+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف3 ج3 / 7 كتاب دليل التنصير تاريخ التبشير (التنصير) ورحلات بولس, ربى قعوار

antievangelism · 31 July, 2026

 

 

بولس

 

من مضطهِدٍ للكنيسة إلى أبرز مبشري المسيحية بين الأمم

 

على الرغم من أن بولس يُعرف في التراث المسيحي بلقب الرسول، فإن قصته تختلف اختلافًا واضحًا عن قصص الرسل الأوائل الذين عاشوا مع المسيح وتلقوا عنه مباشرة، مثل بطرس ويعقوب ويوحنا.

 

فبولس لم يكن تلميذًا ليسوع في حياته الأرضية، ولم يرافقه في تجواله، ولم يسمع تعاليمه منه مباشرة، ولم يشهد الأحداث التي تنسبها الأناجيل إلى مرحلة دعوته في فلسطين.

 

وهذا ما يجعل تجربة بولس ذات طبيعة مختلفة عن تجربة الحواريين؛ فهو لم يعرف المسيح الأرضي، وإنما أعلن أنه عرف المسيح بعد رفعه، من خلال رؤيا وتجربة روحية وقعت له في طريق دمشق.

 

ولهذا تمثل حياة بولس، في الفكر المسيحي، نموذجًا أقرب إلى تجربة المسيحيين الذين جاؤوا بعد عصر المسيح؛ إذ إن هؤلاء لم يلتقوا يسوع الإنسان وجهًا لوجه، وإنما آمنوا به من خلال الروايات والتجارب الروحية وتعاليم الكنيسة.

 

ومن هنا أصبحت خبرة بولس بالمسيح القائم ـ بحسب الاعتقاد المسيحي ـ نموذجًا يحتذيه المؤمنون الذين يرون أنفسهم منفصلين زمنيًّا ومكانيًّا عن المسيح الأرضي، لكنهم يعتقدون أنهم يستطيعون معرفته روحيًّا والإيمان به كما آمن بولس.


 

شاول الفريسي

 

كان اسم بولس قبل دخوله في الحركة المسيحية شاول، وكان يهوديًّا فريسيًّا متمرسًا في الشريعة وعالمًا بديانته.

 

وكان الفريسيون من أكثر الجماعات اليهودية تشددًا في المحافظة على الشريعة والتقاليد الدينية، ولذلك كان شاول يرى في الحركة الجديدة خطرًا على العقيدة اليهودية والنظام الديني القائم.

 

ويظهر اسمه لأول مرة في سفر أعمال الرسل في سياق مقتل استفانوس، أحد أوائل الدعاة إلى المسيحية.

 

وقد ألقى استفانوس خطابًا طويلًا عرض فيه تاريخ بني إسرائيل، ثم انتهى إلى توجيه اتهامات شديدة إلى مستمعيه في أورشليم، فقال:

«أي الأنبياء لم يضطهده آباؤكم؟ وقد قتلوا الذين سبقوا فأنبأوا بمجيء البار، الذي أنتم الآن صرتم مسلميه وقاتليه، الذين أخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه»
(أعمال الرسل 7: 52-53).

 

وقد أثارت هذه الكلمات غضب الجمهور، ولا سيما أنه اتهمهم باتباع طريق من اضطهدوا الأنبياء وقتلوهم.

 

ثم يذكر سفر أعمال الرسل أن استفانوس رأى رؤيا بيسوع في السماء، فازداد غضب الجمهور عليه، وأخرجوه خارج المدينة ورجموه.

 

وجاء في النص:

«وأخرجوه خارج المدينة ورجموه. والشهود خلعوا ثيابهم عند رجلي شاب يقال له شاول»
(أعمال الرسل 7: 58).

 

ثم يضيف السفر:

«وكان شاول راضيًا بقتله. وحدث في ذلك اليوم اضطهاد عظيم على الكنيسة التي في أورشليم، فتشتت الجميع في كور اليهودية والسامرة، ما عدا الرسل»
(أعمال الرسل 8: 1).

 

ولا يذكر النص أن شاول شارك بنفسه في رجم استفانوس بالحجارة، لكنه يقرر بوضوح أنه كان راضيًا عن قتله ومؤيدًا له.

