+1 (972) 207-1911 : الهَاتِف

ruba_qewar@yahoo.com : الإِيِمِيل

← عودة

ف3 ج5 / 7 كتاب دليل التنصير تاريخ التبشير (التنصير) من القرن الثالث إلى انتشار الإسلام, ربى قعوار

antievangelism · 31 July, 2026

 

 

من القرن الرابع إلى القرن الثامن

 

انتصار الأرثوذكسية، وتدخل الدولة، وانتقال التبشير إلى إفريقيا والجزيرة العربية

 

تمهيد

 

دخلت المسيحية منذ القرن الرابع مرحلة جديدة تختلف جذريًّا عن مرحلة القرون الثلاثة الأولى. ففي المراحل الأولى كانت الجماعات المسيحية متعددة، ومتفرقة، ومتنافسة، ولم تكن هناك سلطة سياسية واحدة تفرض على جميع الكنائس صيغة عقدية محددة.

 

أما بعد تقرب الإمبراطورية الرومانية من المسيحية، ثم تبنيها لاحقًا دينًا رسميًّا، فقد أصبح الصراع اللاهوتي مرتبطًا بالقوة السياسية. ولم تعد المسألة مقتصرة على مناظرات بين الأساقفة واللاهوتيين، بل صار الإمبراطور يتدخل في عقد المجامع، ونفي المخالفين، واعتماد مذهب، وإقصاء مذهب آخر.

 

وفي هذه المرحلة انتصر التيار الذي سمي لاحقًا المسيحية الأرثوذكسية، بينما صنف خصومه بوصفهم هراطقة، ثم أصبحت العقيدة المنتصرة هي المعيار الذي تقاس عليه بقية الاتجاهات.

 


 

المسيحية الأرثوذكسية

 

الفرقة التي انتصرت في الصراع

 

من بين الجماعات المسيحية الكثيرة التي ظهرت في القرون الأولى، تمكن تيار واحد من تحقيق الغلبة المؤسسية والعقدية.

 

وقد بدأت ملامح انتصاره تتضح منذ القرن الثالث، إلا أن التحول الحاسم وقع في القرن الرابع، عندما تقرب الإمبراطور الروماني قسطنطين من المسيحية وأعلن تأييده لها.

 

وعندما دخل قسطنطين في المسيحية، لم يدخل في أي اتجاه من اتجاهاتها المتعددة، بل انحاز إلى التيار الذي كان في طريقه إلى أن يصبح الممثل الرسمي للكنيسة الإمبراطورية.

 

ثم، بعد ذلك بنحو نصف قرن، أصبحت المسيحية الديانة الرسمية للإمبراطورية، وصارت العقيدة التي تبنتها الدولة هي العقيدة المقبولة والمحمية بقوة القانون.

 

ومع ذلك، ظلت توجد معتقدات مسيحية بديلة، ولم تختفِ جميع الفرق المخالفة بمجرد صدور القرارات الرسمية؛ فقد استمرت الأريوسية، والنسطورية، والمونوفيسية، وغيرها، في مناطق واسعة، أحيانًا لقرون طويلة.

 


 

معنى الأرثوذكسية

 

بعد أن انتصرت هذه الفرقة، لم تكتفِ بالقول إنها انتصرت في صراع تاريخي، بل أعلنت أنها كانت على الحق منذ بداية المسيحية، وأنها تمثل الإيمان الذي سلمه المسيح إلى تلاميذه.

 

ومن هنا ظهر استعمال مصطلح:

الأرثوذكسية – Orthodoxy

 

وهو مركب من كلمتين يونانيتين:

  •  
  • أورثوس – Orthos: ومعناها الصحيح أو المستقيم.

  •  
  • دوكسا – Doxa: ومعناها الرأي أو الاعتقاد.

 

فيصبح معنى المصطلح:

الاعتقاد الصحيح أو الإيمان المستقيم.

 

وبذلك أصبح المسيحي الأرثوذكسي هو الذي يتبع الاعتقاد الذي اعتمدته الكنيسة الرسمية، بينما وصف المخالفون بأنهم هراطقة؛ أي أناس اختاروا ـ في نظر الكنيسة المنتصرة ـ الاعتقاد الخاطئ.

 

غير أن هذا الوصف يعكس وجهة نظر الطرف الذي انتصر مؤسسيًّا؛ لأن الجماعات التي وصفت بالهرطقة كانت ترى نفسها كذلك ممثلة للإيمان الصحيح، وكانت تتهم خصومها بتحريف رسالة المسيح.

 

ومن هنا، فإن مصطلحي الأرثوذكسية والهرطقة لا يصفان في الاستعمال التاريخي مجرد اختلاف فكري، بل يعكسان كذلك نتيجة صراع ديني وسياسي انتهى بانتصار طرف وإقصاء أطراف أخرى.


 

قانون الإيمان الأرثوذكسي

 

تبلورت العقيدة الأرثوذكسية في صيغة اعتراف إيماني أصبحت تتلى في الكنائس، وجاء فيها:

«بالحقيقة نؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يرى وما لا يرى. نؤمن برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء. هذا الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأنس، وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي، وتألم وقبر، وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماوات، وجلس عن يمين أبيه، وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء. نعم، نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء. وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية، ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي. آمين».

 

ويلخص هذا القانون أهم العقائد التي اعتمدتها الكنيسة المنتصرة، ومنها:

  •  
  • الإيمان بإله واحد.

  •  
  • ألوهية المسيح.

  •  
  • ولادة الابن من الآب قبل الدهور.

  •  
  • مساواة الابن بالآب في الجوهر.

  •  
  • التجسد من مريم العذراء.

  •  
  • الصلب والموت والقيامة.

  •  
  • صعود المسيح إلى السماء.

  •  
  • الدينونة في آخر الزمان.

  •  
  • الإيمان بالروح القدس.

  •  
  • قداسة الكنيسة الجامعة الرسولية.

  •  
  • المعمودية لمغفرة الخطايا.

  •  
  • قيامة الأموات والحياة الأبدية.

 

وهذه الصيغة لم تظهر كاملة في اليوم الأول للدعوة المسيحية، بل تشكلت عبر المجامع والجدالات، ثم أصبحت علامة الانتماء إلى الكنيسة الرسمية.


 

حماية الكنيسة من الهرطقات

 

البروتو أرثوذكس

 

مع انتشار الفرق المسيحية المختلفة، وتنافسها في دعوة الناس وكتابة الأناجيل والرسائل والمؤلفات، ظهر تيار دافع عن المعتقد الذي أصبح لاحقًا العقيدة الرسمية.

 

وقد أطلق بعض العلماء المعاصرين على أتباع هذا التيار اسم:

البروتو أرثوذكس – Proto-Orthodox

 

أي: الأرثوذكس الأوائل أو التمهيديون للأرثوذكسية.

 

وهؤلاء هم اللاهوتيون والأساقفة والكتاب الذين وقفوا في مواجهة الأبيونيين والمارقيونيين والغنوصيين والسابيليين والأريوسيين وغيرهم.

 

وقد دافعوا بقوة عن الكتب والعقائد التي اعتبروها صحيحة، وحاولوا حماية الكنيسة من التعاليم التي رأوا أنها تهدد وحدتها.

 

وكان الصراع يدور على جبهات متعددة، منها:

  •  
  • تحديد الأناجيل المعترف بها.

  •  
  • تحديد الرسائل التي تدخل في العهد الجديد.

  •  
  • تفسير طبيعة المسيح.

  •  
  • بيان العلاقة بين الآب والابن.

  •  
  • الدفاع عن العهد القديم.

  •  
  • الرد على من ينكرون جسد المسيح أو قيامته.

  •  
  • توحيد الكنائس حول صيغة عقدية واحدة.

