+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف3 ج4 / 7 كتاب دليل التنصير تاريخ التبشير (التنصير) في القرون الأولى ومواجهة فرق الهرطقات,

antievangelism · 31 July, 2026

 

قبل عصر الإصلاح

 

القرون الثلاثة الأولى للميلاد

 

شهدت القرون الثلاثة الأولى للميلاد مرحلة شديدة الاضطراب في تاريخ المسيحية؛ إذ لم تكن الكنيسة قد وصلت بعد إلى الصورة المؤسسية والعقدية التي عُرفت بها في العصور اللاحقة، ولم تكن العقائد الأساسية قد استقرت في صيغ نهائية متفق عليها بين جميع أتباع المسيح.

 

فقد كانت المسيحية في بداياتها حركة دينية ناشئة داخل البيئة اليهودية، ثم انتقلت تدريجيًّا إلى المجتمعات اليونانية والرومانية، ودخل فيها أتباع من خلفيات ثقافية وفلسفية متعددة. وأدى هذا الانتقال إلى ظهور تفسيرات مختلفة لشخصية المسيح وطبيعته ورسالته، وكذلك للعلاقة بين الله والعالم، وبين العهد القديم والعهد الجديد، وبين الإيمان والمعرفة والخلاص.

 

وفي الوقت نفسه تعرض اليهود والمسيحيون لاضطرابات سياسية واضطهادات متكررة من الدولة الرومانية، ولا سيما في مناطق فلسطين وآسيا الصغرى وروما. وقد أسهمت الحروب والثورات اليهودية في تشتيت السكان، ونقل المعتقدات والأفكار إلى مناطق جديدة.

 

تدمير المدن اليهودية والتشتت

 

في القرن الثاني للميلاد تعرضت المدن اليهودية في فلسطين لدمار واسع، ولا سيما بعد الثورات التي وقعت ضد الحكم الروماني. وأسفرت المواجهات عن قتل وتشريد أعداد كبيرة من اليهود، ويقدر بعض المؤرخين أعداد المهجرين والمشتتين بأكثر من مئة ألف يهودي.

 

وقد أدى هذا التشتت إلى انتقال اليهود، ومن بينهم جماعات آمنت بالمسيح، إلى مناطق متعددة داخل الإمبراطورية الرومانية وخارجها. فانتشرت أفكار الحركة المسيحية بين جماعات يهودية وأممية في سوريا وآسيا الصغرى ومصر وشمال إفريقيا وروما.

 

وعلى الرغم من هذا الانتشار، ظل المسيحيون عرضة للاضطهاد في أماكن وأزمنة معينة، سواء من بعض القيادات اليهودية التي رأت في دعوتهم خروجًا على المعتقد الموروث، أو من السلطات الرومانية التي خشيت من الجماعات الدينية التي ترفض الخضوع الكامل للشعائر الرسمية للإمبراطورية.

 

وقد قتل بعض المسيحيين علنًا، وتعرض آخرون للسجن والتعذيب والملاحقة، إلا أن هذه الاضطهادات لم تمنع انتشار المسيحية، بل أسهمت أحيانًا في توسيعها؛ لأن تفرق المؤمنين أدى إلى نقل معتقداتهم إلى مناطق جديدة.


 

الخلافات الداخلية في الكنيسة الأولى

 

لم تكن التحديات الخارجية هي وحدها التي واجهت الكنيسة، بل ظهرت مشكلات داخلية كادت تمزق الحركة المسيحية من الداخل.

 

فبعد المسيح بفترة قصيرة ظهرت فرق وجماعات مسيحية متعددة، تدعي كل واحدة منها أنها تمثل تعاليم يسوع وتلاميذه تمثيلًا صحيحًا. غير أن هذه الجماعات اختلفت في مسائل جوهرية، منها:

  •  
  • طبيعة المسيح.

  •  
  • هل كان إلهًا أم إنسانًا؟

  •  
  • هل هو مخلوق أم أزلي؟

  •  
  • هل الآب والابن شخص واحد أم شخصان؟

  •  
  • ما العلاقة بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد؟

  •  
  • هل الخلاص يتحقق بالإيمان أم بالمعرفة؟

  •  
  • هل ولد المسيح من عذراء؟

  •  
  • هل كان له جسد حقيقي أم مظهر جسدي فقط؟

  •  
  • هل ينبغي الالتزام بالشريعة اليهودية؟

  •  
  • ما الكتب التي ينبغي اعتبارها مقدسة؟

 

وقد وصفت الكنيسة المنتصرة لاحقًا كثيرًا من هذه الجماعات بأنها مهرطقة؛ أي منحرفة عن العقيدة الصحيحة كما استقرت في المجامع الكنسية.