 

كما أن وضع الشهود ثيابهم عند قدميه قد يدل على أنه لم يكن مجرد متفرج عابر، بل ربما كان يتمتع بمكانة أو دور قيادي بين المشاركين في الاضطهاد.


 

بداية اضطهاد الكنيسة

 

بعد مقتل استفانوس، بدأ شاول حملة نشطة ضد أتباع المسيح.

 

ويقول سفر أعمال الرسل:

«وأما شاول فكان يسطو على الكنيسة، وهو يدخل البيوت ويجر رجالًا ونساء ويسلمهم إلى السجن»
(أعمال الرسل 8: 3).

 

وهذا النص يصوره رجلًا شديد العداء للحركة المسيحية، لا يكتفي برفضها فكريًّا، بل يلاحق أتباعها في بيوتهم ويسلمهم إلى السجون.

 

وبعد هذا الذكر، ينتقل الإصحاح الثامن إلى الحديث عن فيلبس ورسل أورشليم، وبخاصة بطرس ويوحنا، وعن نجاحهم في التبشير في مناطق أخرى.

 

ثم يظهر شاول مرة أخرى في بداية الإصحاح التاسع في صورة أشد قسوة، فيقول النص:

«أما شاول فكان لم يزل ينفث تهددًا وقتلًا على تلاميذ الرب»
(أعمال الرسل 9: 1).

 

ويستخدم النص تعبيرًا قويًّا يدل على أن التهديد والقتل كانا يملآن نفسه، وأنه لم يكن قد تراجع عن موقفه، بل كان مصممًا على مواصلة ملاحقة الحركة الجديدة.


 

الطريق إلى دمشق

 

بعد هذه المقدمة تبدأ الرواية المشهورة لتحول شاول.

 

كان شاول في طريقه إلى دمشق لملاحقة المؤمنين بالمسيح والقبض عليهم، عندما حدثت له ـ بحسب سفر أعمال الرسل ـ تجربة درامية غيرت مسار حياته كله.

 

فقد أضاء حوله نور شديد من السماء، وسقط على الأرض، وسمع صوتًا يناديه ويسأله عن سبب اضطهاده للمسيح.

 

وبعد هذه التجربة أصيب بالعمى ثلاثة أيام، ودخل دمشق عاجزًا عن الرؤية، يقوده الذين كانوا معه.

 

وتعد هذه اللحظة في الرواية المسيحية نقطة التحول المركزية في حياة بولس؛ فمن رجل يطارد أتباع المسيح تحول إلى واحد من أبرز المدافعين عن المسيحية والناشرين لها.


 

حنانيا ومعمودية شاول

 

كان في دمشق تلميذ يدعى حنانيا.

 

وبحسب الرواية، تلقى حنانيا أمرًا من المسيح في رؤيا بأن يذهب إلى شاول، لكنه تردد في البداية؛ لأنه كان يعلم ما فعله شاول بالمؤمنين، وسمع عن اضطهاده الشديد لهم.

 

غير أن حنانيا أُمر بالذهاب إليه، وقيل له إن شاول سيكون أداة مختارة لحمل الرسالة إلى الأمم والملوك وبني إسرائيل.

 

فذهب حنانيا إليه، ووضع يديه عليه، فعاد إليه بصره، ثم تعمد شاول مباشرة.

 

وهنا يظهر التحول السريع في الرواية؛ فالرجل الذي جاء إلى دمشق لاعتقال المؤمنين أصبح واحدًا منهم، والرجل الذي كان يكره اسم المسيح أصبح ينادي به.


 

بداية التبشير في دمشق

 

بعد معموديته لم ينتظر شاول فترة طويلة، بل بدأ مباشرة بالتبشير في مجامع دمشق.

 

وقد أثار ظهوره دهشة اليهود؛ لأنهم كانوا يعرفون أنه جاء أصلًا لمحاربة الحركة الجديدة، فإذا به يدافع عنها.

 

ثم اشتد الخلاف بينه وبين اليهود، ودبر بعضهم قتله.

 

ولم يستطع شاول الخروج من أبواب المدينة بصورة طبيعية، فساعده عدد من التلاميذ المحليين، وأنزلوه في سلة من فتحة في سور المدينة، فنجا من محاولة القبض عليه.

 

وتكشف هذه الحادثة أن بولس واجه منذ بداية نشاطه النوع نفسه من الاضطهاد الذي كان هو نفسه يمارسه ضد غيره.

 

فبعد أن كان مطاردًا للمؤمنين، أصبح هو المطارد.

 


 

الذهاب إلى أورشليم

 

بعد هروبه من دمشق، ذهب شاول إلى أورشليم ليحاول الانضمام إلى التلاميذ.

 

غير أن التلاميذ خافوا منه في البداية، ولم يصدقوا بسهولة أنه أصبح مؤمنًا بالمسيح.

 

وكان خوفهم مفهومًا؛ فقد عرفوه رجلًا سفاحًا مضطهدًا، وكان من المحتمل في نظرهم أن يكون تظاهره بالإيمان حيلة لاختراق جماعتهم والقبض عليهم.

 

لكن برنابا تدخل لصالحه، وشرح لهم ما حدث معه، وشهد بأنه رأى المسيح في الطريق، وأنه بشر باسمه في دمشق.

 

وبعد شهادة برنابا قُبل شاول بينهم، وبدأ يتحرك معهم في أورشليم ويتحدث عن المسيح.

 

غير أن نشاطه أثار من جديد خصومة شديدة، فاضطر المؤمنون إلى إرساله إلى طرسوس، مدينته الأصلية.

 

وهكذا كان برنابا صاحب دور حاسم في إدخال بولس إلى دائرة التلاميذ؛ فلولا ثقته به ودفاعه عنه، لربما بقي معزولًا ومرفوضًا من الجماعة الأولى.


 

برنابا يستدعي بولس إلى أنطاكية

 

كانت أنطاكية قد أصبحت مركزًا مهمًّا لنشاط المؤمنين بالمسيح.

 

وكان برنابا يعمل هناك في التعليم والكرازة، ثم ذهب إلى طرسوس ليبحث عن شاول ويحضره معه.

 

وعمل الاثنان معًا في أنطاكية مدة طويلة، وعلّما جمعًا غفيرًا من الناس.

 

وفي تلك المدينة، أطلق على أتباع المسيح اسم المسيحيين لأول مرة.

 

ويقول سفر أعمال الرسل:

«فحدث أنهما اجتمعا في الكنيسة سنة كاملة وعلما جمعًا غفيرًا. ودعي التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولًا»
(أعمال الرسل 11: 26).

 

وهذه مرحلة مهمة؛ لأن أتباع المسيح قبل ذلك كانوا يُنظر إليهم غالبًا على أنهم جماعة داخل اليهودية، أما إطلاق اسم المسيحيين عليهم فكان خطوة في تكوين هوية دينية مستقلة.

 

ولم يعد الانتماء مرتبطًا فقط باليهود الذين آمنوا بالمسيح، بل شمل الأمميين أيضًا.


 

الرحلة التبشيرية الأولى

 

بعد اجتماعهم مع التلاميذ في أورشليم، خرج برنابا وبولس في رحلة تبشيرية، ورافقهما مرقس، الذي ينسب إليه التقليد الكنسي إنجيل مرقس.

 

وكان الهدف من الرحلة الانتقال إلى مدن ومناطق جديدة لإعلان الرسالة وتأسيس جماعات من المؤمنين.

 

وقد واجه بولس وبرنابا وأتباعهما الاضطهاد، وطُردوا من بعض المدن، إلا أنهم استمروا في التنقل والتبشير.

 

وفي تلك الفترة تأسست كنائس جديدة في غلاطية ومناطق من آسيا الصغرى.

 

وأصبحت الرحلات التبشيرية وسيلة رئيسة لنشر المسيحية؛ إذ كان المبشرون يدخلون المدينة، ويبدؤون غالبًا بالمجمع اليهودي، ثم ينتقلون إلى غير اليهود إذا رفض بعض اليهود رسالتهم.

 

وبهذه الطريقة انتشرت المسيحية تدريجيًّا في جنوب فلسطين وسوريا ومصر وآسيا الصغرى.