 

ولم يقتصر دفاعهم على الكتابة والمناظرة، بل أدى تطور الكنيسة إلى إصدار قرارات الحرمان، وعزل الأساقفة، ومنع الكتب، وإدانة المخالفين في المجامع.

 


 

تحول المسيحية إلى دين رسمي

 

أعلن الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، الذي عاش بين سنتي 347 و395م، المسيحية النيقية دينًا رسميًّا للإمبراطورية الرومانية.

 

ومنذ ذلك الحين لم تعد الكنيسة جماعة دينية مضطهدة فقط، بل أصبحت مؤسسة مرتبطة بالدولة، تحظى بالحماية وتستخدم نفوذ السلطة في مواجهة مخالفيها.

 

وهذا التحول كان من أعظم التحولات في التاريخ المسيحي؛ إذ انتقلت الكنيسة من مرحلة تطلب فيها التسامح إلى مرحلة أصبحت فيها قادرة على تحديد العقيدة المقبولة، وملاحقة من يخالفها.

 

وقد ترتب على ذلك أن أصبحت الخلافات اللاهوتية ذات آثار سياسية وقانونية، ولم يعد الأسقف المخالف يواجه الحرمان الكنسي وحده، بل قد يتعرض للنفي أو فقدان منصبه أو مصادرة ممتلكاته.

 


 

سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية

 

غزوات القبائل الجرمانية

 

في القرن الخامس وقع ما لم يكن بالحسبان؛ فقد تعرضت الإمبراطورية الرومانية الغربية لهجمات متتابعة من القبائل التي كان الرومان يسمونها البرابرة.

 

وسقطت مدن، واندلعت أعمال قتل ونهب واضطراب، وشعر كثير من الناس أن نهاية العالم قد اقتربت.

 

وخلال نحو قرن تحولت مناطق واسعة من الإمبراطورية التي كانت تمثل القوة السياسية الكبرى في الغرب إلى دويلات متصارعة وفوضى ممتدة.

 

وكان بعض هذه القبائل قد دخل في المسيحية على المذهب الأريوسي، الذي ينكر مساواة المسيح بالله الآب.

 

وبذلك لم تكن المواجهة بين الرومان والقبائل الغازية مواجهة سياسية وعسكرية فقط، بل حملت كذلك بعدًا مذهبيًّا؛ لأن الرومان الرسميين كانوا يتبعون العقيدة النيقية، بينما اعتنقت قبائل جرمانية عديدة الأريوسية.

 

وأدى ذلك إلى صراعات بين المذهبين، وإلى تداخل الدين بالحرب والسياسة والهوية القومية.

 


 

أوغسطين واستعمال القوة في مسائل العقيدة

 

ينقل المهندس فاضل سليمان في كتابه «أقباط مسلمون قبل محمد» أن أوغسطين كان في بداية أمره يرفض استعمال القوة في مسائل الاعتقاد، لكنه غير رأيه لاحقًا بسبب تشدد خصومه وصلابة موقفهم.

 

وبحسب هذا النقل، أقر أوغسطين بأن الإكراه بالقوة يمكن أن يكون واجبًا لإعادة من عدهم هراطقة إلى الكنيسة، اعتقادًا منه أن إجبارهم قد يؤدي إلى خلاصهم.

 

واستند في ذلك إلى إنجيل لوقا:

«ألزمهم بالدخول»
(لوقا 14: 23).

 

وقد استعملت هذه العبارة في بعض مراحل التاريخ المسيحي لتبرير الإكراه الديني، رغم أن سياقها الأصلي وارد في مثل ديني.

 

ويقول فاضل سليمان في وصف وسائل الاضطهاد:

«كانت وسائل الرومان في اضطهاد المخالفين في العقيدة وتعذيبهم غير آدمية، استخدم فيها الضرب بالسياط والحرق على الكرسي الحديدي بعد أن يحمر لونه من شدة سخونة الهيكل المعدني، ثم يلقى للسباع الجائعة لتقطعهم إربًا».