 

غير أن استعمال مصطلح الهرطقة ينبغي فهمه تاريخيًّا؛ فقبل استقرار العقيدة الرسمية، كانت كل فرقة ترى أنها تمثل الإيمان الصحيح، وتتهم خصومها بالانحراف والتغيير.

 

ومن هنا فإن تاريخ القرون الأولى لا يقدم صورة كنيسة موحدة في كل شيء، بل يكشف صراعًا واسعًا بين تيارات متعددة، انتهى بانتصار تيارات معينة، وتحول عقائدها إلى عقيدة رسمية، بينما تعرضت التيارات الأخرى للإقصاء والحرمان والاضطهاد.

 

ومن أشهر هذه الفرق والتيارات ما يأتي:


 

الأبيونيون

 

أصل التسمية والخلفية

 

كانت الأبيونية جماعة مسيحية ذات أصل يهودي، تمسكت بجانب كبير من الشريعة اليهودية، ونظرت إلى المسيح باعتباره إنسانًا اختاره الله وأرسله لهداية بني إسرائيل.

 

وكان الأبيونيون قريبين من البيئة اليهودية الأولى التي ظهرت فيها دعوة المسيح، ولذلك لم يقبلوا كثيرًا من التطورات اللاهوتية التي ظهرت لاحقًا، ولا سيما القول بألوهية المسيح أو مساواته بالله.

 

معتقدهم في المسيح

 

لم يعتقد الأبيونيون أن يسوع هو الله، بل آمنوا بأن الله واحد، وأن يسوع إنسان اختاره الله ليكون المسيح المنتظر.

 

وبحسب ما نقله خصومهم، فإن بعض جماعاتهم أنكرت الولادة العذرية للمسيح، واعتقدت أن أبويه هما يوسف ومريم، وأنه كان رجلًا بارًّا صالحًا اصطفاه الله بسبب تقواه وطاعته.

 

وفي المقابل، يبدو أن جماعات أخرى قريبة من هذا الاتجاه قبلت الولادة العذرية، لكنها لم تر فيها دليلًا على ألوهية المسيح.

 

وعلى هذا، لم يكن الأبيونيون دائمًا جماعة واحدة متجانسة في جميع التفاصيل، بل كان بينهم اختلاف في بعض المسائل، مع اتفاقهم على رفض تأليه المسيح والتمسك بوحدانية الله.

 


 

أشهر الشخصيات المرتبطة بالفكر التوحيدي القريب من الأبيونية

 

ثيودوتس

 

ظهر ثيودوتس في أواخر القرن الثاني الميلادي، نحو سنة 190م، ونادى بعقيدة تؤكد وحدانية الله وتنفي أن يكون المسيح إلهًا أزليًّا مساويا للآب.

 

وقد أقر ثيودوتس بالولادة العذرية للسيد المسيح عليه السلام، لكنه رأى أن المسيح إنسان اصطفاه الله ومنحه قوة خاصة.

 

وقد عارضه أسقف روما فيكتور، ثم عزله نحو سنة 199م.

 

وتكشف قصة ثيودوتس أن الاعتقاد بإنسانية المسيح مع قبول الولادة العذرية كان موجودًا داخل البيئة المسيحية، وأن الخلاف لم يكن دائمًا حول صحة الولادة العذرية، بل حول معناها ودلالتها اللاهوتية.

 

أرطمون

 

ظهر أرطمون في روما، ودافع عن الاعتقاد بأن المسيح إنسان اصطفاه الله، وأن هذا الاعتقاد كان ـ بحسب رأيه ـ هو تعليم الرسل الأوائل.

 

وقد واجه أرطمون وأتباعه الحرمان والمقاومة من التيارات الكنسية التي كانت تتجه نحو ترسيخ الاعتقاد بألوهية المسيح.

 

بولس الشمشاطي

 

كان بولس الشمشاطي من أشهر دعاة الفكر التوحيدي في القرن الثالث الميلادي.

 

وقد أصبح أسقفًا على كنيسة أنطاكية نحو سنة 260م، وكانت أنطاكية من أهم المدن الدينية والسياسية في الشرق، وتقع آنذاك في منطقة خضعت لنفوذ الملكة العربية زنوبيا، ملكة تدمر.

 

وقد رفض بولس الشمشاطي القول بأن المسيح إله أزلي مستقل عن الله، ورأى أن كلمة الله أو حكمته حلت في الإنسان يسوع بمعنى التأييد والإلهام، لا بمعنى أن يسوع هو الله ذاته.

 

وعقدت عدة مجامع في أنطاكية لمناقشة معتقداته، وقيل إن ثلاثة مجامع انعقدت لهذا الغرض، وأدين في الثالث منها، وصدر قرار بحرمانه وعزله.

 

كما أرسلت خطابات إلى روما والإسكندرية تتهمه بالغطرسة، وحب الظهور، وتنميق الكلام، والطمع، وسوء الأخلاق.

 

غير أن هذه الاتهامات صدرت عن خصومه، ولذلك ينبغي النظر إليها في سياق الصراع الكنسي والسياسي الذي دار حول منصبه ومعتقده.

 

وعلى الرغم من قرار عزله، احتفظ بولس الشمشاطي بمنصبه مدة من الزمن بفضل دعم الملكة زنوبيا.

 

لكن بعد هزيمة زنوبيا أمام الإمبراطور الروماني أورليان، فقد بولس دعمه السياسي، وخسر كرسيه في أنطاكية.

 

وتكشف هذه الحادثة مدى ارتباط القرارات العقدية في بعض الأحيان بالقوة السياسية؛ فقد لم يكن الخلاف لاهوتيًّا مجردًا، بل تداخلت فيه السلطة الدينية مع النفوذ السياسي والعسكري.

 


 

المارقيونية

 

مارقيون ونشأة الحركة

 

كان مارقيون معلمًا لاهوتيًّا بارزًا في القرن الثاني الميلادي، وينحدر من آسيا الصغرى.

 

وقد أقام مدة في روما، ثم وقع خلاف بينه وبين الكنيسة هناك، فطرد منها، وعاد إلى آسيا الصغرى، حيث أسس عددًا من الكنائس والجماعات التي انتشرت في مدن مختلفة.

 

وكان لمارقيون تصور خاص في العلاقة بين العهد القديم ورسالة المسيح، وقد عرض أفكاره في كتاب عرف باسم:

أنتيثيسس – Antitheses

 

ومعنى الاسم: المتناقضات أو التقابلات.

 

وكان هدف الكتاب بيان ما اعتبره مارقيون تناقضًا بين إله العهد القديم والإله الذي أعلنه يسوع.

 


 

إله العهد القديم وإله يسوع

 

اعتقد مارقيون أن إله العهد القديم يختلف عن إله يسوع.

 

فإله العهد القديم ـ في نظره ـ إله غاضب، منتقم، صارم، وإله للقضاء والدينونة. وهو الذي خلق العالم المادي، واختار بني إسرائيل، وأعطاهم الشريعة، ثم لعنهم وعاقبهم عندما عصوه، كما عاقب الأمم الأخرى.

 

أما إله يسوع، فكان عند مارقيون إلهًا آخر، يتصف بالمحبة والرحمة والخلاص.

 

وقد اعتقد أن إله يسوع لا علاقة له بخلق العالم المادي، ولا بإسرائيل، ولا بالشريعة اليهودية، وإنما أرسل يسوع إلى هذا العالم لينقذ البشر من سلطان إله العهد القديم الغاضب.

 

وهكذا فصل مارقيون فصلًا كاملًا بين العهد القديم والعهد الجديد، وبين الشريعة والإنجيل، وبين الخالق والمخلّص.

 

موت المسيح في فكر مارقيون

 

رأى مارقيون أن يسوع جاء ليخلص البشر من سلطان إله العهد القديم، وأن موته على الصليب كان جزءًا من عملية الخلاص.

 

وبحسب هذا التصور، حمل المسيح خطايا البشر وحرر المؤمنين به من حكم الإله الغاضب ودينونته.

 

فمن يؤمن بيسوع يستطيع ـ في اعتقاد مارقيون ـ أن ينجو من غضب إله اليهود.

 

وقد دفعت هذه العقيدة مارقيون إلى رفض معظم أسفار العهد القديم، كما رفض بعض كتب العهد الجديد التي رأى أنها شديدة الارتباط باليهودية.

 

وشكل لنفسه مجموعة خاصة من الكتب المقدسة، ضمت نسخة معدلة من إنجيل لوقا وعددًا من رسائل بولس.

 

وهذا يدل على أن مسألة تحديد أسفار العهد الجديد لم تكن قد استقرت بعد في القرن الثاني، وأن جماعات مختلفة كانت تقبل كتبًا وترفض أخرى بحسب معتقداتها.


 

الفرق الغنوصية

 

معنى الغنوصية

 

يطلق اسم الغنوصية على مجموعة واسعة من الفرق والتيارات الدينية والفلسفية التي ظهرت في القرون الأولى.

 

والمصطلح مشتق من الكلمة اليونانية:

غنوصيس – Gnosis

 

ومعناها: المعرفة.

 

وقد سميت هذه الجماعات بالغنوصية لأنها اعتقدت أن الخلاص يتحقق بالمعرفة السرية، لا بمجرد الإيمان أو الالتزام بالشعائر الظاهرة.

 

ولم تكن الغنوصية مذهبًا واحدًا منظمًا، بل ضمت فرقًا متعددة اختلفت في بعض التفاصيل، لكنها اشتركت في جملة من الأفكار الأساسية.

 


 

الخلاص عن طريق المعرفة

 

اعتقد الغنوصيون أن الخلاص لا يتحقق بمجرد الإيمان بموت يسوع وقيامته، وإنما بفهم التعاليم السرية التي جاء بها.

 

فالمشكلة الأساسية للإنسان، في نظرهم، ليست الخطيئة وحدها، بل الجهل بحقيقته وأصله.

 

والإنسان ـ بحسب كثير من المذاهب الغنوصية ـ لا ينتمي في أصله إلى هذا العالم، بل يحمل داخله عنصرًا روحانيًّا جاء من عالم أعلى.

 

غير أن هذا العنصر الروحي سُجن داخل الجسد المادي وفي هذا العالم الشرير.

 

ومن هنا يحتاج الإنسان إلى معرفة سره الحقيقي وأصله السماوي، وكيفية تحرره من الجسد والعالم المادي.

 

وهذه المعرفة السرية هي الغنوصيس التي تمنحه الخلاص.

 


 

نظرتهم إلى العالم والجسد

 

رأت فرق غنوصية عديدة أن العالم المادي عالم شرير أو ناقص، وأن خالقه ليس الإله الأعلى الكامل، بل كائن أدنى رتبة.

 

ويعيش الإنسان في هذا العالم كروح مسجونة في جسد مادي.

 

ولذلك لا يكون الخلاص، في هذا التصور، بإصلاح العالم أو الجسد، وإنما بالهروب منهما والعودة إلى العالم الروحي الأعلى.

 

وكان لهذا الاعتقاد أثر في نظرة بعض الغنوصيين إلى المسيح؛ فإذا كان الجسد شريرًا، فكيف يمكن لكائن إلهي طاهر أن يتخذ جسدًا ماديًّا حقيقيًّا؟

 

ولهذا قالت بعض الفرق إن جسد المسيح لم يكن جسدًا حقيقيًّا، وإنما ظهر للناس في صورة بشرية فقط.

 


 

المسيح في الفكر الغنوصي

 

في الأنظمة الغنوصية المسيحية، كان يسوع كائنًا إلهيًّا جاء من العالم الروحي الأعلى، وهو عالم يضم ـ في بعض التصورات ـ مراتب متعددة من الكائنات الإلهية أو الأرواح السماوية.

 

وقد جاء يسوع إلى العالم المادي ليكشف للبشر المعرفة السرية التي تمكن أرواحهم من التحرر.

 

وتشتمل هذه المعرفة على تفسير لكيفية نشوء العالم الروحي، وكيف ظهرت الخليقة المادية، وكيف سجنت العناصر الروحية داخل الأجساد.

 

ومن دون يسوع، لا يستطيع البشر ـ في الفكر الغنوصي المسيحي ـ الحصول على هذه المعرفة.

 

ولهذا عدوه مخلّص الأرواح، لا لأنه دفع عقوبة الخطيئة بالضرورة، بل لأنه كشف الطريق السري للعودة إلى العالم الروحي.

 

كما اعتقدت جماعات منهم أن يسوع أعطى تعاليمه السرية لتلاميذه المقربين قبل أن يصعد من جديد إلى العالم الروحي.

