ف2 ج19 / 30 دليل التنصير من رآني فقد رأى الآب, ربى قعوار
antievangelism · 29 July, 2026
«من رآني فقد رأى الآب»
يُعد قول المسيح لفيلبس:
«الذي رآني فقد رأى الآب.» (يوحنا 14:9)
من أبرز النصوص التي يستند إليها اللاهوت المسيحي في الاستدلال على ألوهية المسيح. فالكنائس التقليدية ترى أن هذه العبارة تعبر عن العلاقة الفريدة بين الآب والابن، وأن المسيح هو الإعلان الكامل عن الله في العالم، حتى إن رؤية المسيح هي رؤية للآب من حيث إعلانه وصفاته، لا بمعنى أن الآب والابن شخص واحد.
ويرد النص في سياق حوار دار بين يسوع وتلاميذه عندما قال له فيلبس:
«يا سيد، أرنا الآب وكفانا.»
فأجابه يسوع:
«أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رآني فقد رأى الآب، فكيف تقول أنت: أرنا الآب؟ ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيَّ؟ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال.» (يوحنا 14:8-10).
التفسير المسيحي
يرى اللاهوت المسيحي أن يسوع لا يقصد مجرد تمثيل الله أو التحدث باسمه، بل يعلن أن من عرف شخصه فقد عرف الله، لأن الابن هو الصورة الكاملة للآب وإعلانه المنظور للبشر. ولذلك تُعد هذه العبارة من النصوص التي يستدل بها على التجسد، وعلى أن الله أعلن ذاته في شخص المسيح.
قراءة نقدية للنص
أما من منظور إسلامي، فيُفهم النص في سياق الرسالة والنيابة عن الله، لا في سياق الاتحاد في الذات أو الجوهر. فالمسيح يوضح في الآية نفسها:
«الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال.»
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن هذه العبارة تؤكد أن يسوع لا ينسب التعليم أو المعجزات إلى نفسه استقلالًا، وإنما إلى الله الذي أرسله وأيده.
ويمكن تقريب هذا المعنى بمثالٍ تقريبي – مع التنزيه الكامل لله تعالى عن المثل – وهو أن المبعوث أو السفير الرسمي يمثل الجهة التي أرسلته، فيقال: إن من تعامل معه فقد تعامل مع الدولة التي يمثلها، لا لأن السفير هو الدولة ذاتها، وإنما لأنه ينوب عنها ويعبر عن إرادتها الرسمية.
وبهذا المعنى، يرى أصحاب هذه القراءة أن المسيح يمثل إرادة الله ويبلغ رسالته ويظهر قدرته من خلال المعجزات التي أجراها الله على يديه، ولذلك فإن من رأى أعمال المسيح وآمن برسالته فقد عرف الله الذي أرسله.
رؤية الله في إنجيل يوحنا
ويستشهد بعض الباحثين كذلك بما جاء في إنجيل يوحنا نفسه:
«ليس أن أحدًا رأى الآب، إلا الذي من الله، هذا قد رأى الآب.» (يوحنا 6:46).
فاللاهوت المسيحي يرى أن هذا النص يؤكد أن المسيح وحده قد رأى الآب لأنه الابن الأزلي.
أما من جهة أخرى، فيرى بعض الباحثين أن المقصود هو المعرفة الخاصة بالله التي منحها الله لرسوله، وأن رؤية الآب هنا تُفهم بمعنى المعرفة والقرب، لا بمعنى الرؤية الحسية، خاصة وأن الإنجيل نفسه يقرر:
«الله لم يره أحد قط.» (يوحنا 1:18).
ومن ثم فإنهم يفسرون "رؤية الآب" بوصفها تعبيرًا عن المعرفة الكاملة بالله، أو عن الوحي الذي اختص الله به رسله.
ابن الله في السياق اليهودي
وقد سبق بيان أن لقب «ابن الله» كان معروفًا في البيئة اليهودية قبل المسيحية، واستُخدم في الكتاب المقدس في حق أنبياء وملوك وشعب إسرائيل وغيرهم بمعانٍ تتعلق بالاصطفاء والعهد والطاعة.
ويرى أصحاب الرؤية الإسلامية أن يسوع عندما وصف نفسه بأنه ابن الله كان يستعمل هذا اللقب في هذا الإطار الكتابي، أي بوصفه النبي المختار والمرسل من الله، دون أن يستلزم ذلك الاشتراك في الألوهية.
أما اللاهوت المسيحي فيميز بين بنوة المسيح وبين بنوة سائر البشر، ويرى أن يسوع هو الابن الوحيد بالمعنى الفريد والأزلي، وأن بنوته تختلف جوهريًا عن بنوة المؤمنين أو الأنبياء.
رؤية الكاتب
ومن وجهة نظري، فإن النصوص التي يُستدل بها على ألوهية المسيح، ومنها قوله: «من رآني فقد رأى الآب»، تحتمل أكثر من تفسير. فالقراءة المسيحية تفهمها في إطار عقيدة التجسد والثالوث، بينما يمكن فهمها أيضًا في إطار النيابة عن الله وإظهار إرادته وتعاليمه، خاصة وأن المسيح يكرر في الموضع نفسه أنه لا يتكلم من نفسه، وأن الآب هو الذي يعمل من خلاله.
كما أنني أرى أن إثبات قضية عقدية جوهرية كألوهية المسيح يستلزم – من الناحية المنهجية – الاعتماد على نصوص صريحة لا تحتمل أكثر من معنى. أما النصوص التي تقبل وجوهًا متعددة من التفسير، فإنها تظل محل اجتهاد بين المدارس التفسيرية المختلفة، ولا تكفي وحدها لحسم قضية بهذه الأهمية.
ويؤيد هذا المنهج أن النصوص الدينية في العقائد الأساسية غالبًا ما تأتي بصياغات مباشرة وحاسمة، كما في إعلان الله لموسى:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].
كما يستشهد المسلمون بقوله تعالى في الحديث عن عيسى عليه السلام يوم القيامة:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ... مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 116-117].
ومن هذا المنطلق، يرى الباحثون المسلمون أن العقائد الأساسية ينبغي أن تقوم على نصوص قطعية الدلالة لا تحتمل التأويلات المتعددة، بينما ترى الكنائس المسيحية أن عقيدة ألوهية المسيح لا تقوم على نص منفرد، وإنما على مجمل شهادة العهد الجديد وقراءته في إطار التقليد الكنسي. ومن هنا يبقى هذا الموضوع أحد أهم محاور الحوار العقدي بين الإسلام والمسيحية، وتختلف فيه مناهج الاستدلال وطرق تفسير النصوص بين المدرستين.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة