ف2 ج9 / 30 دليل التنصير أخطاء تاريخية في الكتاب المقدس, ربى قعوار,
antievangelism · 29 July, 2026
المشكلات التاريخية
إلى جانب الملاحظات المتعلقة بالأسلوب الأدبي، يعتمد علماء النقد التاريخي أيضًا على مقارنة الروايات الكتابية بالمعطيات التاريخية والأثرية المكتشفة. وعندما تظهر اختلافات بين النصوص الدينية وبين ما توصلت إليه الدراسات التاريخية أو علم الآثار، فإن الباحثين يحاولون تفسير هذه الاختلافات بطرق متعددة، منها احتمال أن بعض الروايات قد كُتبت بعد الأحداث بزمن طويل، أو أنها صيغت لأغراض لاهوتية أو تعليمية أكثر من كونها تسجيلًا تاريخيًا دقيقًا.
وقد أشرنا سابقًا إلى أن سفر دانيال يُعد من أكثر الأسفار التي أثيرت حولها نقاشات تاريخية، بسبب وجود إشكالات تتعلق بالأشخاص والأحداث والتواريخ. غير أن سفر دانيال ليس المثال الوحيد، بل توجد أمثلة أخرى في كل من العهد القديم والعهد الجديد يراها بعض الباحثين إشكالات تاريخية تستحق الدراسة.
أولًا: دخول بني إسرائيل إلى أرض كنعان
من أشهر الأمثلة في العهد القديم رواية دخول بني إسرائيل إلى أرض الموعد بقيادة يشوع بن نون، كما يرد في سفر يشوع. ووفقًا للحساب التقليدي المستند إلى سفر الملوك الأول (6:1)، فإن الفترة بين خروج بني إسرائيل من مصر وبناء الهيكل الأول تبلغ نحو 480 سنة، وهو ما يجعل دخول أرض كنعان يقع - بحسب هذا التسلسل - في القرن الخامس عشر قبل الميلاد.
ويصف سفر يشوع فتح مدينة أريحا بوصفه انتصارًا عسكريًا كاملًا، إذ يذكر أن المدينة دُمّرت بالكامل، وأُحرقت مع جميع ممتلكاتها، وقُتل سكانها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ، كما فُرض عليها ما يُعرف بـ"التحريم"، أي تخصيص كل ما فيها لله ومنع الانتفاع به.
إلا أن نتائج عدد من الحفريات الأثرية دفعت بعض علماء الآثار إلى التشكيك في مطابقة هذه الرواية للواقع التاريخي. فقد رأى عدد من الباحثين أن الطبقات الأثرية في مدينة أريحا لا تُظهر دمارًا واسعًا يتوافق مع الوصف الوارد في سفر يشوع خلال الفترة الزمنية المفترضة. كما أن أنماط العمارة والخزف في المرتفعات الكنعانية خلال تلك الحقبة تبدو متشابهة إلى حد كبير، مما دفع بعضهم إلى الاعتقاد بأن ظهور المجتمع الإسرائيلي كان تدريجيًا داخل المجتمع الكنعاني، وليس نتيجة غزو عسكري شامل.
ويستند أصحاب هذا الرأي أيضًا إلى بعض المكتشفات الأثرية، مثل وجود اختلافات محدودة في أنماط الفخار، إضافة إلى العثور في بعض المواقع على عظام خنازير، وهي ظاهرة تُستخدم أحيانًا في محاولة التمييز بين التجمعات الكنعانية والإسرائيلية، نظرًا لأن الشريعة اليهودية تحرّم أكل لحم الخنزير. ومع ذلك، فإن تفسير هذه الأدلة ما يزال محل نقاش، إذ يرى باحثون آخرون أن هذه المكتشفات لا تكفي وحدها لإعادة بناء صورة تاريخية مؤكدة عن كيفية دخول بني إسرائيل إلى أرض كنعان.
لذلك، يذهب بعض علماء الآثار إلى أن بني إسرائيل - إن كانوا قد استقروا بالفعل في أرض كنعان - فقد يكون استقرارهم قد تم بصورة تدريجية وسلمية، مع اندماجهم في المجتمع الكنعاني القائم، وهو تصور يختلف عن الرواية العسكرية التي يقدمها سفر يشوع.
ثانيًا: التعداد السكاني في إنجيل لوقا
ومن الأمثلة التي يناقشها الباحثون في العهد الجديد ما ورد في إنجيل لوقا (2: 1-5)، حيث يذكر الإنجيلي أن الإمبراطور أوغسطس أصدر أمرًا بإجراء اكتتاب يشمل "كل المسكونة"، وأن كل شخص كان عليه أن يذهب إلى مدينة أجداده للتسجيل، ولذلك سافر يوسف ومريم من الناصرة إلى بيت لحم، حيث وُلد يسوع.
ويرى عدد من المؤرخين أن هذا الوصف يثير عدة تساؤلات تاريخية. فمن المعروف أن الإمبراطورية الرومانية كانت تجري إحصاءات سكانية وضرائبية بصورة دورية، إلا أن المصادر الرومانية المتوافرة لا تذكر وجود مرسوم عام يُلزم جميع سكان الإمبراطورية بالعودة إلى مدن أجدادهم من أجل التسجيل.
ولهذا اقترح بعض علماء النقد التاريخي أن هذه الرواية قد تكون ذات وظيفة تفسيرية (Etiology)، أي أنها صيغت لتفسير سبب وجود يوسف ومريم في بيت لحم وقت ميلاد يسوع، حتى يتحقق الربط بين الميلاد ونبوة ميخا التي تشير إلى بيت لحم بوصفها موطنًا للمسيح المنتظر. وبحسب هذا الرأي، فإن الهدف الأساسي للرواية هو إبراز المعنى اللاهوتي، وليس تقديم تقرير تاريخي دقيق عن إجراءات التعداد الروماني.
ومن الإشكالات الأخرى التي يناقشها الباحثون في إنجيل لوقا اختلاف سلسلة نسب يسوع الواردة في الإصحاح الثالث عن سلسلة النسب المذكورة في إنجيل متى الإصحاح الأول، إذ تختلف الأسماء وعدد الأجيال بين الروايتين، وقد قُدمت عبر التاريخ تفسيرات متعددة لهذا الاختلاف دون وجود اتفاق كامل بين الدارسين.
ثالثًا: حادثة قتل أطفال بيت لحم
ومن القضايا التاريخية التي أثارت اهتمام الباحثين أيضًا ما يورده إنجيل متى عن قيام الملك هيرودس الكبير بقتل أطفال بيت لحم بعد ولادة يسوع، خوفًا من ظهور "ملك اليهود" الجديد.
ويلاحظ عدد من المؤرخين أن المصادر التاريخية المعاصرة، مثل كتابات المؤرخ اليهودي يوسيفوس، لا تذكر هذه الحادثة، رغم أنها تتناول حياة هيرودس بتفصيل كبير، كما لا يرد ذكرها في بقية الأناجيل. ولهذا يرى بعض الباحثين أن غياب الشواهد التاريخية المستقلة يجعل من الصعب التحقق من وقوع هذه الحادثة من الناحية التاريخية، بينما يرى آخرون أن عدد سكان بيت لحم الصغير آنذاك قد يكون محدودًا، الأمر الذي قد يفسر عدم اهتمام المؤرخين بذكرها.
رابعًا: الاختلاف في تأريخ ميلاد يسوع
ومن أبرز الإشكالات التاريخية التي يناقشها الدارسون اختلاف التوقيت الذي يقدمه إنجيلا متى ولوقا لميلاد يسوع.
فإنجيل متى يربط الميلاد بزمن هيرودس الكبير، الذي توفي - بحسب أغلب المصادر التاريخية - سنة 4 قبل الميلاد. أما إنجيل لوقا فيربط الميلاد بالتعداد الذي جرى عندما كان كيرينيوس (Quirinius) واليًا على سوريا، وهو التعداد المعروف تاريخيًا والذي وقع سنة 6 ميلادية بعد ضم اليهودية إلى الحكم الروماني المباشر.
وبذلك يظهر فارق زمني يقارب عشر سنوات بين الروايتين، وهو ما جعل هذه القضية من أبرز موضوعات النقاش في الدراسات التاريخية للعهد الجديد. وقد حاول بعض الباحثين المسيحيين تقديم تفسيرات مختلفة للتوفيق بين الروايتين، بينما يرى آخرون أن هذا الاختلاف يعكس اعتماد كل إنجيل على تقاليد تاريخية مستقلة أو أهداف لاهوتية مختلفة.
وبوجه عام، تُعد هذه الأمثلة من أبرز القضايا التي يناقشها الباحثون في النقد التاريخي للكتاب المقدس. وبينما يرى بعض الدارسين أنها تمثل أدلة على وجود صعوبات تاريخية في النصوص، يذهب آخرون إلى أن كثيرًا منها يمكن تفسيره في ضوء طبيعة الأدب القديم، أو محدودية الأدلة الأثرية المتاحة، أو اختلاف المقاصد اللاهوتية بين كتّاب الأسفار، ولذلك تبقى هذه المسائل موضوعًا مفتوحًا للنقاش والبحث الأكاديمي.
English
اللُّغَةُ العَرَبِيَّة