ف2 ج5 / 30 دليل التنصير رسائل بولس الشخصية في الكتاب المقدس, رُبى قعوار
antievangelism · 29 July, 2026
الرسائل الشخصية في العهد الجديد
تنتقل المؤلفة إلى مناقشة جانب آخر من الإشكالات التي تراها في مفهوم وحي الكتاب المقدس، ويتعلق بطبيعة بعض الرسائل الواردة في العهد الجديد، ولا سيما رسائل بولس، وما تتضمنه من تفاصيل شخصية ومراسلات خاصة.
وتشير المؤلفة إلى أن عددًا من اللاهوتيين المسيحيين يقررون أن الله أوحى إلى كتبة الأسفار، مع السماح لكل واحد منهم أن يكتب بلغته وأسلوبه الخاص، وأن يعبّر عن شخصيته وظروفه التاريخية أثناء كتابة النصوص. ووفق هذا التصور، فإن الرسائل الشخصية والتفاصيل اليومية التي ترد في بعض الأسفار لا تتعارض – في الفكر المسيحي – مع كونها جزءًا من الوحي الإلهي.
غير أن المؤلفة ترى أن هذا التفسير يثير تساؤلات حول طبيعة الوحي وحدوده، ولا سيما عندما تتضمن النصوص معلومات تبدو مرتبطة بظروف شخصية لا يظهر ارتباطها المباشر بالهداية الدينية أو التشريع.
الطابع الشخصي لبعض رسائل بولس
تستشهد المؤلفة بعدد من النصوص الواردة في الرسالة الثانية إلى تيموثاوس، والتي تتضمن تحيات شخصية، وذكر أسماء أشخاص، والإشارة إلى تنقلات بولس وأصحابه، إضافة إلى طلبات عملية تتعلق بحياته اليومية.
ومن ذلك طلبه من تيموثاوس أن يحضر إليه الرداء الذي تركه في مدينة ترواس، وأن يأتي بالكتب والرقوق، إلى جانب ذكر أشخاص رافقوه أو تركوه، والإشارة إلى بعض الخلافات التي نشأت مع أفراد معينين أثناء خدمته.
وترى المؤلفة أن هذه النصوص تحمل طابعًا شخصيًا واضحًا، وتتساءل عن الحكمة من اعتبار مثل هذه التفاصيل جزءًا من الوحي الإلهي الملزم لجميع المؤمنين في مختلف الأزمنة.
الإشكال من منظور المؤلفة
توضح المؤلفة أنها لا تعترض على وجود مثل هذه الرسائل إذا نُظر إليها بوصفها وثائق تاريخية أو مراسلات شخصية تعكس حياة بولس وظروف الكنيسة الأولى، بل ترى أنها قد تمثل مادة مهمة لدراسة التاريخ المسيحي المبكر.
إلا أنها تعترض على اعتبار جميع هذه التفاصيل كلامًا صادرًا عن الله بالمعنى نفسه الذي تُفهم به النصوص العقدية أو التشريعية.
ومن هذا المنطلق، تتساءل: ما الفائدة الدينية أو الروحية التي تعود على المؤمن من معرفة أن بولس ترك رداءه في مدينة معينة، أو أنه طلب من أحد تلاميذه إحضاره، أو أنه سلّم على أشخاص محددين بأسمائهم؟
وترى المؤلفة أن وجود مثل هذه العبارات قد يكون مفهومًا إذا اعتُبرت مراسلات بشرية، لكنه يصبح – في نظرها – محل إشكال عندما يُقال إنها جزء من الوحي الإلهي المنزل.
مفهوم الوحي في الفكر المسيحي
وتربط المؤلفة هذا الإشكال بما يستدل به اللاهوتيون من قول بولس:
«كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ...»
إذ ترى أن كثيرًا من علماء اللاهوت يفسرون عبارة «كل الكتاب» بأنها تشمل جميع أسفار الكتاب المقدس، بكل ما تتضمنه من نصوص عقائدية، وتشريعية، وتاريخية، وشخصية.
وبناءً على هذا الفهم، تتساءل المؤلفة عن كيفية الجمع بين القول بالوحي الكامل للكتاب المقدس وبين اشتماله على مراسلات خاصة تبدو مرتبطة بظروف شخصية محددة، لا يظهر أنها موجهة ابتداءً إلى جميع المؤمنين.
