+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

أنواع الكفار في القرآن الكريم

comparisons · 28 July, 2026

 

من الأخطاء الشائعة عند الحديث عن علاقة الإسلام بغير المسلمين أن تُجمع جميع الحالات في حكم واحد، مع أن القرآن الكريم والسنة النبوية يفرّقان بين الناس بحسب طبيعة علاقتهم بالمسلمين: هل يعيشون معهم في سلام؟ هل بينهم عهد وأمان؟ هل يطلبون الحماية؟ أم أنهم يخوضون حربًا فعلية وينقضون المواثيق؟

ولهذا يمكن تقسيم الحالات التي يتناولها هذا الموضوع إلى ثلاثة أنواع رئيسية.

 

أولًا: غير المسلمين المسالمون الذين يعيشون مع المسلمين

 

يدخل في هذا النوع غير المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الإسلامية بأمن وسلام، مثل المسيحيين واليهود وغيرهم من المواطنين أو المقيمين الذين لا يعتدون على المسلمين ولا يشاركون في حرب ضدهم.

 

فهؤلاء لهم حقوقهم في الأمن والعدل وحسن المعاملة، ولا يجوز ظلمهم أو الاعتداء عليهم أو الانتقاص من كرامتهم بسبب اختلافهم في الدين. بل يجب الوفاء بالعهود والمواثيق القائمة معهم، والإحسان إليهم، وإظهار أخلاق الإسلام في التعامل معهم.

 

يقول الله تعالى في سورة التوبة:

﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾
[التوبة: 4]

فالآية تأمر المسلمين بالوفاء بعهد من التزم بعهده، ولم يخن المسلمين، ولم يساعد عدوًا عليهم. ولا يجوز نقض العهد معه لمجرد أنه غير مسلم.

ويقول سبحانه أيضًا:

﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾
[التوبة: 7]

أي ما دام الطرف الآخر ملتزمًا بالسلام والعهد، فعلى المسلمين أن يلتزموا به كذلك. وهذه قاعدة واضحة في المعاملة: الاستقامة تقابل بالاستقامة، والوفاء يقابل بالوفاء.

ومن هنا فإن المسلمين مطالبون بأن يكونوا صادقين، وأمناء، وعادلين، ومحسنين في تعاملهم مع جيرانهم وزملائهم وأبناء مجتمعهم من غير المسلمين. فالمعاملة الحسنة ليست أمرًا اختياريًا أو مجرد مجاملة اجتماعية، بل هي جزء من الأخلاق التي يأمر بها الإسلام.

 

ثانيًا: المسلمون الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية

 

الحالة الثانية هي حالة المسلمين الذين يعيشون بوصفهم أقليات في دول غير إسلامية، كما هو الحال في الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيرهما من البلدان.

 

فهؤلاء يعيشون بموجب نوع من العقد والأمان المتبادل، سواء أكان ذلك عن طريق الجنسية، أم الإقامة، أم التأشيرة، أم القوانين التي تكفل لهم الأمن والحقوق الأساسية.

 

فإذا كان المسلم يعيش في بلد يسمح له بالصلاة، والذهاب إلى المسجد، وممارسة شعائره الدينية، وارتداء الحجاب، وتربية أبنائه، والعيش في أمان؛ فإنه ملزم بالوفاء بالقوانين والعقود التي وافق عليها، ما لم يؤمر بمعصية صريحة.

 

ولا يجوز له أن يخون البلد الذي منحه الأمان، أو يعتدي على الناس، أو يظلمهم، أو يبرر الغدر بهم بسبب اختلافهم في الدين. بل يجب عليه أن يمثل الإسلام بالأمانة، وحسن الخلق، والرحمة، والصدق، والإحسان.

 

فالوجود في بلد غير إسلامي لا يسقط عن المسلم واجب العدل، بل يزيد من مسؤوليته في إظهار الصورة الصحيحة للإسلام من خلال سلوكه.

 

ثالثًا: المعتدون الذين ينقضون العهود ويبدؤون الحرب

 

أما النوع الثالث، فهو الذي تتحدث عنه آيات القتال في سياقها المباشر، وهم الذين نقضوا العهود، وبدؤوا العدوان، وحاربوا المسلمين، وسعوا إلى إخراج الرسول ﷺ وأصحابه.

