+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف2 ج12 / 30 دليل التنصير طبيعة الله اللاهوت الآب. ربى قعوار

antievangelism · 29 July, 2026

 

ثانياً: طبيعة الله (اللاهوت) – الآب

 

من الموضوعات الأساسية التي يتناولها الكتاب المقدس الحديث عن طبيعة الله وصفاته. فمنذ بداية العهد القديم، يقدم النص الكتابي تصورًا واضحًا عن الله باعتباره الإله الواحد، خالق الكون ورب التاريخ، ويؤكد أنه أعلن نفسه لأنبيائه ولم يترك شعب إسرائيل دون هداية أو معرفة. ولذلك نجد أن أسفار العهدين القديم والجديد تتضمن نصوصًا كثيرة يعرّف الله فيها بنفسه ويبين صفاته وعلاقته بخليقته.

 

ومن أبرز الأسماء التي أُعلن بها الله في العهد القديم اسم «يهوه» (YHWH)، وهو الاسم الشخصي الذي ارتبط بإله إسرائيل في النص العبري. ويُعد هذا الاسم من أكثر الأسماء قداسة في اليهودية، حتى إن اليهود امتنعوا عن نطقه، واستعاضوا عنه بلفظ «أدوناي» (السيد) عند قراءة النصوص المقدسة.

 

ومن أشهر النصوص التي ورد فيها هذا الاسم ما جاء في سفر الخروج عندما سأل موسى ربه عن اسمه:

«فقال الله لموسى: أهيه الذي أهيه... هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم» (الخروج 3:14).

وترى أغلب الدراسات اللغوية أن عبارة «أهيه الذي أهيه» تعني: «أنا الكائن» أو «أنا الذي أكون»، وهي تشير إلى وجود الله المطلق واستقلاله عن الزمان والمكان، وأنه الأزلي الذي لا يخضع لقوانين التاريخ، وهو الكائن في الماضي والحاضر والمستقبل.

 

ويؤكد العهد القديم مرارًا وحدانية الله ونفي وجود إله آخر معه، كما في قول الله على لسان النبي أشعياء:

«أنا أنا الرب، وليس غيري مخلّص» (أشعياء 43:11).

وقوله أيضًا:

«أنا الأول وأنا الآخر، ولا إله غيري» (أشعياء 44:6).

وتُعد هذه النصوص من أوضح النصوص التي تؤكد عقيدة التوحيد في الفكر اليهودي، وأن الله هو الإله الوحيد المستحق للعبادة.

 

ومن أهم النصوص التي تُعرف في اليهودية باسم «الشِّماع» (Shema Israel) ما ورد في سفر التثنية:

«اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد.» (التثنية 6:4)

وتُنطق في العبرية:

Shema Yisrael, Adonai Eloheinu, Adonai Echad.

وهذا النص يُعد أساس العقيدة اليهودية، ويُتلى يوميًا في الصلوات اليهودية، لما يتضمنه من إعلان صريح لوحدانية الله. ويرى المسلمون أن مضمونه يتقارب مع ما جاء في سورة الإخلاص:

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1].

مع بقاء كل نص ضمن سياقه العقدي الخاص.

 

وحدانية الله في تعليم المسيح

 

وعند الانتقال إلى العهد الجديد، نجد أن يسوع يؤكد أيضًا وحدانية الله. فمن ذلك قوله للرجل الذي دعاه صالحًا:

«لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد، وهو الله.» (مرقس 10:18).

كما يؤكد في مواضع أخرى أن الله هو الإله الذي ينبغي أن يُعبد ويُطاع، وهو ما يراه كثير من الباحثين استمرارًا لعقيدة التوحيد اليهودية التي نشأ فيها يسوع وتلاميذه.

 

معنى "الآب" في الكتاب المقدس

 

من أكثر الأوصاف ورودًا لله في الكتاب المقدس وصفه بأنه الآب. ويلاحظ أن هذا التعبير لم يبدأ في العهد الجديد، بل هو موجود منذ العهد القديم، حيث استُخدم للدلالة على علاقة الله بشعبه، بوصفه الخالق والراعي والمربي، لا بمعنى الأبوة الجسدية.

 

ففي سفر التثنية يقول موسى لبني إسرائيل:

«أليس هو أباك ومقتنيك؟ هو عملك وأنشأك.» (التثنية 32:6).

ويقول داود في صلاته:

«مبارك أنت أيها الرب إله إسرائيل أبينا من الأزل وإلى الأبد.» (أخبار الأيام الأول 29:10).

ويُفهم من هذه النصوص أن لفظ «الآب» يُستخدم بوصفه تعبيرًا مجازيًا عن عناية الله بشعبه ورعايته لهم، تمامًا كما يعتني الأب بأبنائه.

 

استعمال المسيح لهذا اللقب

 

واصل يسوع استخدام هذا الوصف عند حديثه عن الله، سواء في صلواته أو في تعليمه لتلاميذه.

 

فعندما علّمهم الصلاة قال:

«أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك.» (متى 6:9).

وقال أيضًا:

«ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض، لأن أباكم واحد الذي في السماوات.» (متى 23:9).

 

ويلاحظ أن يسوع لم يكن وحده الذي استخدم هذا اللقب، بل دعا المؤمنين جميعًا إلى مخاطبة الله بهذه الصيغة، مما يدل على أن مفهوم الأبوة هنا يتجاوز العلاقة الفردية ليشمل جماعة المؤمنين بأسرها.

 

الآب في رسائل الرسل

 

كما استمر هذا الاستخدام في كتابات الرسل، ومن ذلك قول بولس:

«لكن لنا إله واحد: الآب، الذي منه جميع الأشياء ونحن له.» (1 كورنثوس 8:6).

 

ويؤكد هذا النص أن بولس يصف الله بأنه الإله الواحد، ويطلق عليه لقب الآب، باعتباره مصدر الخليقة وربها.

 

مفهوم الأبوة الإلهية

 

وعند دراسة النصوص الكتابية في سياقها اليهودي، يتبين أن لقب «الآب» لا يعني - في أصله اللغوي والديني - أن الله والد بالمعنى الجسدي، وإنما يعبر عن علاقة الرعاية والرحمة والسيادة على الخلق. فالله هو الخالق والمدبر والرازق، ومن هذه الزاوية شُبّه بالأب الذي يرعى أبناءه ويحفظهم.

 

وفي التراث الإسلامي ترد معانٍ قريبة من هذا المفهوم من جهة الرعاية الإلهية، وإن كان الإسلام لا يجيز إطلاق لقب «الأب» على الله، التزامًا بالأسماء والصفات الواردة في القرآن والسنة. وقد ورد حديث يُروى عن أنس بن مالك:

«الخلق عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.»

 

إلا أن أهل الحديث حكموا على هذا الحديث بالضعف، وإن كان معناه العام في الحث على الإحسان إلى الناس قد ذكره بعض العلماء في باب فضائل الأعمال.

 

ومن المنظور الإسلامي، فإن الله سبحانه هو رب العالمين، أي خالقهم ومدبر أمرهم، والمتكفل بأرزاقهم، دون أن يقتضي ذلك أي معنى من معاني البنوة أو الأبوة الحقيقية، لأن القرآن ينفي عن الله أن يكون والدًا أو مولودًا، كما في قوله تعالى:

﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3].

 

الآب في عقيدة الثالوث

 

وتجدر الإشارة إلى أن لفظ «الآب» اكتسب في العقيدة المسيحية اللاحقة معنى لاهوتيًا أكثر تحديدًا، إذ أصبح أحد الأقانيم الثلاثة في عقيدة الثالوث، إلى جانب الابن والروح القدس. وتؤمن الكنائس التقليدية بأن الآب هو الأقنوم الأول، مع تأكيدها أن الأقانيم الثلاثة يشتركون في الجوهر الإلهي الواحد.

 

أما في المنظور الإسلامي، فإن القرآن يرفض مفهوم الثالوث، ويقول:

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: 73].