موقف الدراسات النقدية من رسائل بولس
تنتقل المؤلفة بعد ذلك إلى نتائج الدراسات الحديثة في النقد الكتابي، وتشير إلى أن الباحثين أمضوا عقودًا في دراسة رسائل بولس وتحليل أسلوبها ولغتها وخلفيتها التاريخية.
وتذكر أن قطاعًا واسعًا من الباحثين يميز بين الرسائل التي يُجمع معظم الدارسين على صحة نسبتها إلى بولس، وبين رسائل أخرى يدور حولها خلاف علمي بشأن مؤلفها.
وتوضح أن الرسائل التي تحظى بأوسع اتفاق في الدراسات النقدية تُعرف باسم الرسائل غير المتنازع على نسبتها إلى بولس (Undisputed Pauline Letters)، وهي:
-
رسالة رومية.
-
الرسالتان الأولى والثانية إلى أهل كورنثوس.
-
رسالة غلاطية.
-
رسالة فيلبي.
-
الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي.
-
رسالة فليمون.
وترى المؤلفة أن غالبية الباحثين المتخصصين في النقد التاريخي يعتبرون هذه الرسائل أقرب النصوص إلى بولس من حيث الأسلوب والخلفية التاريخية.
الرسائل المختلف في نسبتها
وتشير المؤلفة إلى أن عددًا آخر من الرسائل يُعد، في نظر كثير من الباحثين، من الرسائل المنتحلة أو شبه المنحولة (Pseudepigraphical)، أي الرسائل التي كُتبت باسم بولس بعد وفاته، ونُسبت إليه دون أن يكون هو مؤلفها المباشر.
وتذكر أن من أبرز هذه الرسائل ما يُعرف بالرسائل الرعوية، وهي:
-
الرسالة الأولى إلى تيموثاوس.
-
الرسالة الثانية إلى تيموثاوس.
-
رسالة تيطس.
وترى المؤلفة أن الدراسات النقدية تستند في هذا الرأي إلى جملة من المؤشرات، من أبرزها اختلاف الأسلوب اللغوي، والمفردات، والبنية اللاهوتية، والظروف التاريخية التي تعكسها هذه الرسائل مقارنة بالرسائل التي يُجمع على نسبتها إلى بولس.
كما تشير إلى أن هذه النتائج أصبحت من القضايا المعروفة في الدراسات الأكاديمية الخاصة بالعهد الجديد، وإن كانت الكنائس المسيحية تختلف في مدى قبولها أو تفسيرها لهذه النتائج.
أثر هذه النتائج في مفهوم الوحي
ترى المؤلفة أن النقاش حول نسبة بعض الرسائل إلى بولس لا يقتصر على كونه قضية تاريخية، بل يمتد إلى مفهوم الوحي ذاته. فإذا ثبت – بحسب ما تعرضه الدراسات النقدية – أن بعض الرسائل كُتبت باسم بولس دون أن يكون هو مؤلفها، فإن ذلك يثير، في نظرها، تساؤلات حول المعايير التي اعتُمدت في قبول هذه النصوص ضمن الكتاب المقدس، وحول العلاقة بين نسبة السفر إلى مؤلفه وبين الاعتقاد بوحيه.
ومن هذا المنطلق، ترى المؤلفة أن هذه القضية تستحق دراسة مستقلة؛ لأنها تمس أحد الأسس التي يقوم عليها مفهوم سلامة النص الكتابي وتاريخه.
تُلخِّص المؤلفة
تُلخِّص المؤلفة أن وجود مراسلات شخصية وتفاصيل حياتية في رسائل بولس يثير لديها تساؤلات حول طبيعة الوحي وحدوده، ولا سيما إذا اعتُبرت جميع هذه النصوص كلامًا إلهيًا موجَّهًا إلى المؤمنين في كل زمان.
كما ترى أن نتائج النقد التاريخي، التي تميز بين الرسائل المتفق على نسبتها إلى بولس والرسائل المختلف في نسبتها إليه، تفتح بابًا واسعًا لإعادة دراسة تاريخ تكوين العهد الجديد، ومعايير قبول أسفاره، وعلاقة ذلك بالعقيدة المسيحية في وحي الكتاب المقدس.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة