+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف2 ج 24 / 30 دليل التنصير هل كل المسلمون سيدخلون النار؟, ربى قعوار,

antievangelism · 30 July, 2026

 

 

الفصل الثامن: الرد على المعتقدات المسيحية من القرآن والسنة

 

(الرد على الشبهات العقدية)

 

تمهيد

 

منذ ظهور الدعوة الإسلامية، لم تتوقف محاولات الطعن في الإسلام والتشكيك في أصوله، وتعددت الوسائل التي استُخدمت لتحقيق هذا الهدف. وقد كان القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أكثر ما تعرض لهؤلاء بالنقد والاعتراض، سواء من المستشرقين أو من المنصرين الذين جعلوا من مهاجمة الإسلام وسيلة للدعوة إلى معتقداتهم.

 

وفي العقود الأخيرة برز أسلوب جديد في الخطاب التنصيري، يختلف عن الأساليب التقليدية التي تقوم على مهاجمة القرآن أو الطعن في النبي محمد ﷺ بصورة مباشرة. فبدلًا من إنكار النصوص الإسلامية، أصبح بعض المنصرين يحاولون الاستناد إليها نفسها، ثم إعادة تفسيرها بما يتوافق مع العقيدة المسيحية. فهم يوهمون المسلم بأن القرآن يؤيد معتقداتهم، وأن الخلاف بين الإسلام والمسيحية ليس إلا خلافًا في الفهم، لا في أصل العقيدة.

 

ومن الأمثلة الشائعة على ذلك استدلالهم بوصف المسيح في القرآن بأنه «كلمة الله»، ثم بناؤهم على ذلك أن كلمة الله غير مخلوقة، وبالتالي فإن المسيح ـ بزعمهم ـ ليس مخلوقًا، بل هو من ذات الله. ومثل هذه الاستدلالات لا تقوم على قواعد التفسير الإسلامي، وإنما تعتمد على نقل الألفاظ من بيئتها القرآنية إلى المفاهيم اللاهوتية المسيحية، ثم تحميل النصوص الإسلامية معاني لم يقصدها القرآن ولا فهمها علماء المسلمين عبر القرون.

 

والحقيقة أن هذه الشبهات ليست جديدة من حيث مضمونها، وإن اختلفت طريقة عرضها. وقد تصدى لها علماء المسلمين قديمًا وحديثًا، وبينوا فساد الاستدلال بها، وأوضحوا أن تفسير القرآن لا يكون بمجرد المعنى اللغوي المجرد، وإنما وفق مجموع النصوص، ولسان العرب، وأسباب النزول، وما صح عن النبي ﷺ وصحابته في بيان القرآن.

 

وفي هذا الفصل سنعرض عددًا من أشهر الشبهات التي يثيرها بعض المنصرين اعتمادًا على القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم نناقشها من خلال النصوص الشرعية وأقوال أهل العلم، ليتبين أن هذه الشبهات لا تقوم على أساس علمي، وإنما على اقتطاع النصوص من سياقها أو تحميلها ما لا تحتمل من المعاني.


 

أولًا: هل سيدخل جميع المسلمين النار؟

 

من الشبهات التي يكثر ترديدها الاستدلال بقوله تعالى:

﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾
(مريم: 71).

 

ويحاول بعض المنصرين أن يوحي للمسلم من خلال هذه الآية بأن القرآن يقرر أن جميع المسلمين سيدخلون النار حتمًا، وأنه لا يوجد في الإسلام يقين بالنجاة، بخلاف ما يدعونه في العقيدة المسيحية من ضمان الخلاص بالإيمان بالمسيح.

 

غير أن هذا الاستدلال يقوم على اقتطاع الآية من سياقها، وإغفال ما بعدها مباشرة؛ إذ يقول الله سبحانه:

﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾
(مريم: 72).

 

فلا يصح تفسير الآية الأولى بمعزل عن الآية التي تليها، لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، والسياق من أهم قواعد فهم النصوص الشرعية.

 

وقد اختلف العلماء في معنى الورود المذكور في الآية على أقوال متعددة، أشهرها قولان:

 

القول الأول: أن الورود هو المرور على الصراط المضروب فوق جهنم، وهو قول جمهور كبير من أهل التفسير، واستدلوا بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من أن الناس يمرون على الصراط بحسب أعمالهم؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، حتى إن بعضهم يخطفه الكلاليب فيسقط في النار بقدر ما شاء الله له.

 

وعلى هذا التفسير لا يكون الورود بمعنى دخول النار للمؤمنين، وإنما بمعنى المرور عليها، ثم ينجي الله أهل الإيمان والتقوى، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾.

 

وقد جاءت الأحاديث النبوية مؤيدة لهذا المعنى، ومنها حديث النبي ﷺ الذي قسم الناس بعد المرور إلى ناجٍ وسلم، وآخرين تكبهم خطاياهم في النار، فيكون المرور امتحانًا عظيمًا يظهر فيه أثر الإيمان والعمل الصالح.

 

أما العصاة من أهل التوحيد، فإنهم داخلون تحت مشيئة الله تعالى؛ فمن شاء الله أن يعفو عنه عفا عنه ابتداءً، ومن شاء أن يعذبه عذبه بقدر ذنوبه، ثم يخرجه من النار برحمته أو بشفاعة الشافعين، ولا يخلد فيها ما دام قد مات على التوحيد.

 

وهذا المعنى يتفق مع قوله سبحانه:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
(النساء: 48).

 

فالآية تقرر أصلًا عظيمًا في العقيدة الإسلامية، وهو أن الشرك هو الذنب الوحيد الذي لا يغفر لمن مات عليه، أما سائر الذنوب فهي تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء غفرها، وإن شاء عذب صاحبها ثم أدخله الجنة.

 

أما الكافر، فلا يمر على الصراط مرور نجاة، وإنما يساق إلى النار سوقًا، كما دلت على ذلك نصوص كثيرة في القرآن والسنة.

 

القول الثاني: أن الورود في الآية يعني دخول جميع الناس النار، إلا أن دخول المؤمنين ليس دخول عذاب، وإنما تكون النار عليهم بردًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم عليه السلام، ثم ينجيهم الله منها، بينما يبقى الكافرون والظالمون في العذاب.

 

وقد نقل هذا القول عن عدد من السلف، ورأوا أنه لا تعارض بينه وبين الآية التالية؛ لأن النجاة تكون بعد الدخول، لا قبله.

 

وسواء أخذنا بالقول الأول أو الثاني، فإن النتيجة واحدة، وهي أن الآية لا تدل بحال على أن جميع المسلمين معذبون في النار، كما يحاول بعض المنصرين أن يوهموا الناس، بل إن الآية نفسها تقرر نجاة أهل التقوى، وتبين أن العذاب الدائم إنما هو من نصيب الكافرين والظالمين.

 

خلاصة الرد

 

يتبين من مجموع النصوص أن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ لإثبات أن جميع المسلمين سيدخلون النار استدلال مبتور، لأنه أغفل تكملة الآية، وأغفل كذلك عشرات النصوص التي تبشر المؤمنين بالنجاة والجنة. كما أن أقوال المفسرين جميعًا، على اختلافهم في معنى الورود، لا تفضي إلى النتيجة التي يروج لها المنصرون، وإنما تؤكد أن المؤمنين موعودون بالنجاة، وأن مصيرهم الأخير هو الجنة برحمة الله تعالى، بعدله وفضله، لا النار والخلود فيها.