+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف2 ج14 / 30 دليل التنصير المسيح بكر الخليقة، يوحنا 1-1، ربى قعوار

antievangelism · 29 July, 2026

 

 

المسيح والكلمة: قراءة في مقدمة إنجيل يوحنا

 

تُعد مقدمة إنجيل يوحنا (1: 1–18) من أكثر نصوص العهد الجديد أهمية في اللاهوت المسيحي، إذ تعتمد عليها الكنائس التقليدية في الاستدلال على ألوهية المسيح وأزليته. ولذلك كانت هذه الفقرة محورًا لجدل طويل بين علماء اللاهوت المسيحي وبين الباحثين المسلمين، لا سيما فيما يتعلق بمعنى «الكلمة»، وهل المقصود بها شخص المسيح ذاته أم أمرٌ آخر.

وتبدأ المقدمة بالقول:

«في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله... كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان... والكلمة صار جسدًا وحل بيننا.» (يوحنا 1: 1–14)

ويرى اللاهوت المسيحي أن المقصود بـ «الكلمة» (Logos) هو الابن الأزلي، الأقنوم الثاني في الثالوث، الذي كان موجودًا مع الآب منذ الأزل، ثم تجسد في شخص يسوع المسيح. ويُعد هذا التفسير أساسًا لعقيدة التجسد كما تقرها الكنائس التقليدية.

 

أما من منظور نقدي، فيُلاحظ أن مقدمة يوحنا تختلف في لغتها وأسلوبها اللاهوتي عن الطريقة التي يقدّم بها يسوع نفسه في بقية الأناجيل، بل وحتى في كثير من أقواله داخل إنجيل يوحنا نفسه. ولهذا يرى بعض الباحثين أن مقدمة الإنجيل تعكس تأملًا لاهوتيًا خاصًا بالكاتب، أكثر من كونها نقلًا مباشرًا لأقوال المسيح.

 

ومن هذا المنطلق، يذهب بعض الدارسين إلى أن ما يقوله يوحنا عن يسوع لا ينبغي أن يُساوى تلقائيًا بما قاله يسوع عن نفسه، لأن الكاتب يفسر شخصية المسيح في ضوء فهمه اللاهوتي بعد سنوات من الأحداث، بينما تعرض الأناجيل في مواضع كثيرة أقوال يسوع التي تؤكد إرساليته وطاعته لله واعتماده عليه.

 

ومن الأمثلة على ذلك قول يسوع:

«أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي.» (يوحنا 14:6)

ويرى اللاهوت المسيحي أن هذه العبارة تؤكد فرادة المسيح في الخلاص، بينما يفهمها الباحثون المسلمون على أنها تؤكد وظيفة المسيح رسولًا وهاديًا يقود الناس إلى الله، لا أنها تصريح بألوهيته.

 

معنى «في البدء»

 

ومن أبرز المسائل التي يناقشها الباحثون تفسير عبارة:

«في البدء كان الكلمة.»

يرى اللاهوت المسيحي أن كلمة «البدء» تشير إلى ما قبل الخلق، أي إلى الأزل، وأن المقصود هو وجود الكلمة قبل وجود العالم.

 

أما من جهة أخرى، فيرى بعض الباحثين أن عبارة «في البدء» في الاستعمال الكتابي تشير غالبًا إلى بداية عملية الخلق، لا إلى الأزل المطلق. ويستشهدون ببداية سفر التكوين:

«في البدء خلق الله السماوات والأرض.» (التكوين 1:1)

 

فالسماوات والأرض ليستا أزليتين، وإنما بدأ وجودهما مع فعل الخلق. وبناءً على ذلك، يرى أصحاب هذا الرأي أن عبارة «في البدء» لا تستلزم بالضرورة الحديث عن زمن سابق للخليقة، بل قد تشير إلى بداية النظام المخلوق.

 

إلا أن أنصار التفسير المسيحي يردون بأن إنجيل يوحنا لا يقتبس عبارة التكوين لمجرد الإشارة إلى بداية الخلق، بل ليؤكد أن الكلمة كان موجودًا بالفعل عندما بدأ الخلق، ولذلك يربطون بين عبارة «كان» المستمرة وبين وجود سابق على جميع المخلوقات.

 

معنى «الكلمة»

 

ومن النقاط الجوهرية أيضًا تفسير المقصود بـ «الكلمة».

 

فاللاهوت المسيحي يرى أن الكلمة شخص إلهي، هو الابن الأزلي الذي تجسد في يسوع المسيح.

 

أما الرؤية الإسلامية، فتميل إلى فهم مختلف؛ إذ ترى أن وصف المسيح بأنه «كلمة الله» هو وصف تشريفي، لا يعني أنه هو ذات الكلمة الإلهية أو جزء من ذات الله، وإنما يعني أنه وُجد بأمر الله وكلمته.

 

فالله في الكتاب المقدس يخلق بكلمته، كما جاء في سفر التكوين:

«وقال الله: ليكن نور، فكان نور.» (التكوين 1:3)

أي إن الخلق يتم بمجرد صدور الأمر الإلهي.

 

ويجد المسلمون أن هذا المعنى ينسجم مع ما جاء في القرآن الكريم في وصف خلق عيسى عليه السلام:

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59].

فكما خُلق آدم بأمر الله دون أب ولا أم، خُلق عيسى بأمر الله دون أب، ولذلك سُمّي في القرآن «كلمته ألقاها إلى مريم»، أي أنه جاء نتيجة الكلمة الإلهية التي بها يكون الخلق.

 

ومن هذا المنظور، يرى المسلمون أن وصف المسيح بأنه «كلمة الله» لا يدل على ألوهيته، بل على الطريقة المعجزة التي خُلق بها، كما أن إضافة شيء إلى الله في النصوص الدينية لا تعني بالضرورة أنه جزء من ذاته؛ فالكتاب المقدس نفسه يتحدث عن «بيت الله» و**«شعب الله»** و**«عبد الله»**، دون أن يفهم من ذلك أن هذه الأشياء تشارك الله في ألوهيته.

 

رؤية الكاتب

 

وانطلاقًا من ذلك، أرى أن مقدمة إنجيل يوحنا تحتمل أكثر من قراءة، وأن تفسيرها لا ينبغي أن يُبنى على آية واحدة بمعزل عن بقية النصوص الكتابية. فالكنائس التقليدية تفهمها بوصفها إعلانًا صريحًا عن أزلية المسيح وألوهيته، بينما يرى الباحثون المسلمون وعدد من الدارسين أن عبارة «الكلمة» تشير إلى أمر الله الخالق أو إلى حكمته وإرادته التي بها أوجد المسيح، لا إلى أن المسيح هو الله ذاته.