 


 

من جماعة يهودية إلى ديانة عابرة للأمم

 

إلى هذه المرحلة نرى كيف انتقلت المسيحية من نطاق محدود داخل المجتمع اليهودي إلى مناطق متعددة خارج فلسطين.

 

فقد وصلت الدعوة إلى السامرة وسوريا ومصر وآسيا الصغرى، ودخل فيها أشخاص من أصول غير يهودية.

 

وكان إطلاق اسم المسيحيين على المؤمنين في أنطاكية تعبيرًا عن هذا التحول؛ فلم تعد الجماعة مكونة من اليهود وحدهم، بل أصبحت تضم يهودًا وأمميين تجمعهم العقيدة في المسيح.

 

ومع هذا التحول بدأت تظهر تساؤلات جديدة حول الشريعة والختان والطعام والعلاقة باليهودية، وكان بولس من أكثر الشخصيات تأثيرًا في ترجيح الاتجاه الذي فتح الباب أمام دخول الأمم دون اشتراط التحول الكامل إلى اليهودية.


 

الرحلة التبشيرية الثانية

 

في الرحلة الثانية توسع نشاط بولس إلى مناطق جديدة.

 

وفي هذه المرحلة وقع خلاف بينه وبين برنابا بشأن مرقس؛ إذ لم ير بولس أن يصطحبهما مرة أخرى، بينما تمسك برنابا به.

 

ونتيجة لذلك افترق بولس عن برنابا، واصطحب معه سيلا، بينما ذهب برنابا مع مرقس.

 

ولا يعني هذا الخلاف توقف النشاط، بل أدى في الواقع إلى خروج مجموعتين بدل مجموعة واحدة، فتوسعت دائرة الحركة.

 

وفي أثناء الرحلة الثانية أُسست جماعات وكنائس جديدة في مكدونية، ومنها كنيسة فيلبي وكنيسة تسالونيكي.

 

ثم انتقل بولس إلى كورنثوس، حيث تأسست كنيسة أصبحت لاحقًا مصدر مشكلات كثيرة له، بسبب الانقسامات والخلافات الأخلاقية والعقائدية داخلها.

 

وقد اضطر بولس إلى كتابة رسائل يوجه فيها أهل كورنثوس ويعالج مشكلاتهم، وأصبحت تلك الرسائل لاحقًا جزءًا من العهد الجديد.


 

بولس في أثينا

 

وصل بولس في رحلته الثانية إلى أثينا، التي كانت من أهم المراكز الفكرية والفلسفية في العالم القديم.

 

ولم يتردد في عرض تعاليمه في الأريوس باغوس، وهو مكان ارتبط بالمناقشات العامة والقضايا الفكرية والقانونية.

 

وهذا الموقف يكشف جانبًا مهمًّا من شخصية بولس؛ فقد كان قادرًا على مخاطبة اليهود بلغتهم الدينية، ومخاطبة اليونانيين بأسلوب يستند إلى مفاهيمهم وثقافتهم.

 

فلم يكن يقدم خطابه بالطريقة نفسها في جميع البيئات، بل كان يحاول أن يبدأ من الخلفية الفكرية التي يعرفها مستمعوه.

 

وقد أصبح هذا الأسلوب لاحقًا من أبرز قواعد التبشير: دراسة ثقافة الجمهور، وفهم لغته وأفكاره، ثم عرض الرسالة بطريقة تناسبه.

 

 


 

الرحلة الثالثة

 

كانت الرحلة الثالثة هي آخر الرحلات التبشيرية الكبرى لبولس.

 

وكان جل اهتمامه خلالها منصبًّا على تثبيت الجماعات التي تأسست في الرحلات السابقة، ولا سيما المجتمع المسيحي في أفسس.

وقد أقام بولس مدة طويلة في أفسس، التي أصبحت مركزًا مهمًّا لانتشار المسيحية في غرب آسيا الصغرى.

 

ومن هناك انتشرت الدعوة إلى مدن أخرى، منها كولوسي ولاودكية ومناطق محيطة بها.

 

ولم يعد دور بولس في هذه المرحلة مقتصرًا على افتتاح مناطق جديدة، بل أصبح يهتم بتعليم الكنائس وتنظيمها، ومعالجة الخلافات التي ظهرت داخلها، وتعيين القادة المحليين، والحفاظ على الاتصال بالجماعات التي أسسها.

 

ومن هنا ظهرت أهمية رسائله؛ فقد كانت وسيلة للتعليم والإدارة والتوجيه عن بعد.


 

اعتقال بولس ومحاكمته

 

بعد عودته إلى أورشليم اشتدت المعارضة له، واتُّهم بأنه يعلم الناس ضد الشريعة والهيكل.

 

ثم اعتقلته السلطات الرومانية، ونُقل إلى قيصرية، حيث خضع لعدد من المحاكمات.

 

وبقي مدة في السجن، لكنه لم يتوقف عن التبشير، بل استمر في الحديث إلى من حوله، بمن فيهم الحراس والمسؤولون والسجناء.

 

ويروي سفر أعمال الرسل أنه أمضى نحو سنتين في قيصرية قبل أن يُرسل إلى روما، بعد أن استأنف قضيته إلى القيصر باعتباره مواطنًا رومانيًّا.

 

وهكذا تحولت محاكمته نفسها إلى وسيلة للوصول إلى دوائر جديدة من الناس.


 

إلى روما

 

أُرسل بولس إلى روما، التي كانت عاصمة الإمبراطورية ومركزها السياسي.

 

وفي أثناء الرحلة تعرضت السفينة لمخاطر شديدة، إلا أنه وصل في النهاية.

 

وفي روما استمر في تعليم الناس والتبشير، رغم أنه كان تحت الحراسة.

 

ولا يقدم سفر أعمال الرسل نهاية تفصيلية لحياته، لكنه ينتهي بوجوده في روما وهو يعلن رسالته.

 

أما التقليد الكنسي فيقول إنه أُعدم في عهد الإمبراطور نيرون، ويربط كثير من الروايات استشهاده بمرحلة الاضطهاد التي أعقبت حريق روما الكبير سنة 64م.

 

وبذلك تنتهي حياة بولس ـ بحسب التقليد ـ بالإعدام، بعد سنوات طويلة من التبشير والرحلات والسجن والاضطهاد.

 


 

توما ووصول المسيحية إلى الهند

 

وفي الفترة نفسها تقريبًا، اتجهت الدعوة المسيحية إلى مناطق بعيدة عن العالم المتوسطي.

 

وبحسب التقليد الكنسي الهندي، وصل الرسول توما إلى الهند نحو سنة 52م، وأسهم في تأسيس جماعات مسيحية هناك.

 

وترجع كنائس هندية قديمة أصولها إلى توما، وتعرف تقليديًّا باسم مسيحيي مار توما.

 

ويقال إنه استشهد نحو سنة 72م.

 

ويظهر هذا التقليد أن المسيحية لم تتحرك غربًا نحو أوروبا فقط، بل اتجهت شرقًا أيضًا نحو بلاد فارس والهند.

 


 

دمار الهيكل الثاني وأثره في انتشار المسيحية

 

ازدادت الصراعات والاضطرابات بين اليهود والسلطات الرومانية، واندلعت الثورة اليهودية في أورشليم.

 

وانتهت هذه الثورة بتدمير الهيكل الثاني على يد القائد الروماني تيطس سنة 70م.

 

وكان لهذا الحدث أثر كبير في تاريخ اليهودية والمسيحية معًا.

 

فقد أدى الحصار والدمار والقتل إلى تشتيت أعداد كبيرة من اليهود، وكان من بينهم يهود آمنوا بالمسيح.

 

وانتقل هؤلاء إلى مناطق مختلفة من آسيا الصغرى وشمال إفريقيا وأوروبا، فحملوا معهم معتقداتهم وأسهموا في انتشار الديانة المسيحية بين اليهود والأمميين.

 

وبذلك تحولت المأساة السياسية التي حلت بأورشليم إلى عامل ساعد، بصورة غير مباشرة، على توسيع رقعة الانتشار المسيحي.

 

كما أن دمار الهيكل أدى إلى تراجع مركز أورشليم الديني، وأصبح المجال مفتوحًا أمام مراكز مسيحية أخرى، مثل أنطاكية والإسكندرية وروما وأفسس.

 


 

يوحنا والكنائس السبع

 

في تلك الفترة ارتبط اسم التلميذ يوحنا بكتاب رؤيا يوحنا اللاهوتي.

 

وقد وجه الكتاب رسائل إلى سبع كنائس رئيسة في آسيا الصغرى، وهي:

  1. أفسس.

  2. سميرنا.

  3. برغامس.

  4. ثياتيرا.

  5. ساردس.

  6. فيلادلفيا.

  7. لاودكية.

 

وتكشف هذه الرسائل أن المسيحية كانت قد أصبحت موجودة في عدد من المدن المهمة في آسيا الصغرى، وأن لكل جماعة مشكلاتها وتحدياتها الخاصة.

 

فبعض الكنائس كانت تعاني الاضطهاد، وبعضها أصابه الفتور، وبعضها دخلته خلافات وتعاليم متباينة.

 

ولهذا جاءت الرسائل للتشجيع والتحذير والدعوة إلى الثبات والتوبة.


 

الأهمية التاريخية لبولس

 

لا يمكن فهم تاريخ انتشار المسيحية خارج فلسطين من دون دراسة شخصية بولس.

 

فقد كان من أكثر الشخصيات نشاطًا في نقل الحركة المسيحية من محيطها اليهودي إلى العالم اليوناني والروماني.

 

وقد ساعدته عدة عوامل على ذلك، منها:

  •  
  • معرفته العميقة باليهودية.

  •  
  • انتماؤه إلى التيار الفريسي قبل تحوله.

  •  
  • إتقانه اللغة والثقافة اليونانيتين.

  •  
  • تمتعه بالمواطنة الرومانية.

  •  
  • قدرته على التنقل بين البيئات المختلفة.

  •  
  • استعداده لتحمل السجن والضرب والطرد.

  •  
  • استخدامه الرسائل في تعليم الكنائس وإدارتها.

 

كما كان له أثر بالغ في تشكيل الفكر المسيحي؛ لأن عددًا كبيرًا من أسفار العهد الجديد ينسب إلى رسائله.

 

ولهذا لم يكن بولس مجرد مبشر متنقل، بل أصبح واحدًا من أهم صانعي اللاهوت المسيحي في التاريخ.

 


 

خلاصة المرحلة

 

بدأ بولس حياته ـ بحسب سفر أعمال الرسل ـ عدوًّا شديدًا لأتباع المسيح، وظهر اسمه في مشهد قتل استفانوس، ثم تحول بعد تجربة طريق دمشق إلى داعية للمسيحية.

 

وفي البداية واجه خوف التلاميذ وشكهم، لكن برنابا ساعده على الدخول في الجماعة.

 

ثم انطلق في رحلات تبشيرية متعددة، فأسس الكنائس في آسيا الصغرى ومكدونية واليونان، وانتقل بالدعوة من المجامع اليهودية إلى البيئات الأممية.

 

كما أسهم في تكوين هوية مسيحية مستقلة عن اليهودية، وفتح باب الانضمام إلى الجماعة أمام غير اليهود دون إلزامهم بجميع أحكام الشريعة اليهودية.

 

ورغم الاضطهاد والسجن والمحاكمات، استمر في التبشير حتى وصل إلى روما، ثم قُتل ـ بحسب التقليد الكنسي ـ في عهد نيرون.

 

وفي الوقت نفسه امتدت المسيحية شرقًا إلى الهند، وغربًا إلى أوروبا، وجنوبًا إلى مصر وشمال إفريقيا.

 

ثم أدى تدمير الهيكل الثاني وتشتت السكان إلى مزيد من الانتشار، وأصبحت الكنائس موزعة في مناطق واسعة من الإمبراطورية الرومانية وخارجها.

 

وهكذا تمثل مرحلة بولس نقطة تحول كبرى في تاريخ التبشير؛ ففيها خرجت المسيحية من إطار حركة يهودية محلية، وأصبحت ديانة تسعى إلى مخاطبة العالم كله، وهو التحول الذي مهّد لاحقًا لتكوين الكنيسة العالمية وانتشار حملات التبشير في القارات المختلفة.