 

وتكشف هذه الصورة عن التحول الخطير الذي وقع عندما أصبحت السلطة السياسية أداة في النزاع الديني.

 

فبعد أن كان المسيحيون أنفسهم ضحايا للتعذيب الروماني، أصبحت الدولة المسيحية في مراحل لاحقة تمارس أساليب مشابهة ضد من تصفهم بالهراطقة أو المتمردين.


 

القسطنطينية والدولة الإمبراطورية

 

يمكن القول باختصار إن القرن الخامس شهد تحولات عنيفة؛ فقد سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية، بينما استمرت الدولة الشرقية وعاصمتها القسطنطينية.

 

وفي الوقت نفسه تحولت الإمبراطورية الشرقية إلى دولة شديدة المركزية، ارتبطت فيها الكنيسة بالسلطة الإمبراطورية، وأصبح الخلاف الديني قد يؤدي إلى النفي أو السجن أو الملاحقة.

 

ومن هنا يصح القول إن بعض مراحل الدولة القسطنطينية اتسمت بالعنف الديني والسياسي، لا سيما في تعاملها مع الجماعات المخالفة للعقيدة الرسمية.


 

نشاطات التبشير في إفريقيا والبلاد العربية

 

فرومنتيوس وانتشار المسيحية في إثيوبيا

 

يرتبط تاريخ دخول المسيحية إلى إثيوبيا باسم فرومنتيوس ورفيقه إيديسيوس.

 

وتذكر الروايات أنهما وقعا في الأسر وهما غلامان، ثم نقلا إلى البلاط الإثيوبي، حيث خدما في المحكمة الملكية.

 

وخلال وجودهما هناك، كانا ينشران العقيدة المسيحية بحرية نسبية، ويتواصلان مع التجار والمقيمين المسيحيين.

 

وبعد أن أعتقا، عاد إيديسيوس إلى مدينة صور، أما فرومنتيوس فاختار مواصلة العمل في إثيوبيا.

 

فسافر إلى الإسكندرية، وطلب من أثناسيوس بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية هناك أن يرسل أسقفًا وكهنة إلى إثيوبيا لتعليم أهلها وتثبيت المسيحية بينهم.

 

فرأى أثناسيوس أن فرومنتيوس نفسه هو أنسب من يتولى هذه المهمة، فعينه أسقفًا وأعاده إلى إثيوبيا.

 

وعاد فرومنتيوس، وارتبط اسمه بتعميد الملك عيزانا، وبناء عدد من الكنائس، وتنظيم الكنيسة الإثيوبية.

 

وقد سماه الناس:

كاشف النور

 

كما عرف باسم:

أبّا سلامة – Abba Salama

 

أي أبو السلام.

 

واعتبر أول رئيس للكنيسة الإثيوبية، وأصبح شخصية مركزية في تاريخ المسيحية في القرن الإفريقي.


 

المبشرون في الجزيرة العربية

 

لم تكن الجزيرة العربية معزولة عن النشاط الديني المسيحي، بل عرفت جماعات مسيحية ومبشرين ورهبانًا كانوا ينتقلون من منطقة إلى أخرى.

 

وقد ذكر ابن إسحاق، كما نقله ابن هشام في السيرة النبوية، أخبارًا عن رجال كانوا على دين عيسى ابن مريم، يسيحون في الأرض ويدعون الناس إلى عبادة الله.

 

ومن أبرز تلك الروايات قصة فيميون.


 

فيميون ودخول النصرانية إلى نجران

 

جاء في السيرة النبوية لابن هشام:

«قال ابن إسحاق: حدثني المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس، عن وهب بن منبه اليماني أنه حدثهم: أن موقع ذلك الدين بنجران كان أن رجلًا من بقايا أهل دين عيسى ابن مريم يقال له فيميون، وكان رجلًا صالحًا مجتهدًا زاهدًا في الدنيا، مجاب الدعوة، وكان سائحًا ينزل بين القرى، لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف بها، وكان لا يأكل إلا من كسب يديه، وكان بناء يعمل الطين، وكان يعظم الأحد، فإذا كان يوم الأحد لم يعمل فيه شيئًا، وخرج إلى فلاة من الأرض يصلي بها حتى يمسي».

 

وتقدم هذه الرواية صورة لمبشر زاهد لا يعتمد على المؤسسات أو الأموال، بل يعيش من عمل يده، وينتقل بين القرى، ويدعو الناس بسلوكه وعبادته.

 

وكان فيميون بناءً يعمل بالطين، ولا يأكل إلا من كسبه، ويخصص يوم الأحد للعبادة والصلاة.

 

وقد ارتبط اسمه ـ في رواية ابن إسحاق ـ ببداية انتشار النصرانية في نجران.


 

عبد الله بن الثامر

تذكر السيرة كذلك قصة عبد الله بن الثامر، الذي أصبح داعية إلى توحيد الله في نجران.

 

وجاء فيها:

«فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدًا به ضر إلا قال له: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل في ديني وأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحد الله ويسلم، ويدعو له فيشفى. حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه، فاتبعه على أمره، ودعا له فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران».

 

وتبين الرواية أن عبد الله كان يربط دعوته إلى التوحيد بالدعاء للمرضى، وأن كثيرًا من الناس اتبعوه بعد أن شفوا ـ بحسب الرواية ـ من أمراضهم.

 

فلما بلغ خبره ملك نجران، استدعاه وقال له:

«أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك».

 

فأجابه عبد الله:

«لا تقدر على ذلك».

 

ثم حاول الملك قتله بإلقائه من جبل مرتفع، فلم يصبه أذى، وألقاه في مياه مهلكة، فخرج سالمًا.

 

فلما عجز الملك عن قتله، قال له عبد الله بن الثامر:

«إنك والله لن تقدر على قتلي حتى توحد الله، فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي فقتلتني».

 

وتكمل الرواية:

«فوحد الله تعالى ذلك الملك، وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، ثم هلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم من الإنجيل وحكمه».

 

ثم يذكر ابن إسحاق أن النصرانية انتشرت من هناك في نجران، وأن أهلها تعرضوا لاحقًا لما تعرض له غيرهم من الأحداث والتغيرات.

 

ويختم الرواية بقوله:

«فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران، والله أعلم بذلك».

 

ثم قال:

«فهذا حديث محمد بن كعب القرظي، وبعض أهل نجران، عن عبد الله بن الثامر، والله أعلم أي ذلك كان».

 

ويظهر من هذا الختام أن ابن إسحاق نقل أكثر من رواية، ولم يجزم بجميع تفاصيلها، بل رد علم حقيقتها إلى الله.


 

التبشير في الإمبراطورية البيزنطية

 

استمرار الدولة الرومانية الشرقية

 

لم تسقط الإمبراطورية الرومانية في جهتها الشرقية بأيدي القبائل الأريوسية كما سقطت الدولة الغربية، بل استمرت نحو ألف سنة أخرى.

 

وعرفت هذه الدولة في الدراسات التاريخية اللاحقة باسم:

الإمبراطورية البيزنطية

 

وكان مركزها القسطنطينية.

 

وفيها كانت سلطة الإمبراطور قوية، وكان يتدخل في شؤون الكنيسة، ويعقد المجامع، ويعين بعض البطاركة أو يعزلهم، ويصدر القوانين المتعلقة بالعقيدة.

 

أما في الغرب، ولا سيما بعد ضعف السلطة الإمبراطورية في روما، فقد ازدادت قوة البابا، وأصبح يتمتع بنفوذ ديني وسياسي واسع.

 

ومن هنا نشأ اختلاف في طبيعة العلاقة بين الكنيسة والدولة:

  •  
  • في القسطنطينية كانت سلطة الإمبراطور أقوى في الغالب من سلطة البطريرك.

  •  
  • وفي روما، ولا سيما بعد سقوط الإمبراطورية الغربية، أصبحت سلطة البابا أقوى وأكثر استقلالًا.


 

المراكز المسيحية الخمسة

 

كانت هناك خمسة مراكز كبرى للكنيسة المسيحية، عرفت لاحقًا بالبطريركيات الكبرى، وهي:

  1. روما.

  2. القسطنطينية.

  3. أنطاكية.

  4. القدس.

  5. الإسكندرية.

ولم تكن هذه المراكز دولًا مستقلة يحكمها البابوات بالمعنى السياسي الكامل، لكنها كانت مراكز كنسية ذات سلطة دينية واسعة.

 

وكان لكل مركز منها بطريرك أو أسقف كبير، كما كان لكل منها تقاليده ومدرسته اللاهوتية ونطاق نفوذه.

 

وقد لعبت هذه المراكز دورًا أساسيًّا في الخلافات المسيحية، ولا سيما في مسائل طبيعة المسيح والثالوث والمجامع.


 

انتشار الإسلام

 

بداية التحول في القرن السابع

 

في القرن السابع الميلادي ظهر الإسلام في جزيرة العرب، ثم انتشر خارجها بسرعة كبيرة.

 

وكانت الكنائس الشرقية في ذلك الوقت تعاني انقسامات حادة بين المذاهب المختلفة، ولا سيما بين الدولة البيزنطية والكنائس التي رفضت قرارات المجامع الرسمية.

 

وقد أضعفت هذه الانقسامات الجبهة الداخلية للدولة البيزنطية، وأسهمت في توتر علاقتها بالشعوب الخاضعة لها في مصر والشام.

 

ثم وقعت الحروب بين المسلمين وبين الروم البيزنطيين، الذين يعرفون في بعض المصادر العربية باسم بني الأصفر.

 

وقد انتقلت خلال عقود مناطق واسعة من الشام ومصر وشمال إفريقيا من الحكم البيزنطي إلى الحكم الإسلامي.


 

شهادة من أطلس كتاب مقدس مسيحي

 

ورد في أحد أطالس الكتاب المقدس المسيحية النص الآتي:

«تمثل هجرة نبي الإسلام محمد من مكة إلى المدينة عام 626م بداية التقويم الإسلامي. وكان أهل المدينة متعاطفين مع تعاليمه عن وحدانية الله وشر المادية. وكمهاجر استطاع محمد أن يقضي على النزاعات القبلية، وأن يكون لنفسه سلطة وقيادة. ونتيجة نجاحه في ساحة الحرب تبع معظم غرب الجزيرة العربية ديانته الإسلام عند موته سنة 632م. نظر النبي إلى اليهودية والمسيحية كسابقتين للإسلام. وكان هو خاتم الأنبياء والمرسلين، والتي ابتدأت من إبراهيم وتضمنت المسيح. وبذلك كان ودودًا مع المسيحيين واليهود في البلدات التي فتحها الإسلام. إن سرعة انتشار الإسلام في السنوات الأولى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لهو دليل على مدى تسامح الإسلام كمجتمع يسمح بممارسة الديانات التوحيدية الأخرى، وجزئيًّا على مدى قبول الشعوب المغلوبة للإسلام».

 

ويلاحظ أن التاريخ المشهور للهجرة النبوية هو سنة 622م، لا 626م، ولذلك يبدو أن ما ورد في النص المنقول خطأ مطبعي أو تاريخي في المصدر.

 

ومع ذلك، تحمل هذه الشهادة أهمية خاصة؛ لأنها صادرة عن مرجع مسيحي، ومع ذلك تعترف بعدة حقائق، منها:

  •  
  • تركيز الإسلام على وحدانية الله.

  •  
  • نجاح النبي محمد ﷺ في إنهاء كثير من النزاعات القبلية.