 

يقول الله تعالى:

﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾
[التوبة: 12]

ثم يقول:

﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
[التوبة: 13]

وتوضح هذه الآيات أن القتال لم يُشرع بسبب مجرد الاختلاف في الدين، وإنما جاء في سياق واضح: نقض العهود، والتآمر، والبدء بالعدوان، ومحاولة إخراج الرسول ﷺ.

 

فالآية نفسها تقول: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، مما يدل على أن هؤلاء هم الذين ابتدؤوا الاعتداء.

 

كما أن الأمر بالقتال لا يعني الاعتداء على عامة الناس أو استهداف الأبرياء. فالشريعة الإسلامية تفرق بين المقاتلين وغير المقاتلين، وتحرم قتل النساء والأطفال والشيوخ ومن لا يشاركون في الحرب.

 

وقد وردت عن النبي ﷺ وصايا في الحروب تنهى عن قتل الأطفال والنساء، وعن الغدر والتمثيل بالجثث، وعن إتلاف الزروع وقطع الأشجار بلا ضرورة، وعن الاعتداء على من لا يقاتل.

 

ولذلك لا يجوز الاستدلال بآيات القتال لتبرير الاعتداء على المدنيين أو الأبرياء، لأن هذه الآيات نزلت في مواجهة جماعات محاربة نقضت العهد وبدأت الهجوم.

 

المواجهة ليست دائمًا بالسلاح

 

كما أن مواجهة العداء لا تكون دائمًا بالقتال المسلح. ففي عصرنا قد توجد حملات إعلامية مضللة، أو خطاب كراهية، أو تشويه متعمد للإسلام والمسلمين.

 

وفي مثل هذه الحالات تكون المواجهة بالكلمة الصادقة، والإعلام المسؤول، والحجة، والتعليم، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، لا بالعنف والعدوان.

 

فإذا كان هناك إعلام يقدّم الإسلام بصورة مشوهة، فإن دور المسلمين هو تقديم خطاب أفضل، وإظهار تعاليم الإسلام الحقيقية، والرد بالعلم والحكمة والأخلاق الحسنة.

 

قال الله تعالى:

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾
[النحل: 125]

فليس كل صراع فكري أو إعلامي حربًا عسكرية، ولا يجوز نقل أحكام القتال إلى ميادين الحوار والنقاش.

 

حماية من يطلب الأمان

 

ومن أعظم الآيات التي تظهر رحمة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين قول الله تعالى:

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[التوبة: 6]

 

فالآية تأمر المسلم بأن يمنح الأمان لغير المسلم إذا طلب الحماية، حتى لو كان من جماعة توجد بينها وبين المسلمين حالة نزاع. ولا يقتصر الأمر على حمايته مؤقتًا، بل يجب بعد ذلك إيصاله إلى مكان يأمن فيه على نفسه.

 

وهذا يبين أن الإسلام لا يبيح الغدر بمن طلب الأمان، ولا يسمح باستغلال ضعفه، بل يأمر بحمايته وضمان سلامته.

 

الخلاصة

 

إن سورة التوبة لا تتحدث عن غير المسلمين جميعًا باعتبارهم فئة واحدة، وإنما تميز بوضوح بين:

  •  
  • من يلتزم بالعهد ويعيش بسلام، فهذا يجب الوفاء له والإحسان إليه.

  •  
  • من يطلب الأمان والحماية، فهذا يجب تأمينه وإيصاله إلى مكان سلامته.

  •  
  • من ينقض العهد ويبدأ الحرب والعدوان، فهذا يواجه بقدر عدوانه، مع الالتزام بالأحكام الأخلاقية التي تحرم استهداف الأبرياء.

  •  
  • والمسلم الذي يعيش في دولة غير إسلامية يجب عليه احترام عقد الأمان والقوانين والوفاء بالتزاماته.

 

وبذلك يتبين أن الآيات التي تتحدث عن القتال ليست دعوة مفتوحة إلى الكراهية أو قتل غير المسلمين، بل أحكام مرتبطة بظروف محددة من الحرب والعدوان ونقض المواثيق.

 

أما الأصل في التعامل مع المسالمين فهو العدل، والوفاء، والأمان، وحسن الخلق، كما قال الله تعالى:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
[الممتحنة: 8]