 

ولهذا نسبت بعض الكتابات الغنوصية نفسها إلى شخصيات مثل توما أو فيلبس أو يهوذا أو مريم المجدلية، وزعمت أنها تحتوي على تعاليم خفية لم تسجل في الأناجيل المعروفة.


 

الباتريباسيانية أو السابيلية

 

محاولة الحفاظ على وحدانية الله

 

كانت قضية وحدانية الله من أعظم القضايا التي شغلت المفكرين المسيحيين وقادة الكنيسة في القرون الأولى.

 

فإذا كان الله واحدًا، فكيف يمكن القول بأن الآب إله، والابن إله، والروح القدس إله، دون الوقوع في تعدد الآلهة؟

 

حاول أحد التيارات حل هذه المشكلة بالقول إن الله واحد، وإن الآب والابن ليسا شخصين منفصلين، بل هما شكلان أو مظهران للإله الواحد.

 

وبحسب هذا الاعتقاد، فإن الله الآب هو نفسه الذي ظهر في صورة الابن وتجسد على الأرض.

 

وبعبارة أخرى:

الله الابن هو الله الآب، وليس أقنومًا منفصلًا عنه.


 

تعدد الأشكال

 

عرف هذا الاتجاه بعدة أسماء في التاريخ اللاهوتي.

 

فقد سمي أحيانًا:

المودالية – Modalism

 

أي مذهب الأشكال أو الأنماط؛ لأن الله الواحد يظهر في أنماط مختلفة: مرة في صورة الآب، ومرة في صورة الابن، ومرة في صورة الروح القدس.

 

كما سمي:

السابيلية – Sabellianism

 

نسبة إلى سابيليوس، الذي عُرف بالدفاع عن هذا الرأي.

 

وعُرف كذلك باسم:

الباتريباسيانية – Patripassianism

 

ومعناها الحرفي:

تألم الآب

 

وقد أطلق خصوم هذا الاتجاه عليه هذا الاسم لأن الاعتقاد بأن الآب والابن شخص واحد يؤدي إلى القول بأن الآب نفسه هو الذي تألم ومات على الصليب في صورة الابن.


 

ترتليان وانتقاد المذهب

 

كان ترتليان من أبرز خصوم هذا الاعتقاد.

 

وقد استهزأ بمذهب القائلين بأن الآب هو نفسه الابن، ورأى أن نتيجته هي القول بأن الآب ولد وتألم ومات.

 

ولهذا استخدم تعبير الآب المتألم في نقد هذا الاتجاه.

 

وقد دافع ترتليان عن التمييز بين الآب والابن، وكان من أوائل من استخدموا مصطلحات أسهمت لاحقًا في بناء عقيدة الثالوث.

 

ومن هنا يظهر أن الخلاف بين السابيلية وخصومها لم يكن بين التوحيد والتعدد وحدهما، بل كان خلافًا في كيفية تفسير وحدانية الله مع الإيمان بالمسيح والروح القدس.


 

أشهر الشخصيات

 

هيبوليتس وترتليان

 

كان هيبوليتس وترتليان من أبرز آباء الكنيسة في القرنين الثاني والثالث، لكنهما لم يكونا من أتباع الباتريباسيانية، بل كانا من أشهر من حاربوها وانتقدوها.

 

وقد كتبا ضد الاتجاهات التي نفت التمييز بين الآب والابن.

 

ولهذا يرتبط اسماهما بهذا الجدل بوصفهما من خصوم المذهب، لا من أتباعه.

 

سابيليوس

 

كان سابيليوس أشهر من ارتبط اسمه بالمذهب، حتى أصبح الاتجاه يعرف بالسابيلية.

 

ولا تتوافر معلومات كثيرة دقيقة عن حياته، لكن تعاليمه تعرضت للإدانة، وحورب أتباعه، وعدت الكنيسة عقيدته منحرفة عن التصور الذي استقر لاحقًا لعلاقة الآب بالابن والروح القدس.

 


 

الأريوسية

 

أريوس ونشأة الخلاف

 

نسبت الأريوسية إلى أريوس، وهو معلم وقس مسيحي عاش في الإسكندرية في بداية القرن الرابع الميلادي.

 

وقد اشتهر أريوس بتعليمه أن المسيح ليس هو الله الأزلي المساوي للآب، بل هو كائن أوجده الله ومنحه سلطة وقوة ومكانة فوق سائر المخلوقات.

