ف2 ج17 / 30 دليل التنصير أنا والآب واحد, ربى قعوار
antievangelism · 29 July, 2026
«أنا والآب واحد»
يُعد قول المسيح:
«أنا والآب واحد.» (يوحنا 10:30)
من أكثر النصوص التي يستند إليها اللاهوت المسيحي في الاستدلال على ألوهية المسيح، إذ ترى الكنائس التقليدية أن هذه العبارة تعبر عن وحدة الابن مع الآب في الجوهر الإلهي، مع التمييز بين الأقنومين داخل عقيدة الثالوث.
غير أن باحثين آخرين يرون أن فهم هذه العبارة لا ينبغي أن يكون بمعزل عن سياقها الكامل، لأن اقتطاع جملة واحدة من الحوار قد يؤدي إلى تحميلها معنى لا يقصده المتكلم. ولذلك فإن دراسة السياق الأدبي واللغوي للنص تُعد خطوة أساسية لفهم المقصود.
سياق الحوار
يروي إنجيل يوحنا أن هذا الحوار جرى أثناء عيد التجديد في أورشليم، عندما اجتمع بعض اليهود حول يسوع وسألوه:
«إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهرًا.» (يوحنا 10:24).
ويلاحظ أن السؤال الذي طرحه اليهود لم يكن: «هل أنت الله؟»، وإنما كان سؤالًا عن كونه المسيح المنتظر.
فأجابهم يسوع بأن أعماله تشهد له، قائلاً:
«الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي.» (يوحنا 10:25).
ثم قال:
«أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل... أنا والآب واحد.» (يوحنا 10:29-30).
ويرى عدد من الباحثين أن الحديث في هذا السياق يدور حول حفظ المؤمنين ورعايتهم، وأن عبارة «أنا والآب واحد» جاءت في سياق وحدة العمل والإرادة والغاية، لا في سياق شرح طبيعة المسيح أو بيان جوهره.
كما يلاحظون أن المسيح يسبق هذه العبارة بقوله:
«أبي... هو أعظم من الكل.»
وهو ما يفهمه أصحاب هذا الاتجاه على أنه تأكيد لاستمرار التمييز بين الله وبين المسيح المرسل من قبله.
أما التفسير المسيحي التقليدي، فيرى أن وحدة العمل في هذا الموضع تستند إلى وحدة أعمق في الطبيعة الإلهية، ولذلك تُعد العبارة عندهم إعلانًا عن العلاقة الفريدة بين الآب والابن.
اعتراض اليهود
بعد أن قال يسوع هذه العبارة، يذكر الإنجيل أن اليهود تناولوا حجارة ليرجموه، وقالوا له:
«لست نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا.» (يوحنا 10:33).
ويستدل المدافعون عن ألوهية المسيح بأن اليهود فهموا من كلامه أنه يدعي المساواة مع الله، ولذلك اتهموه بالتجديف.
إلا أن باحثين آخرين يلفتون النظر إلى أن فهم الخصوم لكلام يسوع لا يكفي وحده لإثبات مقصوده؛ إذ إن الأناجيل تذكر في مواضع متعددة أن اليهود أساؤوا فهم بعض أقواله، فكان يوضح لهم مراده بعد ذلك.
ومن هنا يرون أن المهم هو متابعة جواب المسيح نفسه، لا الاكتفاء برد فعل سامعيه.
رد المسيح على الاتهام
يستكمل الإنجيل الحوار بقوله:
«أليس مكتوبًا في ناموسكم: أنا قلت إنكم آلهة؟ إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله... فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم، أتقولون له إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن الله؟» (يوحنا 10:34-36).
ويقتبس يسوع هنا من المزمور الثاني والثمانين، حيث يرد لفظ «آلهة» في خطاب موجَّه إلى قضاة أو حكام إسرائيل:
«أنا قلت إنكم آلهة، وبنو العلي كلكم.» (المزمور 82:6).
ويذهب كثير من علماء التفسير إلى أن الكلمة العبرية «إلوهيم» (Elohim) قد تأتي في بعض المواضع بمعنى الله، وفي مواضع أخرى للدلالة على القضاة أو الحكام أو أصحاب السلطان الذين أقامهم الله للحكم بين الناس، بحسب السياق.
ويرى بعض الباحثين أن يسوع يستعمل هذا النص ليبين أن إطلاق ألفاظ ذات دلالة رفيعة على بعض البشر في الكتاب المقدس لا يعني بالضرورة أنهم آلهة بالمعنى الحرفي، ولذلك يحتج عليهم بأن الكتاب نفسه استعمل هذا التعبير في حق غيره.
ثم يصف نفسه بقوله:
«الذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم.»
ويرى أصحاب القراءة الإسلامية أن هذا الوصف يؤكد وظيفة المسيح رسولًا اصطفاه الله وأرسله، وأنه يكرر هنا اللقب الذي نسبه إلى نفسه، وهو «ابن الله»، دون أن يقول إنه الله.
أما اللاهوت المسيحي فيفهم احتجاج المسيح بصورة مختلفة، إذ يرى أن يسوع لا ينفي ما فهمه اليهود، وإنما يبين أن استعمال لقب «ابن الله» في حقه مشروع، وأنه يفوق بكثير استعمال لفظ «آلهة» في حق قضاة إسرائيل، لأنه هو الابن الذي قدسه الآب وأرسله، وصاحب العلاقة الفريدة معه.
معنى «الآب فيَّ وأنا فيه»
ويختتم المسيح حديثه بقوله:
«لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيَّ وأنا فيه.» (يوحنا 10:38).
وترى الكنائس المسيحية أن هذه العبارة تدل على الاتحاد الفريد بين الآب والابن، وهو اتحاد يتجاوز مجرد الاتفاق في الإرادة أو الرسالة.
أما من جهة أخرى، فيشير بعض الباحثين إلى أن إنجيل يوحنا يستخدم لغة مشابهة في وصف علاقة المؤمنين بالله وعلاقة المؤمنين بالمسيح، كما في صلاة يسوع:
«ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك... ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا.» (يوحنا 17:21).
ويستدلون بذلك على أن تعبير «فيَّ» و**«فيه»** قد يُستخدم أيضًا للدلالة على وحدة المقصد والمحبة والطاعة، لا بالضرورة على الاتحاد في الجوهر.
رؤية الكاتب
ومن وجهة نظري، فإن عبارة «أنا والآب واحد» ينبغي أن تُقرأ في ضوء سياقها الكامل، لا بمعزل عنه. فالحوار بدأ بالسؤال عن المسيح المنتظر، ثم انتقل إلى الحديث عن الأعمال التي يقوم بها يسوع باسم الآب، ثم ختمه المسيح بالاحتجاج بنص من المزامير يبين أن ألفاظًا مثل «آلهة» قد استُعملت مجازًا في الكتاب المقدس، قبل أن يصف نفسه بأنه «الذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم».
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة