ف2 ج18 / 30 دليل التنصير أنا في الآب والآب في، الإنسان الله وقضية اللاهوت والناسوت, رُبى قعوار
antievangelism · 29 July, 2026
«أنا في الآب والآب فيَّ»
من النصوص التي يستدل بها اللاهوت المسيحي على العلاقة الخاصة بين الآب والابن ما جاء في إنجيل يوحنا، إذ يقول يسوع لتلاميذه:
«ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيَّ؟ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال. صدقوني أني في الآب والآب فيَّ، وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها.» (يوحنا 14:10-11).
وترى الكنائس المسيحية أن هذه العبارات تعبر عن الوحدة الفريدة بين الآب والابن، وأنها تشير إلى علاقة لا تشبه أي علاقة أخرى بين الله والبشر، ولذلك تُعد من النصوص الأساسية في الاستدلال على ألوهية المسيح.
أما الباحثون المسلمون، فيرون أن هذه العبارات ينبغي أن تُقرأ في ضوء السياق الكامل لخطاب يسوع، ولا سيما أن النص نفسه يؤكد أن المسيح لا يتكلم من عند نفسه، بل إن الآب هو الذي يعمل من خلاله، وهو ما يفهمونه على أنه تعبير عن الرسالة الإلهية والتأييد الرباني، لا عن اتحاد الذات الإلهية بالإنسان.
قراءة النص في سياقه
إذا استُكمل قراءة الإصحاح نفسه، نجد أن يسوع يخاطب تلاميذه قائلًا:
«في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي، وأنتم فيَّ، وأنا فيكم.» (يوحنا 14:20).
ويضيف بعد ذلك:
«الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني، والذي يحبني يحبه أبي، وأنا أحبه وأظهر له ذاتي.» (يوحنا 14:21).
ويرى عدد من الباحثين أن هذه النصوص تستعمل اللغة نفسها لوصف العلاقة بين المسيح والآب، ثم العلاقة بين المسيح والمؤمنين. ولذلك يذهبون إلى أن تعبيرات مثل «فيَّ» و**«فيه»** قد تدل على وحدة المحبة والطاعة والشركة الروحية، وليس بالضرورة على اتحاد في الجوهر الإلهي.
ويستشهدون كذلك بصلاة يسوع في الإصحاح السابع عشر من إنجيل يوحنا، حيث يدعو من أجل تلاميذه قائلًا:
«ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا.» (يوحنا 17:21).
ومن هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا الاتجاه أن وحدة الآب والابن تُفهم في إطار وحدة المقصد والرسالة والمحبة، ويستدلون بأن يسوع يستخدم اللغة نفسها عند حديثه عن المؤمنين.
أما اللاهوت المسيحي، فيرى أن هناك فرقًا جوهريًا بين الحالتين؛ فالوحدة بين الآب والابن هي وحدة فريدة قائمة على الطبيعة الإلهية، في حين أن وحدة المؤمنين مع المسيح هي وحدة روحية وأخلاقية ناتجة عن الإيمان، ولا تعني اشتراكهم في الجوهر الإلهي.
الاتحاد بالمسيح في رسائل بولس
ويكثر بولس الرسول من استعمال تعبيرات مثل «في المسيح» و**«متحدون معه»**، ومن ذلك قوله:
«فدفنا معه بالمعمودية للموت... لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته، نصير أيضًا بقيامته.» (رومية 6:4-5).
ويرى اللاهوت المسيحي أن هذه النصوص تتحدث عن الاتحاد الروحي بالمسيح من خلال الإيمان والمعمودية، وأنها تعبر عن مشاركة المؤمن في ثمار موت المسيح وقيامته، دون أن تعني تحول الإنسان إلى إله أو مشاركته لله في ذاته.
كما يقول بولس:
«فإن كنا أولادًا فإننا ورثة أيضًا، ورثة الله ووارثون مع المسيح.» (رومية 8:17).
ويقول أيضًا:
«ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟» (1 كورنثوس 6:2).
وتفسر الكنائس هذه النصوص على أنها تتحدث عن مشاركة المؤمنين في مجد المسيح وسلطانه يوم القيامة بوصفها عطية من الله، لا على أنها مساواة بين الإنسان والله أو اشتراك في الألوهية.
أما بعض الباحثين المسلمين، فيرون أن هذه اللغة قد تُفهم على نحو يرفع مكانة الإنسان إلى مستوى غير منسجم مع التأكيد المتكرر في الكتاب المقدس على تميز الله المطلق عن خلقه، ويرون أن بعض العبارات الواردة في رسائل بولس كانت سببًا في ظهور تأويلات لاهوتية توسعت في مفهوم الاتحاد بالمسيح.
رؤية الكاتب
ومن وجهة نظري، فإن نصوص إنجيل يوحنا التي تتحدث عن كون المسيح «في الآب» والآب «فيه» ينبغي أن تُقرأ مع النصوص الأخرى التي يصف فيها المسيح المؤمنين أيضًا بأنهم فيه وهو فيهم. وهذا يجعلني أميل إلى فهم هذه العبارات بوصفها تعبيرًا عن وحدة الرسالة والطاعة والمحبة والقرب من الله، أكثر من كونها بيانًا لاتحاد الذات أو الجوهر.
كما أنني أرى أن نصوص بولس التي تتحدث عن الاتحاد بالمسيح، والوراثة معه، ومشاركة القديسين في الدينونة، تُفهم في إطار اللغة الرمزية أو الروحية، ولا ينبغي أن تُفسَّر على أنها تجعل الإنسان مساويًا لله أو شريكًا له في ألوهيته. فاللاهوت المسيحي نفسه لا يقول إن المؤمن يصبح إلهًا بالمعنى الحقيقي، وإنما يتحدث عن الاشتراك في الخلاص والمجد بنعمة الله.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة