ف1 ج6 / 7 دليل التنصير مسألة القَدَر في التّبشير، ربى قعوار
antievangelism · 28 July, 2026
عملية التبشير وعلاقة القدر بالإرادة الحرة
ترى المؤلفة أن فهم التصور البروتستانتي لمسألة القدر والإرادة الحرة يُعد من الموضوعات الأساسية لفهم فلسفة العمل التبشيري؛ إذ يرتبط به تفسير قبول بعض الأشخاص للرسالة التبشيرية ورفض آخرين لها، كما يؤثر في الكيفية التي ينظر بها المبشر إلى نتائج عمله، وإلى طبيعة دعوته ومسؤوليته تجاه تبليغ رسالة الخلاص.
وتوضح المؤلفة أن المبشرين يبذلون جهودًا كبيرة في سبيل نشر معتقداتهم، ويضحون بأوقاتهم وأموالهم وحياتهم من أجل أداء رسالتهم، إلا أن قبول الناس لهذه الدعوة أو رفضها يثير لديهم تساؤلات لاهوتية تتعلق بعلاقة الاختيار الإلهي بإرادة الإنسان، وبكيفية تحقق الهداية أو عدمها في ضوء التعاليم المسيحية.
ومن هذا المنطلق، تستعرض المؤلفة أبرز الاتجاهات اللاهوتية المسيحية التي تناولت العلاقة بين القضاء الإلهي والإرادة الإنسانية، مبينة أن هذه القضية كانت محل نقاش واسع بين المدارس اللاهوتية، وأسفرت عن ظهور ثلاثة اتجاهات رئيسة.
أولًا: نظرية الإرادة الحرة (الأرمينية)
توضح المؤلفة أن الاتجاه الأرميني يقوم على الإيمان بأن الإنسان يمتلك حرية حقيقية في اتخاذ قراراته، وأنه قادر على الاختيار بين البدائل المختلفة بإرادة واعية ومسؤولية كاملة عن أفعاله. ووفقًا لهذا التصور، فإن الإنسان عندما يواجه خيارات عقدية أو أخلاقية يستطيع أن يقرر بحرية الطريق الذي يسلكه، ومن ثم يكون مسؤولًا عن نتائج اختياره.
وتشير المؤلفة إلى أن هذا الاتجاه ينتشر بصورة خاصة في الكنائس ذات الخلفية الأرمينية، التي تؤكد مسؤولية الإنسان الفردية في قبول الدعوة الإلهية أو رفضها.
ثانيًا: النظرية الكالفينية (الاختيار الإلهي)
أما الاتجاه الكالفيني، فتوضح المؤلفة أنه ينطلق من مفهوم مختلف للإرادة الإنسانية، إذ يرى أن الإنسان يتصرف وفق الإرادة التي تحددها طبيعته، وأن اختياراته لا تخرج عن نطاق المقاصد الإلهية السابقة.
وتشير المؤلفة إلى أن غالبية الكنائس البروتستانتية الإنجيلية تتبنى هذا التصور، الذي يؤكد أن الله، بعلمه وسلطانه المطلقين، يختار أشخاصًا معينين للخلاص، وأن هذا الاختيار يدخل ضمن تدبيره السابق، مع بقاء مسؤولية الإنسان قائمة في الاستجابة للدعوة.
ثالثًا: نظرية المعرفة الوسطى (المولينية)
وتنتقل المؤلفة بعد ذلك إلى عرض نظرية المعرفة الوسطى (Middle Knowledge)، التي ارتبطت بالفيلسوف واللاهوتي الإسباني لويس دي مولينا (Luis de Molina).
وتقوم هذه النظرية، بحسب المؤلفة، على التوفيق بين علم الله السابق وحرية الإنسان، من خلال القول بأن الله يعلم جميع الاحتمالات الممكنة لجميع المخلوقات في مختلف الظروف المتصورة، ويعلم كذلك ما سيختاره كل إنسان بحرية في كل ظرف مفترض، ثم يختار أن يخلق العالم الذي تتحقق فيه مشيئته الإلهية مع بقاء الاختيارات الإنسانية حرة.
وتوضح المؤلفة أن مولينا يميز بين ثلاثة مستويات للمعرفة الإلهية؛ أولهما المعرفة الطبيعية، التي تتعلق بجميع الإمكانات الممكنة، وثانيها المعرفة الوسطى، التي تتعلق بما سيختاره كل إنسان في الظروف المفترضة، وثالثها المعرفة المطلقة، التي تتعلق بالعالم الذي اختار الله إيجاده بالفعل، وما سيقع فيه من أحداث على وجه اليقين.
وترى المؤلفة أن هذه النظرية تمثل محاولة فلسفية للجمع بين حرية الإنسان وعلم الله السابق، وقد أثارت نقاشًا واسعًا بين المدارس اللاهوتية المختلفة، ولا سيما بين الأرمينيين والكالفينيين، حول مدى إمكان التوفيق بين السيادة الإلهية والاختيار الإنساني.
محاولات التوفيق بين الاتجاهات اللاهوتية
وتشير المؤلفة إلى أن بعض الباحثين المعاصرين سعوا إلى تقريب وجهات النظر بين الاتجاهين الأرميني والكالفيني. ومن هؤلاء جون مايكل موريس (John Michael Morris)، الأستاذ في الكلية اللاهوتية المعمدانية الجنوبية الغربية (Southwestern Baptist Theological Seminary – SWBTS)، الذي قدم تصورًا أطلق عليه اسم «الكالمينية» (Calminianism).
ويقوم هذا التصور، بحسب ما تعرضه المؤلفة، على أن الله منح الإنسان حرية الاختيار، مع إحاطته علمًا بجميع قرارات الإنسان المستقبلية، دون أن يستلزم ذلك سلب إرادته أو إلغاء مسؤوليته عن أفعاله، وبذلك يجمع بين العلم الإلهي السابق والاختيار الإنساني الحر.
ومع ذلك، تذكر المؤلفة أن الاتجاه الكالفيني يظل الأكثر حضورًا داخل كثير من الكنائس البروتستانتية الإنجيلية، التي تؤكد أن الله لا يقتصر علمه على معرفة المستقبل، بل يتدخل في مجرى التاريخ وفق تدبيره السابق، ويختار بعض الأشخاص ليكونوا من أتباعه.
أثر هذه المعتقدات في العمل التبشيري
وتوضح المؤلفة أن المبشرين ينطلقون من إيمانهم بأن الله يريد لجميع الناس أن يسمعوا رسالة الخلاص، مستشهدين بالنصوص التي تدعو إلى تبليغ الإنجيل لجميع الأمم. غير أنهم، في الوقت نفسه، يعتقدون – وفقًا للتفسير الكالفيني – أن الله يختار بعض الأشخاص ليقبلوا هذه الرسالة ويستجيبوا لها.
وترى المؤلفة أن هذا الفهم انعكس على الاستراتيجيات التبشيرية؛ إذ أصبح نجاح العمل التبشيري يُقاس بدرجة استجابة الناس للرسالة، مع اعتبار هذه الاستجابة مؤشرًا على عمل الله في حياة الأشخاص الذين اختارهم، كما أسهم هذا التصور في توجيه الجهود والموارد نحو البيئات التي تظهر فيها قابلية أكبر للاستجابة للدعوة التبشيرية.
التمييز والإرشاد في حياة المبشر
وتبين المؤلفة أن المبشرين، خاصة في بداية خدمتهم، لا يملكون تصورًا كاملًا عن المكان الذي ينبغي أن يعملوا فيه أو الطريقة المثلى لأداء رسالتهم، وإنما يعتقدون أن معالم دعوتهم تتضح تدريجيًا أثناء ممارستهم للخدمة، ومع ازدياد خبرتهم الروحية.
ووفقًا لهذا التصور، يسعى المبشر إلى التعرف على مشيئة الله من خلال التقرب إليه، ودراسة الكتاب المقدس، والاسترشاد بالروح القدس، والاستفادة من توجيهات القادة الروحيين داخل الكنيسة، الذين يتابعون نموه الروحي والفكري، ويساعدونه على اتخاذ القرارات المهمة بعيدًا عن الاندفاع العاطفي أو الاجتهادات الفردية.
كما تشير المؤلفة إلى أن المبشرين يحذرون من الاعتماد المطلق على ما قد يبدو من «الأبواب المفتوحة» أو «الأبواب المغلقة» بوصفها دليلًا قاطعًا على الإرادة الإلهية، إذ قد يكون تأخر بعض الفرص أو تعثرها جزءًا من خطة الله التي تتطلب الصبر والمثابرة، وليس بالضرورة علامة على رفض الطريق أو فشله.
أنواع مشيئة الله في الفكر البروتستانتي
توضح المؤلفة أن الأدبيات البروتستانتية تميز بين ثلاثة مستويات لمشيئة الله.
فالمشيئة الكونية تشير إلى التدبير الإلهي العام الذي يحكم الكون وأحداثه كافة، أما المشيئة الشرعية فتتمثل في أوامر الله وتعاليمه الواردة في الكتاب المقدس، والتي تبين للمؤمن كيفية السلوك والعبادة. وأما المشيئة الخاصة، فهي الخطة التي يعتقد أن الله أعدها لكل فرد على حدة، ويُنظر إلى السير وفقها بوصفه تحقيقًا للإرادة الإلهية في حياة الإنسان.
معايير التحقق من الدعوة التبشيرية
وتختتم المؤلفة هذا المبحث بالإشارة إلى أن بعض المبشرين قد يذكرون تعرضهم لرؤى أو أحلام أو اختبارات روحية يرون فيها إشارات إلى دعوتهم، إلا أن الكنائس البروتستانتية، ولا سيما الكنائس المعمدانية، لا تعتبر هذه الخبرات وحدها معيارًا كافيًا لإثبات الدعوة.
وترى هذه الكنائس أن الدعوة الحقيقية ينبغي أن تستند إلى جملة من المعايير المتكاملة، في مقدمتها موافقة الكتاب المقدس، وشهادة الروح القدس، وتزكية الجماعة الكنسية، وإقرار القادة الروحيين، مع ظهور ثمار الخدمة في حياة المبشر. ووفقًا لهذا التصور، فإن الالتزام بتعاليم الكتاب المقدس، والخضوع للإرشاد الكنسي، يمثلان الأساس الذي يُبنى عليه العمل التبشيري، ويُحدد من خلاله نوع الخدمة التي يُدعى إليها كل مبشر.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة