+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف2 ج22 / 30 دليل التنصير الخلاص ويسوع الذبيحة, ربى قعوار

antievangelism · 29 July, 2026

 

 

سادسًا: الخلاص

 

يُعد موضوع الخلاص من أعظم القضايا التي شغلت الإنسان منذ فجر التاريخ، بل ربما كان أكثر الأسئلة حضورًا في الفكر الديني والفلسفي عبر العصور. فالإنسان بطبيعته يدرك أنه كائن ناقص، كثير الزلل، وأنه لا يخلو من التقصير والخطأ، ولذلك ظل يبحث عن الطريق الذي يوصله إلى رضا الله، ويحرره من الشعور بالذنب، ويمنحه الطمأنينة في الدنيا، والنجاة في الآخرة. ومهما اختلفت الحضارات والأديان، فقد بقي السؤال نفسه يتردد: كيف ينال الإنسان الخلاص؟

 

وقد قدمت الديانات المختلفة إجابات متباينة عن هذا السؤال. فبعض الديانات الشرقية ربطت الخلاص بتزكية النفس والتخلص من آثار الأعمال السابقة من خلال المجاهدة والأعمال الصالحة، بينما تبنت المسيحية مفهومًا مختلفًا يقوم على عقيدة الفداء، والتي ترى أن الإنسان عاجز عن تخليص نفسه بسبب سقوطه في الخطية، وأن خلاصه لا يتحقق إلا بواسطة الذبيحة التي قدمها المسيح على الصليب. ويستند اللاهوت المسيحي في ذلك إلى ما جاء في الرسالة إلى العبرانيين:

«وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة.»

 

ومن هنا أصبحت عقيدة الفداء حجر الزاوية في اللاهوت المسيحي، إذ يُنظر إلى موت المسيح بوصفه الذبيحة الكاملة التي أنهت جميع الذبائح السابقة، وحققت المصالحة بين الله والإنسان.

 

ولكي تتضح هذه العقيدة، يرى اللاهوتيون المسيحيون أن الله منذ العهد القديم وضع نظامًا للذبائح والكفارات ضمن الشريعة الموسوية، وكان سبط لاوي هو المسؤول عن خدمة الهيكل وتقديم الذبائح نيابة عن الشعب. وكان الإنسان إذا أخطأ يأتي بذبيحة يحددها الناموس، فيضع يده على رأسها، في إشارة رمزية إلى انتقال خطيته إليها، ثم تُذبح أمام الله تكفيرًا عن ذنبه. ويرى المسيحيون أن هذا النظام لم يكن غاية في ذاته، بل كان رمزًا مؤقتًا يمهد للمجيء المنتظر للمسيح، الذي يعتقدون أنه قدم نفسه ذبيحة كاملة عن خطايا العالم، فأبطل الحاجة إلى جميع الذبائح السابقة.

 

غير أن هذا الفهم يثير عددًا من التساؤلات الجوهرية، أهمها: هل يقدم الكتاب المقدس فعلًا الذبائح على أنها الطريق الوحيد لنيل مغفرة الله؟ وهل كانت جميع الذبائح في العهد القديم تقدم للتكفير عن الخطايا؟ وهل كان الأنبياء يدعون الناس إلى الخلاص عن طريق الذبائح، أم كانوا يركزون على التوبة والرجوع إلى الله؟

 

وللإجابة عن هذه الأسئلة، ينبغي أن نعود إلى نصوص الكتاب المقدس نفسها، وأن نتتبع وظيفة الذبائح منذ سفر التكوين، مرورًا بالشريعة الموسوية، ثم رسائل الأنبياء، وصولًا إلى الأناجيل وسفر أعمال الرسل، حتى يتبين لنا ما إذا كانت عقيدة الفداء تمثل الامتداد الطبيعي لهذا المسار، أم أنها تفسير لاهوتي بُني على مجموعة من النصوص دون غيرها.

 

فإذا بدأنا بأقدم أسفار الكتاب المقدس، وجدنا أن أول إشارة يُستدل بها أحيانًا على الذبيحة هي ما جاء بعد خروج آدم وحواء من الجنة، إذ يقول سفر التكوين:

«وصنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما.»

 

وقد ذهب بعض علماء اليهود، اعتمادًا على ما ورد في التلمود، إلى أن الله ذبح حيوانًا ليصنع منه تلك الأقمصة، وأن هذه كانت أول ذبيحة في التاريخ، ومنها تعلم آدم وذريته نظام الذبائح. غير أن النص الكتابي نفسه لا يذكر شيئًا من ذلك، فلا يصرح بأن حيوانًا قد ذُبح، ولا يربط صناعة الأقمصة الجلدية بالتكفير عن الخطية أو بالفداء. ولذلك فإن الاستدلال بهذا النص على وجود أول ذبيحة كفارية يبقى مبنيًا على تفسير لاحق، لا على العبارة الصريحة الواردة في سفر التكوين.

