+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف2 ج7 / 30 دليل التنصير إختلاف نسخ المخطوطات, رُبى قعوار

antievangelism · 29 July, 2026

 

اختلاف الأسلوب ودلالته في النقد النصي

 

يُعدّ تحليل الأسلوب الأدبي من أهم الأدوات التي يعتمد عليها علماء النقد النصي في دراسة النصوص القديمة ومحاولة تحديد هوية مؤلفيها أو المراحل التي مرّت بها أثناء تدوينها. فلكل كاتب خصائصه اللغوية والأسلوبية التي تميّزه، مثل المفردات التي يكثر من استخدامها، وطريقة صياغة الجمل، والأسلوب البلاغي، وطريقة عرض الأحداث. وعندما يلاحظ الباحثون وجود اختلافات جوهرية في هذه العناصر داخل السفر الواحد، فإن ذلك قد يدفعهم إلى افتراض تعدد المؤلفين أو تعدد مراحل التحرير والإضافة.

 

ومن أبرز الأمثلة التي تُطرح في هذا المجال سفر أشعياء في العهد القديم. فقد لاحظ عدد من الباحثين وجود فروق واضحة في الأسلوب واللغة والموضوعات بين أجزاء السفر، الأمر الذي أدى إلى ظهور الرأي القائل بأن السفر يتكون من ثلاثة أقسام رئيسية كتبها مؤلفون مختلفون أو جُمعت كتاباتهم في مرحلة لاحقة.

 

يرى أصحاب هذا الرأي أن القسم الأول يمتد من الإصحاح الأول حتى الإصحاح التاسع والثلاثين، ويُنسب إلى النبي أشعياء بن آموص، الذي عاش في مملكة يهوذا خلال القرن الثامن قبل الميلاد، في زمن التهديد الآشوري. ويُعرف هذا القسم أحيانًا باسم "أشعياء الأول" أو "الأشعياء الأورشليمي"، ويتميّز بأسلوبه الذي يركّز على التحذير من الدينونة والدعوة إلى التوبة.

 

أما القسم الثاني، من الإصحاح الأربعين إلى السادس والخمسين، فيُعرف باسم "أشعياء الثاني" أو "أشعياء التثنية". ويلاحظ الباحثون أن لغته أكثر تطورًا، وأسلوبه أكثر شاعرية وبلاغة، كما أن موضوعاته تدور حول التعزية والرجاء وعودة المسبيين من بابل. ولهذا يرى كثير من الدارسين أن هذا القسم كُتب في فترة السبي البابلي أو قبيل نهايتها، أي بعد زمن أشعياء الأول بقرنين تقريبًا. كما أن المستوى الأدبي المرتفع لهذا القسم دفع بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن مؤلفه كان من الطبقة المتعلمة، وربما كان كاهنًا أو من المقربين إلى البلاط.

 

أما القسم الثالث، الممتد من الإصحاح السابع والخمسين إلى السادس والستين، فيُطلق عليه اسم "أشعياء الثالث"، ويعتقد عدد من الباحثين أنه كُتب بعد عودة اليهود من السبي وإعادة بناء الهيكل وأسوار أورشليم، إذ يعالج قضايا المجتمع اليهودي في تلك المرحلة، ويختلف في اهتماماته وأسلوبه عن القسمين السابقين.

 

ويرى أصحاب هذه الفرضية أن تشابه اسم "أشعياء" قد يكون سببًا في جمع هذه الأقسام الثلاثة في سفر واحد، رغم اختلاف الأزمنة والظروف التي كُتبت فيها.

 

ومن الأمثلة الأخرى التي يستشهد بها الباحثون سفر زكريا. إذ يرى عدد من علماء النقد النصي أن السفر يتكون من قسمين مختلفين من حيث الأسلوب والخلفية التاريخية.

 

فالقسم الأول، الذي يمتد من الإصحاح الأول حتى الثامن، يحتوي على تواريخ دقيقة وأحداث مرتبطة بإعادة بناء الهيكل الثاني بعد العودة من السبي البابلي، ويُنسب عادة إلى النبي زكريا الذي عاش في العصر الفارسي خلال القرن السادس قبل الميلاد.

 

أما القسم الثاني، من الإصحاح التاسع حتى الرابع عشر، فيختلف اختلافًا ملحوظًا عن القسم الأول؛ إذ يخلو من التواريخ والأسماء التي تميز القسم الأول، كما يتناول موضوعات ذات طابع نبوي ورؤيوي مختلف. ولهذا يرى بعض الباحثين أنه كُتب في فترة لاحقة، وربما خلال العصر المكابي في القرن الثاني قبل الميلاد، بينما يرى آخرون أنه يعود إلى زمن آخر دون الجزم بتاريخ محدد. ويُعد هذا الاختلاف في الأسلوب والموضوعات من الأسباب التي دفعت بعض الدارسين إلى افتراض وجود أكثر من مؤلف للسفر.

 

أما سفر دانيال، فيُعد من أكثر أسفار العهد القديم إثارة للنقاش بين الباحثين. فهناك جدل واسع حول تاريخ تأليفه والظروف التي كُتب فيها، إذ يبدو في بعض المواضع وكأنه يصف أحداث السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، بينما يرى كثير من الباحثين أن بعض تفاصيله تعكس أوضاعًا تاريخية أقرب إلى القرن الثاني قبل الميلاد، ولا سيما فترة الاضطهاد السلوقي في زمن أنطيوخس الرابع أبيفانيوس.

 

ويستند هذا الرأي إلى عدد من الملاحظات التاريخية واللغوية، منها أن بعض الشخصيات والأحداث الواردة في السفر لا تتفق تمامًا مع ما توصلت إليه المصادر التاريخية والآثار. فعلى سبيل المثال، يذكر السفر بلشاصر بوصفه ملكًا على بابل (دانيال 5:1)، بينما تشير المصادر البابلية إلى أن الملك الرسمي كان نابونيدس، وأن بلشاصر كان يمارس السلطة بصفته وليًا للعهد أو نائبًا عن والده أثناء غيابه في مدينة تيماء.

 

كما يذكر السفر شخصية تُدعى داريوس المادي بعد سقوط بابل، وهي شخصية لم يُعثر لها حتى الآن على تأكيد واضح في المصادر التاريخية المستقلة، مما جعلها موضع نقاش بين الباحثين.

 

ويضيف بعض علماء النقد أن السفر يحتوي على مفردات ذات أصل فارسي ويوناني، إلى جانب انتقاله بين اللغة العبرية واللغة الآرامية في أجزاء مختلفة منه، وهو ما يرونه دليلًا على تعقيد تاريخ تدوينه ومروره بمراحل تحرير متعددة.

 

وبناءً على هذه الملاحظات الأسلوبية والتاريخية واللغوية، يرى كثير من الباحثين في النقد الكتابي أن بعض أسفار العهد القديم لم تُكتب دفعة واحدة على يد مؤلف واحد، بل مرّت بمراحل من الجمع والتحرير والإضافة عبر فترات زمنية مختلفة. وفي المقابل، يرفض باحثون آخرون هذه الاستنتاجات، ويقدمون تفسيرات بديلة للاختلافات الأسلوبية والتاريخية، مما يجعل هذه القضايا محل نقاش مستمر في الدراسات الكتابية الحديثة.