  •  
  • اعتبار الإسلام نفسه امتدادًا لرسالات إبراهيم والمسيح وسائر الأنبياء.

  •  
  • تسامح المجتمع الإسلامي مع أتباع الديانات التوحيدية.

  •  
  • أن قبول الشعوب المفتوحة للإسلام أسهم في سرعة انتشاره.

 

وهذا يتعارض مع الصورة التي تحاول اختزال انتشار الإسلام في السيف والإكراه وحدهما.


 

لقاء النبي ﷺ بالمبشرين

 

ذكرت السيرة النبوية لابن هشام كذلك وجود إرساليات أو أفراد من النصارى كانوا ينتقلون من مكان إلى آخر، والتقى بعضهم بالنبي محمد ﷺ.

 

وهذا يدل على أن الجزيرة العربية لم تكن خالية من المسيحية، وأن الحوار بين المسلمين والنصارى بدأ منذ عصر النبوة.

 

وكانت في الجزيرة جماعات مسيحية في نجران واليمن وأطراف الشام والعراق، إلى جانب أفراد من الرهبان والدعاة الذين يسافرون بين المناطق.


 

الكنائس الشرقية وانتشارها إلى آسيا

 

المونوفيسية والنسطورية

 

بقيت الكنائس المونوفيسية، التي تؤمن بطبيعة واحدة للمسيح، والكنائس النسطورية، موجودة في إثيوبيا والشرق الأوسط ومناطق واسعة من آسيا.

 

وكانت هذه الكنائس في خلاف مع الكنيسة البيزنطية الرسمية، كما دخلت لاحقًا في صراعات سياسية ودينية مع الدولة الإسلامية في بعض الفترات، وإن اختلف موقفها من المسلمين من منطقة إلى أخرى.

 

وقد تطورت هذه الكنائس وأرسلت حملات تبشيرية إلى الشرق، فأسست جماعات وكنائس في تركستان ومنغوليا ومناطق أخرى من آسيا الوسطى.

 

كما انتشرت المسيحية في الهند والصين، ووصل المبشرون الشرقيون إلى مناطق بعيدة لا تخضع للسلطة الرومانية أو البيزنطية.

 

غير أن هذه الجماعات تعرضت في مراحل لاحقة للقمع والاضمحلال، واختفت أو ضعفت كثيرًا في عدد من المناطق بحلول القرن العاشر وما بعده.

 

 


 

القرنان التاسع والعاشر

 

المسيحيون في الأندلس

 

في فترة الحكم الإسلامي لإسبانيا، المعروفة بالأندلس، عاش المسيحيون في ظل الدولة الإسلامية، وتمتعوا بحقوق دينية واجتماعية واسعة.

 

وكانت لديهم كنائس يمارسون فيها عباداتهم وطقوسهم، كما احتفظوا برجال دينهم وتنظيماتهم المحلية.

 

ولم يقتصر الأمر على حرية العبادة، بل كانت للمسيحيين الأندلسيين اتصالات مباشرة مع الكنائس في الإمبراطورية الرومانية المقدسة ومناطق أوروبا المسيحية.

 

كما شارك بعضهم في الإدارة والترجمة والطب والتجارة، وتأثروا باللغة والثقافة العربية إلى درجة أن جماعات منهم عرفت باسم المستعربين.


 

حركة يولوغيوس والاستفزاز الديني

 

ظهر في الأندلس مبشر مسيحي شهير يدعى يولوغيوس – Eulogius.

 

وقد اتخذ موقفًا متشددًا من المسلمين، وحرض بعض المسيحيين على مواجهتهم، وإثارة الشبهات والجدالات الدينية، واستفزاز السلطات والمجتمع من أجل الوصول إلى ما اعتبروه الشهادة والموت في سبيل المسيحية.

 

وكان يشجع على سياسة تشبه الدعوة إلى الحرب المقدسة الفكرية، من خلال شتم الإسلام والطعن فيه علنًا، وإثارة النزاع مع المسلمين.

 

وتبعه عدد من المسيحيين، فتعمدوا توجيه الإهانات إلى المسلمين ودينهم، وأثاروا الاضطراب، ثم أعدم بعضهم بعد إصرارهم على الاستفزاز العلني.

 

ولم يكن هؤلاء جميعًا ضحايا اضطهاد بسبب ممارستهم عبادتهم في الكنائس، بل تعمد بعضهم تحدي النظام العام وإهانة مقدسات المجتمع الإسلامي طلبًا للموت والشهادة بحسب اعتقادهم.


 

دور العلماء المسلمين في احتواء الفتنة

 

في مواجهة هذه الحركة، لم يكن الرد الإسلامي قائمًا على العنف وحده، بل ظهر علماء استخدموا الكتابة والوعظ والرد على الشبهات.

 

ويذكر في هذا السياق العالم الأندلسي الكبير الباجي، الذي كان سلاحه العلم والبيان والمناظرة.

 

فرد على الشبهات، وخاطب الناس بالحجة، وأسهم في تهدئة الفتنة وإسكات خطاب التحريض.

 

وبذلك عادت الأمور إلى مجاريها، وتراجع التوتر بين المسلمين والمسيحيين المواطنين.

 

وتبين هذه الحادثة أن الصراع الديني لم يكن حتميًّا، وأن العلم والحوار والرد المنظم كان يمكن أن يكون بديلًا عن الفوضى والاستفزاز المتبادل.

 


 

خلاصة المرحلة

 

شهدت الفترة الممتدة من القرن الرابع إلى القرن العاشر تحولات عظيمة في تاريخ المسيحية والتبشير.

 

ففي القرن الرابع انتصر التيار الأرثوذكسي، وتحول من مذهب بين مذاهب متعددة إلى العقيدة الرسمية التي تحميها الدولة.

 

ثم تدخل الأباطرة في الخلافات اللاهوتية، واستخدمت السلطة أحيانًا في ملاحقة الجماعات التي وصفت بالهرطقة.

 

وفي القرن الخامس سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية، وانتشرت الممالك الجرمانية، وكان كثير منها يدين بالأريوسية، مما أدى إلى صراعات سياسية ومذهبية.

 

وفي المقابل استمرت الإمبراطورية الشرقية في القسطنطينية، ونشأ فيها نموذج تكون فيه سلطة الإمبراطور أقوى من السلطة الكنسية، بينما ازدادت قوة البابا في الغرب.

 

كما امتد النشاط التبشيري إلى إثيوبيا على يد فرومنتيوس، وإلى نجران ومناطق الجزيرة العربية من خلال أفراد دعاة مثل فيميون وعبد الله بن الثامر بحسب الروايات الإسلامية.

 

ثم ظهر الإسلام في القرن السابع، وانتشر في بلاد كانت تعاني الانقسام الكنسي والاضطهاد البيزنطي، وأقام نظامًا سمح في الجملة لأهل الديانات التوحيدية بممارسة شعائرهم.

 

واستمرت الكنائس الشرقية في إرسال المبشرين إلى الهند وتركستان ومنغوليا والصين.

 

أما في الأندلس، فقد عاش المسيحيون في ظل الحكم الإسلامي محتفظين بكنائسهم واتصالاتهم بالعالم المسيحي، إلى أن ظهرت حركات استفزازية متطرفة سعت إلى صناعة صدام ديني، فواجهها العلماء المسلمون بالكتابة والمناظرة والرد على الشبهات.

 

وهكذا لم يكن تاريخ التبشير في هذه القرون مجرد تاريخ وعظ ديني، بل كان تاريخًا متداخلًا مع السياسة والإمبراطوريات والمجامع والاضطهادات والانقسامات المذهبية والحروب، وهو ما سيؤثر لاحقًا في طبيعة الحملات التبشيرية في العصور الوسطى وما بعد عصر الإصلاح.