 

ثم ننتقل بعد ذلك إلى قصة قايين وهابيل، لنرى: هل كانت أول ذبيحة قدمها الإنسان لله ذبيحة كفارة عن الخطية، أم كانت قربانًا للتعبد والتقرب إلى الله؟

 

 

بعد قصة آدم، تأتي أول ذبيحة يذكرها الكتاب المقدس على لسان الإنسان، وهي قصة قايين وهابيل. وتُعد هذه القصة ذات أهمية خاصة؛ لأنها تمثل أول عبادة قدمها أبناء آدم لله، ولذلك فمن الطبيعي أن نتساءل: هل كانت هذه الذبيحة ذبيحة كفارة عن الخطية، أم كانت قربانًا للتعبد والتقرب إلى الله؟

 

يخبرنا سفر التكوين أن:

«وحدث من بعد أيام أن قايين قدم من أثمار الأرض قربانًا للرب، وقدم هابيل أيضًا من أبكار غنمه ومن سمانها...»

 

ومن يتأمل النص يجد أنه لا يتحدث عن خطيئة اقترفها قايين أو هابيل، ولا يذكر أن أحدهما جاء طالبًا مغفرة ذنب، كما لا يذكر أن الله أمرهما بتقديم ذبيحة تكفيرية. بل إن النص يصف ما قدماه بأنه «قربان للرب»، أي عمل تعبدي يقصد به التقرب إلى الله وإظهار الخضوع له. ولهذا فإن الاستدلال بهذه القصة لإثبات أن الذبائح وُضعت منذ البداية للتكفير عن الخطايا لا يبدو ظاهرًا من النص نفسه، لأن السفر لم يربط القربان هنا بالكفارة، وإنما بالعبادة والتقرب إلى الله.

 

ثم ننتقل إلى نوح عليه السلام بعد انتهاء الطوفان، حيث يخبرنا سفر التكوين أن نوحًا:

«بنى مذبحًا للرب، وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا...»

 

ومن الواضح أن هذه الذبيحة جاءت بعد أن نجى الله نوحًا وأهله من الطوفان العظيم، فهي أقرب إلى أن تكون تعبيرًا عن الشكر والثناء على نعمة النجاة، لا ذبيحة كفارة عن خطيئة ارتكبها نوح. بل إن النص نفسه يربطها بعهد جديد بين الله والبشر، حيث وعد الله ألا يهلك الأرض بالطوفان مرة أخرى، ولم يجعل محور الحديث هو غفران الخطايا، وإنما رحمته بالإنسان رغم ضعفه.

 

ثم يأتي إبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء، الذي ارتبط اسمه في الكتاب المقدس بالذبائح أكثر من غيره. ففي سفر التكوين يأمره الله أن يقدم عجلة وعنزة وكبشًا ويمامة وحمامة، ثم يشق الحيوانات ويضع كل شق مقابل الآخر. غير أن المتأمل في سياق الإصحاح يجد أن هذه الذبيحة لم تكن كفارة عن خطيئة، وإنما كانت جزءًا من إقامة عهد بين الله وإبراهيم، أكد الله فيه وعده بأن يكثر نسله ويمنحه الأرض التي وعده بها.

 

ولو كانت الذبيحة في كل موضع ترمز إلى التكفير عن الخطايا، لكان من الطبيعي أن يذكر النص ذلك صراحة، إلا أن السفر يجعل محور الحديث هو العهد والوعد الإلهي، لا الفداء ولا الكفارة.

 

أما في سفر أيوب، فنجد صورة مختلفة؛ إذ يأمر الله أصحاب أيوب أن يقدموا محرقات، بينما يصلي أيوب من أجلهم حتى يقبلهم الله. وهنا تظهر الذبيحة مرتبطة بطلب المغفرة بعد خطأ وقع فيه أصحاب أيوب عندما تكلموا بما لا يليق في حق الله. وهذه من المواضع القليلة التي ترتبط فيها الذبيحة بطلب الصفح عن الذنب، مما يدل على أن للذبائح في الكتاب المقدس وظائف متعددة، وليست كلها تؤدي الغرض نفسه.

 

وعندما نصل إلى موسى عليه السلام قبل اكتمال الشريعة، نجد أن الله أمره قائلاً:

«مذبحًا من تراب تصنع لي، وتذبح عليه محرقاتك وذبائح سلامتك...»

 

ومن اللافت للنظر أن النص يذكر ذبائح السلامة، وهي ذبائح ترتبط بالشكر والعبادة وإعلان السلام مع الله، ولا يجعل الحديث هنا عن ذبائح الخطية أو الإثم. وهذا يدل مرة أخرى على أن نظام الذبائح في الكتاب المقدس أوسع من أن يُختزل في فكرة التكفير عن الذنوب.

 

وكذلك نجد داود عليه السلام يبني مذبحًا للرب ويصعد محرقات وذبائح سلامة، فيستجيب الله وترتفع الضربة عن إسرائيل. كما نجد سليمان عليه السلام يقدم المحرقات وذبائح السلامة في المناسبات الدينية الكبرى، تعبيرًا عن العبادة وإقامة الشعائر، لا لأن الشعب كان في كل مرة يطلب مغفرة خطيئة معينة.

 

ومن خلال هذه الأمثلة المتتابعة، يتبين أن الذبائح في أسفار العهد القديم لم تكن ذات وظيفة واحدة، وإنما تنوعت أغراضها بحسب المناسبة؛ فمنها ما كان للتقرب إلى الله، ومنها ما كان للشكر، ومنها لإقامة عهد، ومنها لطلب البركة، ومنها لطلب المغفرة. ولذلك فإن القول بأن جميع الذبائح كانت في أصلها ذبائح كفارية لا يبدو منسجمًا مع الصورة الكاملة التي تقدمها نصوص الكتاب المقدس نفسها.

 

بل إن دارس سفر اللاويين يلاحظ أن الشريعة الموسوية لم تعرف نوعًا واحدًا من الذبائح، وإنما ذكرت أنواعًا متعددة، لكل منها أحكامها ووظيفتها الخاصة. فقد وردت المحرقة، وتقدمة الدقيق، وذبيحة السلامة، وذبيحة الخطية، وذبيحة الإثم، إلى جانب أنواع أخرى من القرابين. وهذا التنوع يدل على أن العبادة في الشريعة الموسوية لم تكن محصورة في فكرة التكفير عن الخطايا، وإنما كانت تشمل معاني العبادة والشكر والطاعة والعهد والتقديس، فضلًا عن الكفارة في بعض الحالات.

 

ومن هنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت ذبيحة الخطية ليست إلا نوعًا واحدًا من بين أنواع متعددة من الذبائح، فكيف أصبحت في اللاهوت المسيحي المفتاح الذي يُفسَّر على أساسه نظام الذبائح كله، حتى قيل إن جميع تلك الذبائح لم تكن إلا رموزًا لذبيحة المسيح؟ هذا السؤال يستحق الوقوف عنده، لأنه يمثل نقطة محورية في فهم العلاقة بين الشريعة الموسوية وعقيدة الفداء، وهو ما سنناقشه في المبحث التالي عند الحديث عن تفسير الكنيسة لذبائح سفر اللاويين، ومدى انسجام هذا التفسير مع نصوص العهد القديم نفسها.

 

 

ذبائح سفر اللاويين وعلاقتها بعقيدة الفداء

 

يرى اللاهوت المسيحي أن نظام الذبائح الذي ورد في سفر اللاويين لم يكن مجرد تشريعات خاصة بعبادة بني إسرائيل، وإنما كان يحمل بُعدًا رمزيًا يشير إلى عمل المسيح الخلاصي. ولذلك يذهب كثير من آباء الكنيسة واللاهوتيين إلى أن كل ذبيحة من ذبائح العهد القديم كانت ترمز بطريقة أو بأخرى إلى المسيح، وأنها بلغت كمالها بموته على الصليب.

 

ومن أشهر من عبّر عن هذا الفهم عدد من علماء اللاهوت المعاصرين، إذ يرون أن الذبائح الخمس الرئيسة الواردة في سفر اللاويين إنما هي صور متعددة لعمل المسيح؛ فالمحرقة ترمز إلى تسليم المسيح نفسه بالكامل لله، وتقدمة الدقيق ترمز إلى حياته الطاهرة، وذبيحة السلامة ترمز إلى المصالحة بين الله والإنسان، أما ذبيحة الخطية وذبيحة الإثم فترمزان إلى حمله خطايا البشر وموته كفارة عنهم.

 

ولا شك أن هذا التفسير يمثل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها فهم الكنيسة للعهد القديم، إذ تُقرأ نصوص الذبائح كلها في ضوء الصليب، لا باعتبارها أحكامًا مستقلة تخص بني إسرائيل فحسب.

 

غير أن المتأمل في نصوص سفر اللاويين يلاحظ أن الذبائح ليست جميعها مرتبطة بالخطية، بل إن كثيرًا منها لا علاقة له بالتكفير عن الذنب أصلًا. فقد عرفت الشريعة المحرقة، وتقدمة الدقيق، وذبائح السلامة، والبواكير، والنذور، وذبائح الشكر، إلى جانب ذبيحة الخطية وذبيحة الإثم. وهذا التنوع يدل على أن العبادة في الشريعة الموسوية كانت أوسع بكثير من أن تُختزل في مفهوم الكفارة.

 

بل إن اللافت للنظر أن تقدمة الدقيق، وهي إحدى التقدمات الرئيسة في سفر اللاويين، كانت تُقدَّم بلا سفك دم إطلاقًا، ومع ذلك قبلها الله وجعلها من القرابين المشروعة. ولو كان سفك الدم شرطًا لازمًا في كل عبادة تقرب الإنسان إلى الله، لما كانت هذه التقدمة جزءًا أصيلًا من نظام العبادة الذي شرعه الله لبني إسرائيل.

 

ولهذا يقر اللاهوتيون أنفسهم بأن تقدمة الدقيق لا تمثل الكفارة عن الخطايا، وإنما يفسرونها رمزيًا بأنها تشير إلى حياة المسيح الكاملة وطهارته قبل الصليب. وهذا الاعتراف يثير سؤالًا مهمًا: إذا كانت إحدى أهم التقدمات في الشريعة لا علاقة لها بالكفارة، فكيف أصبح سفك الدم هو المحور الذي تُفسَّر على أساسه جميع الذبائح؟

 

ومن الأمثلة التي تستحق التأمل أيضًا المحرقة. فبحسب الشريعة الموسوية، كانت المحرقة تُحرق كاملة على المذبح، ولا يُؤكل منها شيء، بل تُقدَّم كلها لله، ولذلك سميت "محرقة" لأنها تصعد بكاملها نارًا أمام الرب. وقد رأى اللاهوت المسيحي في هذه الذبيحة رمزًا لتقديم المسيح نفسه طاعةً كاملة لله، مستشهدًا بقول بولس:

«وأحبنا المسيح أيضًا وأسلم نفسه لأجلنا قربانًا وذبيحة لله رائحة طيبة.»

 

ومن هذا المنطلق، يرى المسيحيون أن المحرقة تشير إلى قبول الله لذبيحة المسيح ورضاه عنها.

 

غير أن هذا الفهم يثير بدوره تساؤلًا آخر. فإذا كانت المحرقة هي الرمز الأوضح للمسيح، وكانت الشريعة تؤكد أنها لا تؤكل، بل تُحرق بكاملها على المذبح، فكيف تُفهم ممارسة العشاء الرباني، التي يتناول فيها المؤمنون الخبز والخمر على أنهما رمز لجسد المسيح ودمه؟ وإذا كان الرمز في العهد القديم لا يؤكل، فما الأساس الذي جعل الرمز في العهد الجديد يُؤكل ويُشرب؟

 

ولست أطرح هذا السؤال بقصد الاعتراض على الطقس المسيحي في ذاته، وإنما لأبين أن العلاقة بين رموز العهد القديم وممارسات العهد الجديد ليست بالبساطة التي تُعرض بها أحيانًا، وأنها تقوم على تفسيرات لاهوتية تحتمل النقاش.

 

ومن هنا يتبين أن تفسير جميع الذبائح على أنها إشارات مباشرة إلى صلب المسيح ليس أمرًا يصرح به النص الموسوي نفسه، بل هو قراءة لاهوتية جاءت لاحقًا، تبنتها الكنيسة في ضوء إيمانها بأن المسيح هو الذبيحة الكاملة. أما النصوص ذاتها، فإنها تعرض منظومة واسعة من الذبائح والقرابين، لكل منها غرضها وسياقها وأحكامها الخاصة، دون أن تصرح بأن جميعها يشير إلى حدث واحد سيقع في المستقبل.

 

وهذا يقودنا إلى سؤال أكثر أهمية، وهو: إذا كان الله يريد من الإنسان أن ينال المغفرة عن طريق الذبائح وحدها، فلماذا نجد أن الأنبياء، في مواضع كثيرة، كانوا يركزون على التوبة والطاعة وإصلاح القلب أكثر من تركيزهم على تقديم الذبائح؟ وهل كانت رسالتهم الأساسية دعوة الناس إلى الذبائح، أم دعوة الناس إلى الرجوع إلى الله؟ وهذا ما سنبحثه في المبحث التالي.

 

 

هل كانت الذبائح محور دعوة الأنبياء؟

 

بعد استعراض نظام الذبائح في العهد القديم، يبرز سؤال في غاية الأهمية: هل كان الأنبياء يعلّمون الناس أن الخلاص يتحقق من خلال تقديم الذبائح، أم أن دعوتهم كانت تتجه إلى أمر آخر؟

 

إن المتأمل في أسفار الأنبياء يلاحظ أن خطابهم كان يتكرر بصورة لافتة، فكانوا يدعون الناس إلى التوبة، والرجوع إلى الله، وترك الظلم، وإصلاح القلب، أكثر مما كانوا يدعونهم إلى الإكثار من الذبائح. ولم يكن اعتراضهم على الذبائح من حيث أصل مشروعيتها، فهي جزء من الشريعة التي أنزلها الله، وإنما كان اعتراضهم على تحويلها إلى طقوس شكلية يظن الناس أنها تكفي وحدها لنيل رضا الله، بينما تبقى القلوب غارقة في الظلم والفساد.

 

ولهذا قال النبي صموئيل لشاول عندما خالف أمر الله:

«هل مسرة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب؟ هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة، والإصغاء أفضل من شحم الكباش.»

إن هذا النص يقرر مبدأً مهمًا، وهو أن الطاعة مقدمة على الذبيحة، وأن قيمة الذبيحة لا تنبع من الدم المسفوك في ذاته، وإنما من القلب المطيع الذي يقدمها امتثالًا لأمر الله. فلو كانت الذبيحة وحدها كافية لنيل المغفرة، لما كان هناك معنى لتفضيل الطاعة عليها.

 

ولم يكن صموئيل وحده من أكد هذا المعنى، بل سار على النهج نفسه جميع الأنبياء تقريبًا.

 

فالنبي حزقيال لم يخاطب بني إسرائيل قائلًا: "قدموا المزيد من الذبائح"، وإنما قال:

«توبوا وارجعوا عن أصنامكم، وعن كل رجاساتكم اصرفوا وجوهكم.»

 

فالرجوع إلى الله هو أساس الإصلاح، وهو الطريق الذي دعا إليه النبي، ولم يجعل محور دعوته كثرة المحرقات أو الذبائح.

 

وكذلك كان النبي إرميا، الذي تُعد كلمة "ارجعوا" أو "توبوا" من أكثر الكلمات تكرارًا في سفره. والكلمة العبرية (שוב - شوف) تعني الرجوع أو العودة، وقد تكررت عشرات المرات في دعوته، حتى أصبحت شعار رسالته كلها؛ إذ كان ينادي الشعب بالعودة إلى الله، لا بالاعتماد على المظاهر الدينية أو الطقوس الخارجية.

 

بل إن الأنبياء ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك، حين بينوا أن الله قد يرفض الذبائح نفسها إذا كانت صادرة عن قلب بعيد عنه. فقد جاء في سفر إشعياء:

«لماذا لي كثرة ذبائحكم؟ يقول الرب... لا أُسرّ بدم عجول وخراف وتيوس.»

 

وليس المقصود من هذا النص أن الله أبطل الذبائح التي شرعها، وإنما أن الذبيحة إذا انفصلت عن التوبة والعدل والإيمان أصبحت طقسًا لا قيمة له، بل قد تكون سببًا في زيادة مسؤولية الإنسان أمام الله.

 

ويقول النبي هوشع:

«إني أريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من محرقات.»

 

وهذا النص له أهمية خاصة، لأنه لم يقتصر على المقارنة بين الذبيحة والرحمة، بل جعل الرحمة ومعرفة الله أعلى منزلة من الذبائح نفسها. وقد استشهد المسيح بهذا النص مرتين في الإنجيل، مما يدل على المكانة التي كان يحتلها في تعليمه.

 

وكذلك يقول النبي ميخا:

«بماذا أتقدم إلى الرب؟... هل أُتقدم بمحرقات؟... هل يُسرّ الرب بألوف الكباش؟... قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح، وماذا يطلبه منك الرب، إلا أن تصنع الحق، وتحب الرحمة، وتسلك متواضعًا مع إلهك.»

 

ومن الصعب أن يقرأ الإنسان هذه النصوص مجتمعة دون أن يلاحظ أن الأنبياء كانوا يعيدون توجيه الناس باستمرار إلى جوهر العبادة، وهو إصلاح القلب والعمل بالحق، لا مجرد الإكثار من الذبائح.

 

ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: إذا كان الخلاص متوقفًا على سفك الدم، فلماذا لم يكن هذا هو المحور الرئيس في دعوة الأنبياء؟ ولماذا كان خطابهم المتكرر يدور حول التوبة، والرجوع إلى الله، وإصلاح النفس، والعدل، والرحمة، وطاعة أوامر الله؟

 

ومن وجهة نظري، فإن القراءة المتأنية للعهد القديم تقود إلى نتيجة واضحة، وهي أن الذبائح كانت جزءًا من الشريعة، لكنها لم تكن جوهر الرسالة التي حملها الأنبياء. فقد كان همهم الأول إعادة الناس إلى عبادة الله وحده، وإحياء التقوى في القلوب، وإصلاح السلوك، لأن الذبيحة بلا توبة لا قيمة لها، أما التوبة الصادقة فإنها هي التي تفتح للإنسان باب رحمة الله.

 

وهذه النتيجة تمهد للانتقال إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: هل غيّر المسيح هذا المنهج؟ وهل جعل محور دعوته الإيمان بموته فديةً عن البشر، أم أنه بدأ دعوته بما بدأ به الأنبياء من قبله، وهو الدعوة إلى التوبة والرجوع إلى الله؟ وهذا ما سنناقشه في المبحث التالي عند دراسة تعليم يوحنا المعمدان، ثم تعليم المسيح نفسه، كما ورد في الأناجيل.

 

 

هل غيَّر المسيح منهج الأنبياء في طريق الخلاص؟

 

إذا كانت دعوة الأنبياء في العهد القديم قد انصبت على التوبة والرجوع إلى الله، فإن السؤال الطبيعي الذي يفرض نفسه هو: هل جاء المسيح عليه السلام بمنهج مختلف، فجعل الخلاص قائمًا على الذبيحة والفداء، أم أنه سار على النهج نفسه الذي سار عليه الأنبياء من قبله؟

 

وللإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن نبدأ بمن سبق المسيح مباشرة، وهو يوحنا المعمدان (يحيى عليه السلام)، الذي تصفه الأناجيل بأنه المهيئ لطريق المسيح، وصاحب الرسالة التي سبقت ظهوره بين بني إسرائيل.

 

ويخبرنا إنجيل متى أن أول ما كان ينادي به يوحنا هو قوله:

«توبوا، لأن قد اقترب ملكوت السماوات.»

ومن اللافت للنظر أن هذه الدعوة لم تتضمن حديثًا عن ذبيحة قادمة، ولا عن ضرورة الإيمان بفداء سيقع في المستقبل، وإنما ركزت على إصلاح الإنسان من الداخل، والرجوع إلى الله، وترك المعاصي، وهي الرسالة نفسها التي حملها الأنبياء من قبله.

 

ثم يأتي المسيح عليه السلام، فإذا بأول ما تنقله الأناجيل عنه هو الكلمات نفسها تقريبًا، إذ يقول إنجيل متى:

«من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا، لأن قد اقترب ملكوت السماوات.»

 

وهنا يبرز أمر يستحق التأمل؛ فلو كانت الرسالة الأساسية للمسيح هي الإعلان عن أن خلاص البشر لا يكون إلا بالإيمان بموته الكفاري، لكان من المتوقع أن يبدأ دعوته بهذا الأصل الذي تُبنى عليه العقيدة المسيحية كلها. إلا أن الأناجيل تقدم لنا بداية مختلفة؛ فقد بدأ المسيح دعوته بالدعوة إلى التوبة، كما فعل يوحنا، وكما فعل الأنبياء من قبله.

 

ولا يقتصر الأمر على افتتاح الدعوة، بل إن المتأمل في تعليم المسيح كله يجد أن حديثه كان يدور حول الإيمان بالله، وطاعة وصاياه، والإخلاص في العبادة، ومحبة الله، ومحبة الناس، والتواضع، والرحمة، والعفو، والعمل الصالح، والاستعداد للقاء الله. وهذه الموضوعات تشغل مساحة واسعة من الأناجيل، في حين لا نجد أن المسيح كان يجوب قرى بني إسرائيل معلنًا أن الخلاص قد أصبح قائمًا على موته المرتقب، أو أنه كان يطالب الناس بالإيمان بصلبه بوصفه الشرط الأساس لنيل المغفرة.

 

بل إن المسيح، عندما سُئل عن أعظم الوصايا، لم يجعل الجواب متعلقًا بذبيحة أو فداء، وإنما أجاب بقوله:

«أحبب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك... وهذه هي الوصية الأولى والعظمى.»

 

وهذا الجواب يعيد الإنسان مرة أخرى إلى أصل العلاقة بين العبد وربه، وهي توحيد الله، وإخلاص المحبة والعبادة له، وهي الرسالة التي اتفق عليها جميع الأنبياء.

 

ولا يعني هذا أن المسيح لم يتحدث عن آلامه أو عن الأحداث التي ستقع له، فقد وردت في الأناجيل نصوص تشير إلى إخباره تلاميذه بما سيصيبه. غير أن السؤال هنا ليس: هل أخبر المسيح بما سيحدث؟ وإنما: هل جعل ذلك محور دعوته لعامة الناس، كما جعل الأنبياء التوبة محور دعوتهم؟ ومن خلال القراءة المتأنية للأناجيل، يظهر أن الدعوة العملية التي كان يكررها المسيح أمام الناس كانت دعوةً إلى التوبة، والإيمان بالله، والعمل بوصاياه، والاستعداد لملكوت الله.

 

ماذا عن التلاميذ؟

 

إذا كان المسيح قد أوكل إلى تلاميذه مهمة مواصلة الدعوة بعده، فمن الطبيعي أن نتساءل: بأي رسالة خرجوا إلى الناس؟

 

يخبرنا سفر أعمال الرسل أن أول خطاب ألقاه بطرس بعد رفع المسيح انتهى بقوله:

«توبوا، وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس.»

 

ومن اللافت للنظر أن أول كلمة في هذا الخطاب كانت أيضًا «توبوا». فالتوبة بقيت المدخل الذي يدعو إليه التلاميذ، كما كانت المدخل في دعوة يوحنا، وفي دعوة المسيح، وفي دعوة الأنبياء جميعًا.

 

كما أن المعمودية التي دعا إليها بطرس جاءت امتدادًا لما كان ينادي به يوحنا المعمدان، الذي وصف معموديته بأنها معمودية توبة. ولذلك فإن محور الدعوة، كما يقدمه سفر أعمال الرسل في بداياته، لا يزال يدور حول رجوع الإنسان إلى الله، وترك الخطايا، والإيمان برسالته.

 

ومن هنا يثور تساؤل آخر: إذا كانت عقيدة الفداء هي الأساس الذي يقوم عليه الخلاص، فلماذا لا نجدها تحتل المكانة نفسها في أولى خطب التلاميذ كما نجد الدعوة إلى التوبة؟ ولماذا استمر خطابهم العملي موجهًا إلى إصلاح الإنسان وإرجاعه إلى الله؟

 

هذه الأسئلة لا يُراد بها إنكار وجود نصوص فسرتها الكنيسة على أنها تؤيد عقيدة الفداء، وإنما المقصود منها لفت الانتباه إلى أن الصورة العامة التي ترسمها الأناجيل وسفر أعمال الرسل في بدايات الدعوة تُظهر أن التوبة والرجوع إلى الله كانتا الأساس الذي بدأ به المسيح وتلاميذه دعوتهم، تمامًا كما كان الحال مع الأنبياء من قبل.

 

ويبقى بعد ذلك سؤال أخير، وهو من أكثر الأسئلة إثارة للنقاش في هذا الموضوع: إذا كان موت المسيح قد أنهى نظام الذبائح نهائيًا، فلماذا نجد بولس نفسه، بعد إيمانه بالمسيح، لا يزال يشارك في طقوس الهيكل ويقدم القرابين؟ وهذا ما سنناقشه في المبحث التالي.

 

ممتاز، نصل الآن إلى خاتمة الحجة، وهي من أهم أجزاء الفصل؛ لأنها تربط بين النصوص السابقة والنتيجة التي تريد الوصول إليها، ولكن بصياغة علمية أكثر قوة.


ماذا عن بولس؟

يرى كثير من الباحثين في تاريخ المسيحية أن بولس الرسول كان الشخصية الأكثر تأثيرًا في صياغة الفكر اللاهوتي المسيحي، ولا سيما فيما يتعلق بعقيدة الفداء والخلاص بالإيمان بالمسيح. ولذلك فإن من الطبيعي أن نتساءل: هل كان بولس بعد إيمانه بالمسيح يرى أن الذبائح الموسوية قد انتهى دورها تمامًا؟

فإذا كانت ذبيحة المسيح ـ بحسب العقيدة المسيحية ـ هي الذبيحة الكاملة التي أبطلت جميع الذبائح السابقة، فمن المتوقع ألا يكون هناك بعد ذلك أي مبرر للاستمرار في تقديم القرابين في الهيكل، لأن الرمز ـ بحسب هذا الفهم ـ قد انتهى بحضور المرموز إليه.

غير أن سفر أعمال الرسل يذكر حادثة تستحق التأمل، إذ يقول:

«حينئذ أخذ بولس الرجال في الغد، وتطهر معهم، ودخل الهيكل، مخبرًا بكمال أيام التطهير، إلى أن يُقرَّب عن كل واحد منهم القربان.»

ويفهم من ظاهر النص أن بولس شارك في طقوس التطهير المرتبطة بالشريعة الموسوية، ودخل الهيكل حتى يتم تقديم القربان عن الرجال الذين كانوا معه. وهذا يثير تساؤلًا مشروعًا: إذا كان بولس يؤمن بأن ذبيحة المسيح قد أنهت الحاجة إلى الذبائح، فلماذا شارك في طقس يتضمن تقديم القربان في الهيكل؟

 

ويجيب بعض اللاهوتيين عن ذلك بأن بولس لم يكن يقدم هذه الذبائح إيمانًا بفاعليتها في التكفير عن الخطايا، وإنما فعل ذلك مراعاةً لليهود الذين كان يدعوهم، وحتى لا يثير حساسيتهم تجاه رسالته. ويرى آخرون أن هذا التصرف كان مجرد التزام اجتماعي أو ديني لا علاقة له بعقيدته في الخلاص.

 

إلا أن هذا التفسير يظل محل نقاش؛ لأن النص لا يبين أن بولس كان يعترض على تقديم القربان، ولا يذكر أنه أعلن أن هذه الطقوس فقدت قيمتها بعد صلب المسيح، بل يصوره مشاركًا فيها وفق ما تقتضيه الشريعة. ومن هنا يبقى السؤال قائمًا: هل كانت الكنيسة الأولى قد حسمت بالفعل أن نظام الذبائح قد انتهى، أم أن هذا الفهم تطور تدريجيًا في الفكر المسيحي؟

 

والمقصود من إثارة هذا السؤال ليس الجزم بإجابة معينة، وإنما التنبيه إلى أن النصوص التاريخية الواردة في سفر أعمال الرسل تفتح بابًا للتأمل في طبيعة العلاقة بين الشريعة الموسوية وبين العقيدة التي تبلورت لاحقًا حول الفداء.

 

الخلاص بين التوبة والفداء

 

وبعد استعراض النصوص السابقة، يتبين أن الكتاب المقدس يعرض صورة أوسع من مجرد ربط الخلاص بسفك الدم. فالذبائح كانت جزءًا من الشريعة، لكنها لم تكن الوسيلة الوحيدة التي دعا إليها الأنبياء لنيل رضا الله، بل إن رسالتهم كانت تقوم في المقام الأول على دعوة الناس إلى الإيمان بالله، والتوبة الصادقة، وطاعته، وإصلاح السلوك، والابتعاد عن الظلم والفساد.

 

ولذلك نجد أن الأنبياء كانوا يؤكدون مرارًا أن الله ينظر إلى القلب قبل الطقس، وإلى الطاعة قبل الذبيحة، وإلى التوبة قبل القربان. كما أن يوحنا المعمدان بدأ دعوته بالتوبة، وافتتح المسيح رسالته بالدعوة نفسها، وسار التلاميذ في بداية دعوتهم على النهج ذاته، مما يدل على أن التوبة والرجوع إلى الله كانتا محور الخطاب الديني عبر العهدين.

 

ومن هذا المنطلق، أرى أن جعل الخلاص محصورًا في عقيدة الفداء وسفك الدم لا يعكس الصورة الكاملة التي تقدمها نصوص الكتاب المقدس، لأن هذه النصوص نفسها تُظهر أن العلاقة بين الإنسان وربه تقوم أولًا على الإيمان الصادق، والطاعة، والتوبة، والإخلاص في العبادة، وهي المبادئ التي دعا إليها جميع أنبياء الله.

 

وهذا الفهم ينسجم كذلك مع ما يقرره الإسلام، إذ يجعل باب التوبة مفتوحًا لكل إنسان، دون أن يحمل أحدٌ ذنب غيره، ودون أن تكون مغفرة الله متوقفة على انتقال الخطيئة إلى بريء أو على سفك دم من أجلها. يقول الله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

 

ويقول سبحانه:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: 54].

 

فالخلاص في المنظور الإسلامي يقوم على التوحيد، والإيمان، والتوبة الصادقة، والعمل الصالح، مع الثقة برحمة الله وعدله، دون أن يحمل إنسانٌ وزر غيره، امتثالًا لقوله تعالى:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

 

وبهذا تلتقي دعوة الإسلام مع الأصل الذي أكدته رسالات الأنبياء جميعًا، وهو أن طريق النجاة يبدأ بالرجوع إلى الله، وإخلاص العبادة له وحده، والعمل بما أمر به، رجاء رحمته وخوفًا من عقابه، فهو سبحانه أرحم الراحمين، يقبل التوبة عن عباده، ويغفر الذنوب لمن أناب إليه مخلصًا.

 

 

خلاصة البحث

 

وبعد استقراء النصوص الكتابية المتعلقة بالذبائح والخلاص، يتبين أن الربط بين مغفرة الخطايا وسفك الدم ليس بالصورة المطلقة التي يُصوَّر بها في اللاهوت المسيحي. فالكتاب المقدس يعرض منظومة واسعة من الذبائح، تختلف مقاصدها ووظائفها؛ فمنها ما كان للشكر، ومنها ما كان لإقامة العهود، ومنها ما كان للتقرب إلى الله، ومنها ما كان للكفارة في حالات محددة. كما أن الأنبياء لم يجعلوا الذبائح محور دعوتهم، بل ركزوا على التوبة، والإيمان، والعدل، والرحمة، وطاعة الله، وعدّوا هذه المبادئ أساس العلاقة بين الإنسان وربه.

 

وعند الانتقال إلى العهد الجديد، نجد أن يوحنا المعمدان بدأ دعوته بالتوبة، وافتتح المسيح رسالته بالأمر نفسه، وسار التلاميذ على النهج ذاته، مما يؤكد استمرار الخط الذي قامت عليه دعوة الأنبياء جميعًا. أما القول بأن الخلاص لا يتحقق إلا من خلال الفداء، فهو تفسير لاهوتي تبنته الكنيسة لفهم بعض نصوص الكتاب المقدس، بينما تكشف القراءة الشاملة للنصوص أن الدعوة إلى التوبة والرجوع إلى الله كانت الرسالة الأكثر حضورًا في خطاب الأنبياء والمسيح وتلاميذه.

 

ومن المنظور الإسلامي، فإن هذا المسار ينسجم مع ما قرره القرآن الكريم من أن الإنسان مسؤول عن عمله، وأن باب التوبة مفتوح لكل من رجع إلى الله مخلصًا، دون أن يحمل أحدٌ إثم غيره، قال تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وقال سبحانه: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾. فالنجاة تقوم على الإيمان الصادق، والتوبة النصوح، والعمل الصالح، ورجاء رحمة الله، لا على انتقال الخطيئة من المذنب إلى غيره.

 

وبذلك يظهر أن مفهوم الخلاص في الإسلام يقوم على علاقة مباشرة بين العبد وربه، أساسها التوحيد والإنابة والطاعة، وهو ما أراه أكثر اتساقًا مع الرسالة التي دعا إليها أنبياء الله عبر التاريخ، كما تعكسها النصوص الكتابية عند قراءتها في سياقها العام.