل التبشيري؛ فالمبشر الذي لا يعرف عقيدته أو لا يحسن عرضها قد يسيء إلى الرسالة التي يريد الدفاع عنها.

 

الشركة والوحدة

 

ساعدت الوحدة بين أفراد الجماعة على خلق قوة اجتماعية ونفسية أمام المجتمع اليهودي والسلطة الرومانية.

فالفرد المنعزل قد يشعر بالخوف أو الضعف، أما الجماعة المتماسكة فتمنح أفرادها الثقة والدعم، وتوفر لهم الطعام والمأوى والحماية المعنوية.

 

ولهذا كانت الشركة عنصرًا مهمًّا في نجاح الكنيسة الأولى.

 

الصلاة

 

كانت الصلاة ـ بحسب سفر أعمال الرسل ـ مصدرًا للقوة والثبات والجرأة.

 

وجاء فيه:

«ولما صلوا تزعزع المكان الذي كانوا مجتمعين فيه، وامتلأ الجميع من الروح القدس، وكانوا يتكلمون بكلام الله بمجاهرة»
(أعمال الرسل 4: 31).

 

ويربط النص بين الصلاة وبين الجرأة في الكلام العلني. فبعد أن صلوا، أصبحوا يتحدثون بمجاهرة، دون خوف من معارضة الكهنة أو تهديد السلطات.


 

بداية الاضطهاد

 

أدى الانتشار المتزايد لدعوة التلاميذ وجرأتهم في الخطاب إلى إثارة غضب بعض القيادات الدينية اليهودية.

 

فقد رأى الكهنة أن الحركة الجديدة تهدد نفوذهم وتتهمهم بالمسؤولية عن رفض المسيح. كما خافوا من اضطراب الشعب ومن تدخل السلطات الرومانية إذا تحولت الحركة الدينية إلى احتجاج عام.

 

وبدأت لذلك عمليات الاستدعاء والتحقيق والتهديد والسجن، ثم تطور الأمر إلى القتل.

 

ويذكر سفر أعمال الرسل أن استفانوس كان أول من قُتل بسبب إيمانه بالمسيح، ولذلك يعده المسيحيون أول شهيد في تاريخ الكنيسة.

 

ومع اشتداد الاضطهاد، تفرق كثير من المؤمنين خارج أورشليم. غير أن هذا التفرق لم ينهِ الدعوة، بل أسهم في انتشارها؛ لأن الذين غادروا المدينة حملوا معتقداتهم معهم إلى المناطق الجديدة.

 

وفي تلك المرحلة لم يلجأ التلاميذ والمسيحيون الأوائل ـ بحسب الرواية الواردة في سفر الأعمال ـ إلى العنف دفاعًا عن دعوتهم، بل كان هدفهم إيصال ما يعدونه كلمة الإنجيل إلى اليهود وغيرهم.


 

فيلبس والانتقال إلى السامرة وغزة

 

بعد تفرق المؤمنين، اتجه بعضهم إلى السامرة، حيث وجدوا قبولًا لدى عدد من الناس.

 

وكان فيلبس من أوائل الذين فتحوا باب الدعوة في تلك المنطقة، فبشر أهلها، ثم انتقل جنوبًا في اتجاه غزة.

 

وفي الطريق قابل رجلًا حبشيًّا كان يشغل منصبًا مهمًّا في بلاط ملكة الحبشة. وكان الرجل يقرأ من سفر أشعياء، فشرح له فيلبس النص وربطه بالمسيح، ثم آمن الرجل وتعمد على يديه بحسب رواية سفر أعمال الرسل.

 

ولم يكن هذا الرجل ـ بحسب النص ـ أحد قادة الجند، بل كان مسؤولًا رفيعًا عن خزائن ملكة الحبشة، أي موظفًا كبيرًا في الدولة.

 

ثم انتقل فيلبس إلى أشدود، وبعدها واصل سيره حتى وصل إلى قيصرية.

 

وتكشف هذه الرحلة عن توسع تدريجي في مجال الدعوة؛ فقد انتقلت من أورشليم إلى السامرة، ثم وصلت إلى رجل قادم من إفريقيا، مما مهد لتحول المسيحية من حركة يهودية محلية إلى دعوة عابرة للحدود.

 


 

من اليهود إلى الأمم

 

في تلك الفترة كانت الجماعة المؤمنة بالمسيح تتكون في الأساس من اليهود. ولم يكن أتباع المسيح قد عُرفوا بعد باسم المسيحيين، بل كانوا يعدون أنفسهم جماعة يهودية تؤمن بأن المسيح الموعود قد ظهر.

 

وكان كثير منهم يحافظون على الشريعة اليهودية، ويذهبون إلى الهيكل، ويمارسون العادات الدينية الموروثة.

 

لكن انتشار أخبار هذه الجماعة أثار فضول اليونانيين وغير اليهود الذين كانوا يعيشون بالقرب من المجتمعات اليهودية.

 

وهنا نشأ خلاف داخل الجماعة الأولى: هل يجوز إيصال رسالة المسيح إلى غير اليهود، أم أن الدعوة موجهة إلى بني إسرائيل وحدهم؟

 

ولم يكن هذا السؤال بسيطًا؛ لأن اليهود كانوا يرون أنفسهم شعب العهد، وكانت الشريعة تضع حدودًا فاصلة بينهم وبين الأمم في الطعام والعبادة والعلاقات الاجتماعية.


 

رؤيا بطرس والتحول التاريخي

 

يروي سفر أعمال الرسل أن بطرس رأى رؤيا شكلت نقطة تحول كبيرة في تاريخ التبشير، فقال:

«ثم في الغد، فيما هم يسافرون ويقتربون إلى المدينة، صعد بطرس على السطح ليصلي نحو الساعة السادسة. فجاع كثيرًا واشتهى أن يأكل. وبينما هم يهيئون له، وقعت عليه غيبة، فرأى السماء مفتوحة، وإناء نازلًا عليه مثل ملاءة عظيمة مربوطة بأربعة أطراف ومدلاة على الأرض. وكان فيها كل دواب الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء. وصار إليه صوت: قم يا بطرس، اذبح وكل. فقال بطرس: كلا يا رب، لأني لم آكل قط شيئًا دنسًا أو نجسًا. فصار إليه أيضًا صوت ثانية: ما طهره الله لا تدنسه أنت. وكان هذا على ثلاث مرات، ثم ارتفع الإناء أيضًا إلى السماء»
(أعمال الرسل 10: 9-16).

 

كان اليهود يتجنبون أنواعًا من الأطعمة التي تعدها شريعة موسى نجسة، كما كان المتشددون منهم يتحفظون على الاختلاط بالأمميين، أي غير اليهود.

 

وكان بطرس من المتمسكين بهذه الحدود، لذلك رفض في الرؤيا أن يأكل ما اعتبره نجسًا.

 

غير أن الصوت قال له:

«ما طهره الله لا تدنسه أنت.»

 

وقد فهم بطرس بعد ذلك أن الرؤيا لا تتعلق بالطعام وحده، بل تحمل دلالة أوسع، وهي ألا يعد غير اليهود نجسين أو غير مستحقين لسماع الدعوة.

 

وهكذا انتقل معنى التطهير في الرؤيا من الطعام إلى البشر، وأصبحت الرؤيا مبررًا لزيارة بطرس بيت رجل أممي وتبشيره.


 

كرنيليوس وفتح باب الأمم

 

كان كرنيليوس قائدًا رومانيًّا، ويصفه سفر أعمال الرسل بأنه كان رجلًا تقيًّا يخاف الله ويتصدق على الناس ويصلي باستمرار.

 

وبحسب الرواية، تلقى كرنيليوس أمرًا بأن يرسل من يستدعي بطرس، وفي الوقت نفسه تلقى بطرس الرؤيا التي غيرت فهمه للعلاقة مع غير اليهود.

 

وعندما دخل بطرس بيت كرنيليوس، أقر بأن اليهودي كان يعد الاختلاط برجل أجنبي أمرًا غير جائز بحسب العرف الديني، لكنه أعلن أن الله أراه ألا يقول عن إنسان إنه دنس أو نجس.

 

ثم تحدث إلى كرنيليوس وعائلته، فآمنوا واعتمدوا بحسب رواية سفر الأعمال.

 

ويعد كرنيليوس وعائلته من أوائل غير اليهود الذين دخلوا الجماعة المسيحية على يد بطرس دون أن يتحولوا أولًا إلى اليهودية.

 

وكان لهذا الحدث أثر بالغ؛ لأنه فتح الباب أمام قبول الأمميين، لكنه لم ينهِ الخلاف داخل الجماعة. فقد ظل كثير من المؤمنين اليهود متحفظين، وطالب بعضهم غير اليهود بالختان والالتزام بشريعة موسى.

 

ثم جاء بولس لاحقًا، فوسع هذا الاتجاه وروج بقوة لفكرة تبشير العالم أجمع دون تفريق بين اليهودي وغير اليهودي، ودون إلزام المؤمنين من الأمم بجميع أحكام الشريعة اليهودية.

 

وبذلك أصبحت رؤيا بطرس والجدل الذي تبعها تمهيدًا للتحول الكبير الذي ستشهده المسيحية على يد بولس.


 

انتقال التبشير إلى مصر

 

لم يتوقف انتشار الدعوة عند فلسطين والسامرة والمناطق القريبة، بل بدأت تتحرك في اتجاه عدد من الأقاليم الخاضعة للإمبراطورية الرومانية.

 

وبحسب التقليد الكنسي القبطي، ذهب مرقس إلى مصر لنشر معتقداته وتأسيس الجماعة المسيحية فيها، وتذكر بعض الروايات الكنسية أن وصوله كان نحو سنة 42م.

 

وأصبح مرقس في الذاكرة القبطية مؤسس كنيسة الإسكندرية وأول قادتها، ثم تحولت مصر لاحقًا إلى واحد من أهم المراكز المسيحية في التاريخ، وكان لها دور كبير في تطور الفكر اللاهوتي والرهبنة والجدالات العقائدية.

 

وهكذا انتقلت الدعوة المسيحية خلال فترة قصيرة من جماعة يهودية صغيرة في أورشليم إلى حركة بدأت تنتشر في السامرة وسواحل فلسطين وإفريقيا وآسيا الصغرى، قبل أن تتوسع بصورة أكبر مع رحلات بولس ونشاط الكنائس الأولى.

 

خلاصة المرحلة

 

تكشف مرحلة المسيح والتلاميذ أن التبشير المسيحي مر بعدة تحولات متتالية.

 

بدأت الدعوة بنداء إلى التوبة واقتراب ملكوت الله داخل المجتمع اليهودي، ثم اعتمد المسيح نظام التلمذة وإرسال الدعاة في مجموعات. وبعد رفعه، تشكلت الجماعة الأولى حول التعليم والشركة والصلاة، وواجهت الاضطهاد، فتفرق أفرادها وحملوا دعوتهم إلى مناطق جديدة.

 

ثم وقع التحول الأكبر عندما فُتح باب قبول غير اليهود، أولًا بصورة محدودة ومترددة على يد بطرس، ثم بصورة أوسع في مرحلة بولس.

 

وبذلك لم تعد الدعوة مقصورة على خراف بيت إسرائيل الضالة، وإنما بدأت تتحول إلى رسالة عالمية تستهدف الشعوب والأمم المختلفة، وهو التحول الذي سيؤثر لاحقًا في مضمون العقيدة المسيحية وأساليب انتشارها وتكوين مؤسساتها.