 

وبحسب أريوس، فإن الله الآب وحده غير مخلوق وأزلي بلا بداية، أما الابن فله بداية، لأنه صدر عن إرادة الآب.

 

وبذلك لم يكن المسيح عند أريوس إنسانًا عاديًّا فقط، لكنه كذلك لم يكن هو الله ذاته.

 

لقد كان أسمى المخلوقات وأعظمها، ومن خلاله خلق الله العالم، لكنه يظل أدنى من الآب وخاضعًا له.

 


 

استدلال أريوس

 

استطاع أريوس أن يستدل على معتقده بنصوص من العهد الجديد، وبأقوال بعض المفكرين المسيحيين الأوائل الذين أكدوا تفوق الآب وخضوع الابن له.

 

وكان يرى أن القول بمساواة الابن بالآب يتعارض مع وحدانية الله.

 

وقد استند إلى نصوص ينسب فيها المسيح العلم والسلطان إلى الآب، أو يعلن فيها أن الآب أعظم منه، أو يظهر فيها خاضعًا له وداعيًا إياه.

 

ومن هنا لم يكن أريوس يرى نفسه مبتدعًا لعقيدة جديدة، بل مدافعًا عن وحدانية الله وعن تمييز الخالق من المخلوق.

 


 

تطور الاعتقاد في المسيح

 

تكشف الخلافات في القرون الثلاثة الأولى عن تطور كبير في نظرة الجماعات المسيحية إلى المسيح.

 

فقد بدأت الحركة الأولى في بيئة يهودية تنظر إليه على أنه نبي أو مسيح مرسل إلى بني إسرائيل.

 

ثم ظهرت اتجاهات منحته مكانة سماوية متزايدة، إلى أن وصل الأمر عند بعض التيارات إلى اعتباره الله نفسه أو الأقنوم الثاني من الثالوث.

 

وهذا التحول لم يحدث دفعة واحدة، بل مر بمراحل طويلة من الجدل والصراع بين الفرق واللاهوتيين.

 

فبعض الجماعات رأته إنسانًا اصطفاه الله، وبعضها رآه كائنًا سماويًّا مخلوقًا، وبعضها رآه مظهرًا للآب، وبعضها قال إنه إله أزلي مساو للآب.

 

وفي نهاية هذه الصراعات تبنت الكنيسة الرسمية القول بألوهية المسيح ومساواته بالآب، ثم أُدينت الاتجاهات الأخرى بوصفها هرطقات.


 

انتشار الأريوسية بين القبائل الأوروبية

 

لم تنته الأريوسية بإدانة أريوس أو بقرارات المجامع الكنسية، بل استمرت وانتشرت بين شعوب وقبائل عديدة.

 

ويقول المهندس فاضل سليمان في كتابه «أقباط مسلمون قبل محمد»:

«من بعد مجمع القسطنطينية الأول سنة 381م، تلقت الأريوسية دفعة جديدة للحياة بين القبائل الشمالية، القوط واللومبارد والبورجونديون والوندال، نتيجة لمواعظ يولفيلاس، القس ذي العقيدة الأريوسية، الذي أرسل من القسطنطينية سنة 341م لتنصير القوط الغربيين. ومن القوط الغربيين انتشرت الأريوسية بين القبائل، وأصبحت عقيدتهم الوطنية الدينية حتى سنة 581م، بتحول ملكهم ريكارد، وبالتالي تحول القوط الإسبان عنها...».

 

ويبين هذا النص أن الأريوسية لم تكن عقيدة هامشية محدودة، بل تحولت في فترات معينة إلى عقيدة شعوب وممالك بأكملها.

 

فقد انتشرت بين القوط واللومبارد والبورجونديين والوندال، وأصبحت جزءًا من هويتهم الدينية والسياسية.

 

وكان للأسقف يولفيلاس دور كبير في تنصير القوط الغربيين على العقيدة الأريوسية، بعد أن أرسل إليهم من القسطنطينية في القرن الرابع.

 

ومن القوط انتشرت الأريوسية بين قبائل أخرى، وظلت قوية في أوروبا قرونًا، إلى أن تحولت الممالك الجرمانية تدريجيًّا إلى العقيدة الكاثوليكية.


 

دلالة تعدد الفرق المسيحية

 

يكشف ظهور الأبيونية والمارقيونية والغنوصية والسابيلية والأريوسية وغيرها عن أن العقيدة المسيحية في القرون الأولى لم تكن موحدة أو محسومة في صورتها اللاحقة.

 

فكل فرقة كانت تمتلك كتبًا أو تفسيرات أو تقاليد تدافع بها عن موقفها.

 

وكان كل فريق يعتقد أن فهمه هو الأقرب إلى المسيح والرسل، بينما يتهم الآخرين بتحريف الرسالة.

 

ولم يكن الخلاف في مسائل فرعية بسيطة، بل تعلق بأصل الاعتقاد:

  •  
  • من هو الله؟

  •  
  • من هو المسيح؟

  •  
  • هل المسيح إنسان أم إله؟

  •  
  • هل الله واحد في شخص واحد أم في ثلاثة أقانيم؟

  •  
  • هل الخالق هو نفسه المخلّص؟

  •  
  • هل العهد القديم وحي إلهي؟

  •  
  • هل الجسد شر؟

  •  
  • هل الخلاص بالإيمان أم بالمعرفة؟

  •  
  • هل يجب الالتزام بالشريعة؟

 

وهذه الاختلافات تؤكد أن الصيغة العقدية التي تعرف اليوم بالمسيحية التقليدية لم تظهر كاملة منذ اللحظة الأولى، وإنما تشكلت عبر قرون من الجدل والمجامع والتحالفات والصراعات السياسية والدينية.


 

من الاختلاف إلى الإقصاء

 

عندما قويت بعض الكنائس، ولا سيما كنائس روما والإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية، بدأت تسعى إلى توحيد العقيدة وإقصاء الاتجاهات المخالفة.

 

واستخدمت في ذلك وسائل متعددة، منها:

  •  
  • إصدار قرارات الحرمان.

  •  
  • عزل الأساقفة المخالفين.

  •  
  • منع كتبهم من التداول.

  •  
  • وصفهم بالهراطقة.

  •  
  • إغلاق كنائسهم.

  •  
  • الاستعانة بالسلطة السياسية.

  •  
  • نفي قادتهم أو سجنهم.

  •  
  • إحراق مؤلفاتهم في بعض المراحل.

 

وبذلك لم يكن انتصار عقيدة معينة ناتجًا عن الحجة اللاهوتية وحدها، بل أسهمت فيه كذلك القوة المؤسسية ودعم الأباطرة والمصالح السياسية.

 

فالتيار الذي حظي بدعم السلطة أصبح في أحيان كثيرة هو التيار الرسمي، أما التيار المهزوم فصنف باعتباره هرطقة.

 


 

خلاصة المرحلة

 

كانت القرون الثلاثة الأولى للميلاد مرحلة تكوين وصراع داخل المسيحية.

 

فقد انتشرت الحركة الجديدة بين اليهود والأمميين، رغم الاضطهاد والتشتيت، لكنها في الوقت نفسه انقسمت إلى فرق متعددة، لكل منها فهم مختلف لشخصية المسيح وطبيعة الله وطريق الخلاص.

 

رأى الأبيونيون أن المسيح إنسان اختاره الله.

 

وفصل مارقيون بين إله العهد القديم وإله يسوع.

 

وقال الغنوصيون إن الخلاص يتحقق بالمعرفة السرية التي تحرر الروح من الجسد والعالم المادي.

 

وحاول السابيليون الحفاظ على وحدانية الله بالقول إن الآب والابن مظهران للإله الواحد.

 

أما أريوس فرأى أن الابن كائن عظيم خلقه الله ومنحه القوة، لكنه ليس الله الأزلي المساوي للآب.

 

وقد عاشت هذه الفرق وانتشرت وأسست كنائس، ولم تكن في عصرها مجرد أفكار فردية معزولة.

 

ثم مع ازدياد قوة المؤسسة الكنسية، بدأت عملية تحديد العقيدة الرسمية، ووصف العقائد المخالفة بالهرطقة، وهو ما مهد لعصر المجامع الكبرى وتدخل الأباطرة في حسم الخلافات اللاهوتية.

 

ومن هنا، فإن دراسة تاريخ هذه الفرق ضرورية لفهم الكيفية التي انتقلت بها المسيحية من جماعات متباينة في القرون الأولى إلى مؤسسة دينية تحاول فرض صيغة عقدية واحدة على جميع أتباعها.