ف2 ج10 / 30 دليل التنصير كُتّابٌ مجهولون في الكتاب المقدس. رُبى قعوار
antievangelism · 29 July, 2026
كُتّاب مجهولون
تُعد مسألة هوية مؤلفي أسفار الكتاب المقدس من القضايا التي حظيت باهتمام كبير في الدراسات الكتابية والنقد التاريخي. فقد واجه جامعو الأسفار القانونية، سواء في التقليد اليهودي أو المسيحي، تحديًا يتمثل في تحديد مؤلفي عدد من الأسفار التي لم تذكر أسماء كتّابها صراحةً، أو التي نُسبت إلى شخصيات معينة استنادًا إلى التقليد الديني أكثر من اعتمادها على أدلة تاريخية مباشرة.
وقد أدى غياب أسماء المؤلفين في كثير من الأسفار إلى ظهور تساؤلات حول ظروف تأليفها وتاريخ تدوينها، كما دفع الباحثين إلى استخدام وسائل أخرى لمحاولة تحديد مؤلفيها، مثل دراسة الأسلوب الأدبي، واللغة، والخلفية التاريخية، والمقارنة بين المخطوطات المختلفة. وفي المقابل، اعتمدت التقاليد الدينية في كثير من الأحيان على النسبة التقليدية للأسفار إلى شخصيات معروفة من الأنبياء أو الرسل.
ويذهب بعض الباحثين في النقد الكتابي إلى أن مجهولية المؤلف في عدد كبير من الأسفار قد ساهمت في إضفاء قدر من الهيبة والقداسة على النصوص، حتى نشأت لدى بعض المؤمنين فكرة أن مصدر هذه الأسفار هو الوحي الإلهي المباشر، وأن شخصية الكاتب البشري ليست ذات أهمية كبيرة. بينما يرى آخرون أن الوحي الإلهي - بحسب العقيدة المسيحية - لا يشترط معرفة اسم الكاتب، لأن السلطة الدينية للنص تستند إلى قبوله داخل الجماعة المؤمنة أكثر من اعتمادها على هوية مؤلفه.
أما من منظور النقد التاريخي، فإن وجود اختلافات نصية، وتباينات تاريخية، وتعدد في الأساليب الأدبية داخل بعض الأسفار، يدفع عددًا من الباحثين إلى الاعتقاد بأن هذه النصوص مرت بمراحل من الجمع والتحرير والإضافة عبر فترات زمنية مختلفة، وهو ما يجعل تحديد مؤلف واحد لكثير منها أمرًا بالغ الصعوبة.
وقد سبق أن تناولنا أمثلة لذلك، مثل أسفار موسى الخمسة (البنتاتوك)، التي يرى كثير من علماء النقد أنها نتاج مصادر متعددة جُمعت في مرحلة لاحقة، وكذلك سفر نشيد الأنشاد الذي لا يوجد دليل داخلي قاطع يحدد هوية مؤلفه.
ولا يقتصر الأمر على هذين المثالين، بل يشمل عددًا كبيرًا من أسفار العهد القديم. فـسفر عوبديا، على سبيل المثال، يحمل اسم "عوبديا"، الذي يعني في اللغة العبرية "عبد الرب" أو "عبد يهوه"، إلا أن النص لا يقدم أي معلومات تساعد في تحديد شخصية هذا النبي أو زمن حياته بدقة، وقد ذُكر هذا الاسم في مواضع متعددة من العهد القديم لأشخاص مختلفين، مما يجعل تحديد هوية مؤلف السفر أمرًا غير محسوم.
وكذلك سفر ملاخي، إذ إن كلمة "ملاخي" تعني في العبرية "رسولي" أو "ملاكي"، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها قد تكون لقبًا وظيفيًا أكثر من كونها اسمًا شخصيًا، بينما يرى آخرون أنها بالفعل اسم النبي الذي دوّن السفر. ولذلك تبقى هوية مؤلف السفر محل نقاش بين الدارسين.
كما أن الأسفار التاريخية، مثل يشوع، والقضاة، وصموئيل، والملوك، وأخبار الأيام، لا تذكر أسماء مؤلفيها داخل النص، وقد نُسبت عبر التقليد إلى شخصيات مختلفة، إلا أن الدراسات الحديثة ترى أن كثيرًا منها مر بمراحل طويلة من التحرير والتدوين، وأن صورته الحالية هي نتيجة عمل أكثر من كاتب أو محرر.
أما في العهد الجديد، فإن قضية نسبة بعض الأسفار إلى مؤلفيها لا تقل أهمية. فمن بين الرسائل الأربع عشرة المنسوبة تقليديًا إلى الرسول بولس، يرى عدد من الباحثين أن سبع رسائل فقط يمكن نسبتها إليه بدرجة عالية من الثقة، في حين تستمر المناقشات الأكاديمية حول الرسائل الأخرى، التي يُعتقد أن بعضها كُتب بواسطة تلاميذه أو أشخاص من مدرسته الفكرية بعد وفاته.
وبالنسبة إلى رسالة يهوذا، فإن كاتبها يعرّف نفسه باسم "يهوذا عبد يسوع المسيح وأخو يعقوب"، لكنه لا يحدد شخصيته بصورة أوضح، ولهذا اختلفت الآراء حول هويته. فالتقليد الكنسي ينسبها إلى يهوذا أخي الرب، بينما يرى بعض الباحثين أن الأدلة المتوافرة لا تسمح بالجزم بهذه النسبة.
أما الأناجيل الأربعة، فهي تمثل من أبرز الأمثلة على النصوص التي لم تذكر أسماء مؤلفيها داخل متنها. فالنصوص نفسها لا تبدأ بعبارات مثل "أنا متى" أو "أنا مرقس"، بل جاءت جميعها دون تعريف صريح بالمؤلف، ولذلك يصفها الباحثون بأنها مؤلفات مجهولة الاسم (Anonymous Works) من الناحية الأدبية.
وقد أُضيفت عناوين "الإنجيل بحسب متى"، و**"بحسب مرقس"، و"بحسب لوقا"، و"بحسب يوحنا"** في مرحلة لاحقة من تداول المخطوطات، اعتمادًا على التقليد الكنسي الذي كان قد استقر على نسبتها إلى هؤلاء الأشخاص. ويرى كثير من الباحثين أن هذه العناوين لم تكن جزءًا من النص الأصلي، بل أضيفت عندما بدأت الكنيسة بجمع الأناجيل وتمييزها عن غيرها من الروايات المتداولة.
وبناءً على ذلك، يرى علماء النقد الكتابي أن هوية مؤلفي عدد كبير من أسفار الكتاب المقدس لا تزال غير مؤكدة تاريخيًا، وأن نسبتها التقليدية تعتمد بدرجات متفاوتة على شهادات الآباء الأوائل والتقاليد الكنسية أكثر من اعتمادها على تصريح داخلي في النصوص نفسها. وفي المقابل، تؤكد الكنائس التقليدية أن السلطة الدينية للأسفار لا تقوم على معرفة اسم الكاتب، بل على إيمانها بأن هذه الأسفار أُقرت داخل الجماعة المؤمنة بوصفها نصوصًا موحى بها، وهو ما يجعل هذه القضية من أبرز الموضوعات التي لا يزال يدور حولها نقاش واسع في الدراسات الكتابية المعاصرة.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة