ف2 ج3 / 30 دليل التنصير خطايا الأنبياء، ربى قعوار
antievangelism · 29 July, 2026
خطايا القدوة في الروايات الكتابية
تنتقل المؤلفة إلى مناقشة صورة الأنبياء في الكتاب المقدس، وترى أن هذه القضية تمثل إشكالًا جوهريًا عند بحث مدى صلاحية النصوص الكتابية للاقتداء الديني والأخلاقي. فالأنبياء، بحسب التصور الديني العام، هم الذين اختارهم الله لتبليغ رسالاته إلى الناس، ولذلك يُفترض أن يكونوا نماذج في التقوى والاستقامة، وأن تتوافق سيرتهم مع مضمون الرسالة التي يحملونها.
وتشير المؤلفة إلى أن الكتاب المقدس نفسه يصف الأنبياء بالقديسين، كما في رسالة بطرس الثانية:
«لِتَذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ، وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ، وَصِيَّةَ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ»
(بطرس الثانية 3: 2).
كما تستشهد بما ورد في سفر الرؤيا:
«هذِهِ الأَقْوَالُ أَمِينَةٌ وَصَادِقَةٌ. وَالرَّبُّ إِلهُ الأَنْبِيَاءِ الْقِدِّيسِينَ أَرْسَلَ مَلاَكَهُ لِيُرِيَ عَبِيدَهُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَرِيعًا»
(رؤيا يوحنا 22: 6).
وترى المؤلفة أن وصف الأنبياء بالقداسة يفترض نزاهتهم عن الكبائر التي تفسد رسالتهم، ولا سيما ما يتعلق بالشرك، والفواحش، وخيانة الأمانة الدينية. فالأنبياء – وفقًا للرؤية الإسلامية التي تنطلق منها المؤلفة – صفوة البشر، اصطفاهم الله لتبليغ وحيه، وجعلهم قدوة لأقوامهم في العقيدة والسلوك.
مفهوم عصمة الأنبياء
توضح المؤلفة أن التقديس، في السياق المسيحي، يرتبط بحياة البر والتوبة والنمو الروحي، غير أنها تميز بين المؤمن العادي والنبي؛ لأن وظيفة النبي لا تقتصر على إصلاح نفسه، بل تشمل تمثيل الرسالة الإلهية أمام الناس.
ومن ثم، ترى أن ارتكاب النبي لأخطاء بشرية محدودة يختلف عن نسبة الشرك أو الفواحش الكبرى إليه؛ لأن هذه الأفعال تقوض الثقة في تبليغه، وتتناقض مع كونه قدوة دينية. ولذلك تعترض المؤلفة على الروايات الكتابية التي تنسب إلى بعض الأنبياء أفعالًا تعدها الشريعة نفسها من أعظم الجرائم.
سليمان عليه السلام نموذجًا
تتخذ المؤلفة من الرواية المتعلقة بسليمان عليه السلام في سفر الملوك الأول مثالًا على هذا الإشكال. فالنص ينسب إليه، في شيخوخته، الميل وراء آلهة نسائه، وبناء مرتفعات لعبادة آلهة الأقوام المجاورة، ومخالفة وصايا الله التي سبق أن أُمر بها.
ويورد سفر الملوك الأول أن سليمان كانت له أعداد كبيرة من الزوجات والسراري، وأن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، وأنه ذهب وراء عشتروت وملكوم وكموش ومولك، وبنى لهن أماكن للعبادة. كما يذكر النص أن الله غضب عليه بسبب انحراف قلبه، وحكم بتمزيق المملكة من نسله.
وترى المؤلفة أن هذه الرواية لا تنسب إلى سليمان مجرد خطأ عابر، وإنما تنسب إليه مخالفة أصل التوحيد، وهو أعظم أصول الرسالات الإلهية.
مخالفة التوحيد
تشير المؤلفة إلى أن الشريعة الموسوية تتعامل مع الدعوة إلى عبادة آلهة أخرى بوصفها جريمة بالغة الخطورة، وقد ورد في سفر التثنية أن النبي أو الحالم الذي يدعو الناس إلى اتباع آلهة أخرى يُعاقب بالقتل:
«وَذلِكَ النَّبِيُّ أَوِ الْحَالِمُ ذلِكَ الْحُلْمَ يُقْتَلُ، لأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالزَّيْغِ مِنْ وَرَاءِ الرَّبِّ إِلهِكُمْ...»
(التثنية 13: 5).
وبناءً على ذلك، تتساءل المؤلفة عن سبب عدم تطبيق هذا الحكم على سليمان إذا كان قد وقع بالفعل في عبادة آلهة أخرى أو دعم عبادتها. وترى أن الجمع بين وصفه نبيًا وملكًا مختارًا من الله، وبين نسبة الشرك إليه، يخلق توترًا واضحًا داخل السرد الكتابي.
مخالفة أحكام الملك
تضيف المؤلفة أن الرواية تنسب إلى سليمان كذلك مخالفة الأحكام الواردة في سفر التثنية بشأن الملك؛ إذ ينص السفر على ألا يكثر الملك من النساء لئلا يزيغ قلبه، وألا ينحرف عن الشريعة يمينًا أو شمالًا:
«وَلاَ يُكَثِّرْ لَهُ نِسَاءً لِئَلاَّ يَزِيغَ قَلْبُهُ...»
(التثنية 17: 17).
وترى المؤلفة أن رواية سفر الملوك تبدو وكأنها تقدم حياة سليمان تطبيقًا عكسيًا لهذا التحذير؛ فقد كثرت نساؤه، ثم مال قلبه بسببهن، بحسب ما يذكره النص نفسه.
ومن ثم، تطرح المؤلفة السؤال الآتي: كيف يمكن لنبي وملك، يُفترض أن يكون قدوة في حفظ الشريعة، أن يخالف أوضح أحكامها في التوحيد والسلوك، ثم يبقى مع ذلك مصدرًا للحكمة والتعليم الديني؟
التناقض بين القداسة والسيرة المروية
ترى المؤلفة أن الإشكال لا يقتصر على شخص سليمان، بل يتعلق بالتناقض بين الوصف العام للأنبياء في بعض مواضع الكتاب المقدس بوصفهم قديسين، وبين الروايات التي تنسب إلى بعضهم الزنى، والقتل، والخداع، والشرك، وغير ذلك من الكبائر.
وتعتبر أن هذا التناقض يضع القارئ أمام احتمالين: إما أن وصف الأنبياء بالقداسة لا يحمل المعنى الأخلاقي المتبادر، وإما أن الروايات التي تنسب إليهم تلك الخطايا قد تعرضت للتدخل البشري أو التأويل التاريخي.
ومن منظور المؤلفة، فإن الاحتمال الثاني أكثر اتساقًا مع العقيدة الإسلامية في عصمة الأنبياء من الكبائر المخلّة بمقام النبوة.
التفسير اللاهوتي المحتمل لهذه الروايات
تناقش المؤلفة احتمال أن يكون التركيز على خطايا الأنبياء والشخصيات الدينية في بعض الأسفار مرتبطًا بهدف لاهوتي، يتمثل في تأكيد أن جميع البشر خطاة، وأن المسيح وحده كان بلا خطيئة.
وتستخدم في هذا السياق مفهوم التعليل أو تفسير منشأ الفكرة (Etiology)، مشيرة إلى احتمال أن تكون بعض الروايات قد صيغت أو أُبرزت لخدمة بناء عقدي لاحق يجعل جميع الأنبياء والبشر عاجزين عن بلوغ البر الكامل، تمهيدًا لإثبات تفرد المسيح.
غير أن المؤلفة تعترض على هذا البناء؛ لأنها ترى أن نسبة الكبائر إلى الأنبياء بقصد إبراز تفوق المسيح لا تسيء إلى الأنبياء وحدهم، بل تثير إشكالًا في حكمة الله في اختيار رسله وقادة عباده. فإذا كان هؤلاء الأنبياء – وفق الروايات – منغمسين في الفواحش والشرك، فإن ذلك قد يوحي بأن اختيارهم لم يكن قائمًا على الأهلية الأخلاقية والروحية التي تقتضيها النبوة.
ومن ثم، تؤكد المؤلفة أن تنزيه الأنبياء لا ينفصل عن تنزيه حكمة الله في اصطفائهم؛ فالطعن المستمر في أخلاقهم ينعكس بالضرورة على صورة الاختيار الإلهي نفسه.
أنبياء لم تُنسب إليهم الخطايا الكبرى
تلفت المؤلفة إلى أن الكتاب المقدس لا ينسب الكبائر إلى جميع الأنبياء، بل يعرض عددًا منهم بوصفهم أتقياء مستقيمين، دون أن يورد عنهم خطايا جسيمة.
ومن هؤلاء إرميا، ويوحنا المعمدان، وإيليا، وأليشع، وصموئيل. وترى المؤلفة أن وجود هذه النماذج يضعف القول المسيحي الشائع إن المسيح وحده لم يخطئ، إذا كان المقصود بذلك عدم ورود خطيئة في السيرة المنقولة؛ إذ إن النص الكتابي لا يذكر عن هؤلاء الأنبياء وقوعهم في الفواحش أو الشرك.
وتوضح أن عدم ذكر الخطأ لا يساوي بالضرورة إثبات العصمة المطلقة من الناحية المنهجية، غير أنه يظل كافيًا للاعتراض على التعميم القائل إن جميع الشخصيات البشرية في الكتاب المقدس موصوفة بالخطيئة، باستثناء المسيح.
الفرق بين الضعف البشري والطعن في مقام النبوة
تميز المؤلفة بين الاعتراف بأن الأنبياء بشر، وبين نسبة الجرائم الأخلاقية والعقدية الكبرى إليهم. فالبشرية لا تستلزم، في نظرها، الوقوع في كل أنواع المعاصي، ولا تبرر نسبة الزنى أو القتل العمد أو عبادة الأصنام إلى من اختارهم الله لتعليم الناس التوحيد والفضيلة.
وترى أن الخطاب اللاهوتي الذي يستند إلى بشرية الأنبياء لتفسير هذه الروايات يخلط بين إمكان وقوع السهو أو الاجتهاد البشري، وبين ارتكاب أفعال تنقض أصل الرسالة التي كُلّف النبي بتبليغها.
تلخيص المؤلفة
تُلخِّص المؤلفة أن صورة الأنبياء في بعض الروايات الكتابية لا تنسجم، من وجهة نظرها، مع مقام النبوة والقدوة الدينية. وتعد رواية عبادة سليمان للآلهة الأخرى من أبرز الأمثلة على ذلك؛ لأنها تنسب إليه مخالفة أصل التوحيد وأحكام الشريعة التي كان يفترض أن يحفظها ويطبقها.
كما ترى أن تفسير هذه الروايات بهدف إثبات خطيئة جميع البشر وتفرد المسيح بالبر الكامل يثير إشكالات أخرى تتصل بحكمة الله في اختيار رسله. وتؤكد أن وجود أنبياء لم ينسب إليهم الكتاب المقدس خطايا كبرى يضعف التعميم القائل إن المسيح وحده لم يخطئ.
وتلخّص المؤلفة إلى أن العقيدة الإسلامية في عصمة الأنبياء من الكبائر أكثر اتساقًا – في نظرها – مع وظيفتهم بوصفهم مبلغين عن الله وقدوات للبشر، وأن الروايات التي تطعن في عقيدتهم أو أخلاقهم تحتاج إلى فحص نقدي قبل اعتبارها وحيًا إلهيًا صحيح النسبة.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة